عمّان ودمشق… لقطع الطريق على المتربّصين

محمود الريماوي

جاءت الهزّة التي أصابت قبل أيام العلاقات الوثيقة بين الأردن وسورية شبيهة بالهزّات التي تصيب باطن الأرض: بدون أي مقدّمات. ففي مناسبات مختلفة، وخلال زيارات متبادلة بين الجانبين، السوري والأردني، لمسؤولين رسميين وأمنيين من الجانبين، جرى التأكيد على رسوخ العلاقات وعمقها وعلى تنسيق أمني شبه يومي بين البلدين. ولم يظهر أي عائقٍ جدّيٍّ أمام تطور العلاقات، بالرغم من استمرار عمليات تصدير المخدّرات وأحيانا الأسلحة إلى الجانب الأردني، وإحباط هذه العمليات، وفي مناسبات متعدّدة جرت الإشارة إلى أن محافظة السويداء مصدر عمليات التهريب تلك.

وقد تحدثت المصادر الأردنية عن تنسيق مع الجانب السوري بخصوص الضربة التي وجهها سلاح الجو على مواقع في محافظة درعا جنوبي سورية. وبينما تحدّثت عمّان عن استهداف عناصر إرهابية ومستودع ضخم للأسلحة يتبع هؤلاء، فقد تحدّثت دمشق عن ضحايا مدنيين فحسب، فيما عقّب الجانب الأردني بأن خيمة منصوبة ومأهولة بالقرب من مبنى مستهدف تعرضت إلى عصفٍ أودى بالضحايا الأبرياء. لم تنجح البيانات الصادرة من الجانبين في احتواء الموقف إلى أن صدر بيان مشترك مساء الثلاثاء عن وزارتي الخارجية في البلدين، وعقب اتصال بين الوزيرين، السوري أسعد الشيباني والأردني أيمن الصفدي، وجرى فيه التعبير عن الأسف والألم من الصفدي لوقوع ضحايا مدنيين مع تقديم التعازي للجانب السوري، والإعلان عن لجنىة ثنائية مشتركة تتولى متابعة المسألة من جميع جوانبها. على أن اليوم التالي الأربعاء قد شهد استدعاء الخارجية السورية السفير الأردني في دمشق، وتسليمه مذكّرة احتجاج على ما حدث.

وكأي هزّة، أصابت الرأي العام في البلدين بالقلق، وبخاصة أن حدوثها لا يتسق مع العلاقات الطيبة والمتنامية بين البلدين. ولم تنجح التصريحات السورية بشأن التعاطف مع ضحايا كنيسة حمود في الكرك، ولا التصريحات الأردنية بشأن تفهم الموقف الرسمي والشعبي السوري لوقوع ضحايا مدنيين في الجنوب، في احتواء الموقف. وبينما انتظر الرأي العام في البلدين تشكيل اللجنة المشتركة ومباشرتها عملها، إذا باستدعاء السفير الأردني إلى الخارجية السورية يحدّ من التوقعات الإيجابية. بيد أن الأمر لم يكن بتلك القتامة في صفوف الرأي العام في البلدين، كما ظلت التصريحات الرسمية على الجانبين تشدّد على العلاقات الأخوية والحرص التام على إدامتها، وهو ما انعكس أيضا في مجمل الأداء الإعلامي، وبعضه على المنصات، من تأثر وألم لفقدان حياة مدنيين أبرياء في حمود الكرك وفي قرى درعا.

كما أنّ مكافحة الإرهاب مصلحة مشتركة، فإنّ حماية المدنيين، وبالبداهة، مصلحة مشتركة

وقد ظلت هناك للأسف حلقة مفقودة، تمثلت في انقطاع التواصل المباشر بين الجانبين. ورغم أن الأمر يتعلق ببضعة أيام فقط، إلا أن وقع هذا الانقطاع، إضافة إلى تداعيات ما حدث، كان ثقيلاً على الرأي العام في البلدين. وظلت الأنظار تتطلع إلى كسر هذا الجمود بين ساعة وأخرى، وبخاصة بعدما تبدّد الأثر الإيجابي للاتصال الهاتفي بين وزيري الخارجية، والبيان المشترك بعده، فيما ظهر تطوّر إيجابي في إعادة الجانب السوري فتح الحدود البرّية، حيث اندفعت مئات الشاحنات والحافلات والمركبات إلى عبور الحدود صباح الأربعاء. ومع الثقة بأن دمشق وعمّان سوف تنجحان في تجاوز هذه الأزمة العارضة، إلا أن عامل الوقت يبدو مهمّاً، فالرأي العام يتطلع إلى عودة الأمور إلى طبيعتها في أقرب الآجال، وليس في وقت ما قريب في المستقبل.

