
لم يكن المشهد السياسي في ليبيا يوماً مستقراً على وتيرة واحدة، بل تُعاد، بين فترة وأخرى، صياغة أجزائه السياسية تبعاً للتحرّكات الإقليمية والدولية ومصالح النافذين والمتدخلين فيها، بالتوازي كذلك مع التحرّكات الداخلية للفاعلين على الأرض غرباً وشرقاً، وفي قلب هذه التحولات والتغيرات التي طرأت أخيراً تبرز اتفاقيات وتحالفات جديدة تُعيد رسم هذه التحالفات، لتكشف عن براغماتية حادة تتجاوز الشعارات الأيديولوجية إلى المصالح المجردة، سواء من ناحية تغير رئاسة البرلمان في الشرق الليبي، إلى الانعطاف الكبير تجاه الاتفاقية البحرية التركية، وصولاً إلى كواليس التفاهمات المتعثرة لتوحيد شطري البلاد؛ يتشكل واقع ليبي جديد يحمل في طياته أسئلة كثيرة بشأن مآلات الاستقرار والسيادة الحقيقية الوطنية.
من هذا المنطلق، بدأت فصول المخاض الجديد من اتفاق 4+4 الذي ترعاه البعثة الأممية للدعم في ليبيا، لينتج عنه تبعاً لذلك تحولات كبيرة بطريقة أو أخرى في بنية القرار داخل الشرق الليبي، توجت أخيراً بتغيرات في رئاسة البرلمان أفرزت ديناميكيات جديدة يراد بها صناعة مشهد سياسي ليبي تنعكس أبعاده على المشهد الداخلي شرقاً وغرباً، ولعل أبرزها التغير الذي حدث في الخطوة المتمثلة في مصادقة مجلس النواب بالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني وتركيا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، ناهيك عن مصادقة مجلس النواب بالإجماع على إلغاء قرارين صادرين عن المجلس عام 2020. يتعلق الأول برفض المصادقة على مذكرتي تفاهم بين البلدين، والثاني إلغاء قرار قطع العلاقات السياسية مع الجمهورية التركية، وبالتالي فإن هذه الخطوة تحمل في طياتها مفارقة تاريخية؛ فالبرلمان الذي كان في عام 2019 وما بعدها يعتبر هذه الاتفاقية “ملغاة” عاد اليوم ليصادق عليها ويلغي قرارات مقاطعة تركيا وقطع العلاقات معها، هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزلٍ عن الواقع السياسي الداخلي الليبي المتجدد والمتغير، خاصة في النفوذ والمصالح.
وعلى هذا الجانب، لم تقف الدبلوماسية التركية عند حدود الاختراقين، الاقتصادي والبحري، بل تجاوزته لتلعب دوراً سياسياً يحاول تقريب الهوة بين الأطراف الليبية شرقاً وغرباً، متمثلة في تحركات مكثفة وزيارات متبادلة استهدفت الجانب العسكري ومن ثم السياسي، حيث شملت مساعي حثيثة لتوحيد المؤسسة العسكرية، ودمج الهياكل الأمنية، فضلاً عن طرح تسويات تشمل إعادة هيكلة السلطة التنفيذية كالمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية.
المزاج الشعبي العام للمجتمع الليبي بات يتأرجح بين حالة من الإرهاق المزمن واللامبالاة الممتزجة بالغضب الصامت
لكن هذه التفاهمات، ورغم الزخم الدبلوماسي الخارجي الكبير الذي تحظى به، تبدو وكأنها تسير نحو الارتطام بالواقع المعقد من جهة، والتقاطع الدولي والإقليمي في البلاد من جهة أخرى، حيث تبرز محاولات توحيد الجيش أو التغيرات الرئاسية في الأجسام السياسية إلى حسابات سياسية قد لا تتماشى مع الواقع على الأرض، فضلاً عن المصالح الإقليمية والدولية المتشابكة والمضادة في آن واحد. وبالتالي، فإن انتزاع اعتراف قانوني وسياسي بمذكرة ترسيم الحدود البحرية، لا يعني بالقدر نفسه تفكيك عقدة السلطة المتشابكة بين طرابلس وبنغازي، حيث تبدو كل صيغة توافقية وكأنها مفخخة بتناقضات الداخل وانقسامات العواصم الإقليمية الداعمة لأطراف النزاع.
وفي ظل هذه التحولات، يبقى السؤال الأهم معلقاً، وهو: أين موقع القاعدة الشعبية والمجتمعية من كل ما يجري؟ خصوصاً أن المزاج الشعبي العام للمجتمع الليبي بات يتأرجح بين حالة من الإرهاق المزمن واللامبالاة الممتزجة بالغضب الصامت، فمثلاً على الصعيد الشعبي، يُنظر إلى هذه الاتفاقيات وصفقات التقارب الأخيرة على أنها لا تعدو أن تكون “تقاسماً للنفوذ” بين طبقة سياسية لا أكثر ولا أقل، من دون أن تنعكس هذه التسويات على الشأن السياسي تصحيحاً له من ناحية إقامة الانتخابات وتجديد الشرعية، أو حتى استقراراً حقيقياً في الخدمات الأساسية، لتبقى صناديق الانتخابات هي الفيصل في قيام الدولة لا في التسويات المغلقة أو التفاهمات في العواصم الخارجية.
ومن ثَمَّ، تثبت الأحداث الأخيرة أن الأزمة في ليبيا ليست صراعاً سياسيّاً حقيقيّاً، بقدر ما هي صراع مصالح متحركة على رقعة شطرنج إقليمية ودولية، مفادها بأن الجغرافيا السياسية لا تعرف الثوابت. ومن جهة أخرى، تبقى القاعدة الشعبية هي الفيصل الصامت الذي سينطق يوماً، وتتغير معه وبه المعادلة السياسية في البلاد.
المصدر: العربي الجديد