ومع الضبابية التي خيّمت على الموقف، تذهب التقديرات إلى أن العامل الأمني قد تقدّم في الاعتبار، وفي التعامل مع الموقف على ما هو سياسي في الأيام القليلة الماضية، وأنه ليس غريباً أن يتسم ذلك العامل بالتكتم، فهذا جزءٌ من طبيعته، علاوة على أن التواصلات الأمنية لا تعرف الجمود أو الانقطاع، خلافاً لما قد يبدو على القنوات الرسمية أحياناً، وبخاصة أن الجانبين الرسميين، الأردني والسوري، وقعا تحت ضغط الانفعالات السياسية والإنسانية، نتيجة ما جرى في كنيسة الكرك وما وقع في قرى بمحافظة درعا. غير أن المستوى السياسي هو من يحدّد السياسات ويبلور القرارات، وإليه تتجه الأنظار للتوصل إلى حلٍّ أخوي وموضوعي، يهدئ النفوس ويجيب على التساؤلات، ويضع حدّاً للخلافات الطارئة، وكلما كان ذلك أسرع كان أفضل من أجل تجفيف منابع الفتنة بين البلدين.

المتضرّرون من توطيد العلاقات الأردنية السورية يتربّصون وينشطون لإذكاء خلاف عارض وتغذيته

وكما أن مكافحة الإرهاب مصلحة مشتركة، فإن حماية المدنيين هنا وهناك تمثل، وبالبداهة، مصلحة مشتركة. ومن أجل هذا، تتطلع الأنظار إلى استعجال تشكيل لجنة ثنائية، تعاين الوضع من جميع جوانبه، وتدير حواراً أخوياً صريحاً ومسؤولاً بين الجانبين، يفضي إلى تفاهمات راسخة وآليات تنسيق نشطة على مدار الساعة وقنوات تواصل مفتوحة.

حذّر الملك عبد الله الثاني، في خطابه أمام الأمم المتحدة في الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، من أي تهديد للحدود الشمالية وللأمن المائي للأردن، باعتباره تهديدا للأمن القومي، وحذّر من استمرار إسرائيل في نهجها العدواني في جنوب سورية، ومن تماديها في هذا النهج. والحال أن جنوب سورية يزخر بالتحدّيات كما بالفرص، مع بروز دعواتٍ انفصالية وسعي إلى الالتحاق بدولة الاحتلال. ومع استمرار أنشطة تصدير المخدّرات والأسلحة، وإن بوتيرة أقل، إلى وجود جيوب إرهابية كما يصفها الأردن، وهو ما يستحق إرساء تعاون نشط بين البلدين، يضاف إلى ما سبق إبرامه من اتفاقيات تعاون متعدّدة المجالات.

وفي القناعة أن عامل الوقت مهم في جبر الضرر وجبر الخواطر، فالمتضرّرون من توطيد العلاقات الأردنية السورية يتربّصون وينشطون لإذكاء خلاف عارض وتغذيته، ويضم هؤلاء فلول النظام السابق وأصحاب النزعة الانفصالية في جنوب سورية إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي التي تبيّت شرّاً لسورية والأردن بالعبث الخطير في جنوب سورية، يضاف إلى تعدّياتها اليومية، وهو ما يملي جعل تلك المنطقة في الجنوب، كما في الشمال الحدودي الأردني، مساحة للتفاعل الإيجابي والتعاون الشامل المطّرد، وبما يحفظ، بطبيعة الحال، سيادة البلدين وأمنهما، ويمتن أواصر الأخوّة بين الشعبين. ولا يدخل ما تقدّم في باب الوعظ السياسي، بل هي محدّدات لتصفير الخسائر وتوسيع الآفاق وتعظيم الفرص.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى