
الشبكة توثّق نشر قناصة على أسطح منازل سكنية في قرية جملة للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد، وتطالب بتحقيق مستقل ومساءلة المسؤولين
تدين الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل المدني معاذ سلامة البعير، من أبناء قرية جملة في ريف محافظة درعا الغربي، وهو شخص من ذوي الإعاقة مصاب بمتلازمة داون، إثر تعرضه لإطلاق نار من القوات الإسرائيلية خلال عملية توغل بري نفذتها في القرية يوم الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
وتؤكد الشبكة أنَّ المعلومات التي وثقتها بشأن الحادثة تثير مخاوف جدية من وقوع انتهاك للحق في الحياة، وتستوجب إجراء تحقيق مستقل وفعّال لتحديد ظروف استخدام القوة المميتة ومدى مشروعيتها، وضمان مساءلة المسؤولين عن أي انتهاكات يثبت ارتكابها.
كما تدين الشبكة استمرار التوغلات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وتحذّر من المخاطر الإضافية الناجمة عن نشر قناصة على أسطح منازل سكنية خلال عملية التوغل ذاتها، وهو تطور جديد ضمن نمط العمليات التي رصدتها الشبكة منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
أولًا: توثيق التوغل البري ومقتل المدني معاذ سلامة البعير
بحسب المعلومات الأولية التي جمعتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان استنادًا إلى مصادر متعددة، من بينها مصادر محلية موثوقة ومواد متاحة من مصادر مفتوحة، توغلت القوات الإسرائيلية بريًا رفقة 12 سيارة عسكرية في قرية جملة في ريف درعا الغربي، فجر يوم الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وانتشرت في القرية، خاصة في الحي الشرقي.
وخلال التوغل، تعرض المدني معاذ سلامة البعير لإطلاق نار من عناصر القوات الإسرائيلية، ما أدى إلى مقتله. وتشير الإفادات المحلية إلى أنَّه كان موجودًا في أحد شوارع القرية عندما وجه إليه الجنود الإسرائيليون أوامر بالتوقف أو العودة، لكنه لم يستجب لهم، بسبب المتلازمة المصاب بها.
وفي المقابل، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، نقلًا عن الجيش الإسرائيلي، أنَّ القوات الإسرائيلية رصدت شخصًا وصفته بأنَّه مشتبه به يقترب من الجنود، وأنَّها نفذت إجراءات لتوقيفه، قبل أن تطلق النار عليه بعدما واصل الاقتراب، مدعيةً أنَّ إطلاق النار جاء لإزالة تهديد، ومشيرةً إلى أنَّ الحادثة تخضع للمراجعة.
https://drive.google.com/file/d/1q0pXtOzMNP4pn2rWlRXy0TMmtpWwpVb8/view?usp=sharing
وتؤكد الشبكة أنَّ هذه الرواية تستوجب التحقق المستقل، ولا تشكل بحد ذاتها دليلًا على وجود تهديد فعلي يبرر استخدام القوة المميتة. وتشير المعلومات التي جمعتها الشبكة حتى الآن إلى أنَّ معاذ كان مدنيًا أعزل، ولم يكن يشارك في أي أعمال قتالية وقت إطلاق النار عليه.
كما تلقت الشبكة روايات محلية تفيد بأنَّ القوات الإسرائيلية نقلت الضحية بعد إصابته، وأنَّ جثمانه وُجد لاحقًا قرب إحدى النقاط التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية، قبل تسليمه عبر ترتيبات قيل إنَّ قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) والدفاع المدني السوري شاركت فيها. ونُقل الجثمان إلى مستشفى درعا الوطني، ثم سُلّم إلى ذويه وشُيّع في قريته.
ولم تتمكن الشبكة، حتى تاريخ نشر هذا البيان، من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل هذه الروايات، ولا سيما ما إذا كان الضحية على قيد الحياة عند نقله، وتوقيت وفاته، وما إذا قُدمت له الرعاية الطبية اللازمة عقب إصابته، والدور الدقيق الذي أدته الجهات المعنية في إجراءات تسليم الجثمان.
وتواصل الشبكة جمع الأدلة والشهادات المتعلقة بالحادثة، ومراجعة المواد المصورة والمعلومات المتاحة من المصادر المفتوحة، بهدف استكمال التحقق من تسلسل الأحداث وتحديد المسؤوليات.
وتدعو الشبكة كل من يمتلك معلومات أو شهادات أو مواد توثيقية ذات صلة إلى مشاركتها عبر بريدها الإلكتروني الرسمي:
ثانيًا: توثيق نشر قناصة على أسطح منازل سكنية في قرية جملة
رصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، خلال عملية التوغل ذاتها، قيام القوات الإسرائيلية بنشر عدد من القناصة على أسطح منازل سكنية داخل قرية جملة.
ووفقًا لما وثقته الشبكة من عمليات التوغل الإسرائيلية[1] منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، فإنَّ هذه أول حادثة ترصد فيها الشبكة نشر قناصة على أسطح منازل سكنية خلال تلك العمليات.
ويثير هذا التطور مخاوف إضافية بشأن سلامة السكان المدنيين، ولا سيما في ظل المخاطر التي قد تنشأ عن استخدام المباني السكنية لأغراض عسكرية، وما قد يترتب عليه من تعريض سكان تلك المباني والمنازل المجاورة لأخطار العمليات العسكرية.
وتؤكد الشبكة أنَّ تنفيذ العمليات العسكرية داخل مناطق مأهولة بالسكان يفرض التزامًا باتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين والأعيان المدنية، وتجنب تعريضهم لمخاطر يمكن تفاديها. كما يتعين على القوات العسكرية، بالقدر الممكن عمليًا، تجنب إقامة مواقع وأهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها.
وتحذر الشبكة من أنَّ استمرار انتشار القوات الإسرائيلية داخل الأحياء السكنية، وما يرافقه من تفتيش للمنازل وإقامة نقاط عسكرية مؤقتة ونشر عناصر مسلحة فوق المباني، يزيد من المخاطر التي يتعرض لها السكان المدنيون، ويقوّض شعورهم بالأمان واستقرارهم في مناطقهم.
ثالثًا: ارتفاع حصيلة القتلى الموثقين على يد القوات الإسرائيلية إلى ما لا يقل عن 70 شخصًا منذ سقوط نظام الأسد
مع توثيق مقتل معاذ سلامة البعير، ارتفعت حصيلة الأشخاص الذين وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتلهم على يد القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إلى ما لا يقل عن 70 شخصًا، معظمهم مدنيون، من بينهم ثلاثة أطفال وثلاث نساء.
وبحسب قاعدة بيانات الشبكة، توزعت حالات القتل الموثقة، وفقًا لسياق وقوعها، على النحو الآتي:
- 30 شخصًا قُتلوا خلال عمليات التوغل البري والقصف الجوي والأرضي المرتبط بها.
- 39 شخصًا قُتلوا جراء هجمات وغارات جوية منفصلة.
- شخص واحد قُتل جراء إطلاق نار مصدره إحدى النقاط العسكرية التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية في محافظة القنيطرة.
وتشمل هذه الحصيلة مدنيين، وأشخاصًا قُتلوا في سياقات شهدت اعتراضًا أو اشتباكات مع سكان محليين، إضافة إلى عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية قُتلوا جراء هجمات جوية إسرائيلية. وتؤكد الشبكة ضرورة التمييز بين هذه الفئات عند تقييم الوضع القانوني لكل واقعة.
وتوزعت حصيلة القتلى الموثقة بحسب المحافظات على النحو الآتي:
– درعا: 19
– ريف دمشق: 19
– القنيطرة: 4
– دمشق: 3
– السويداء: 25
وتمثل هذه الأرقام الحد الأدنى للحالات التي تمكنت الشبكة من توثيقها وفق منهجيتها، ولا تعني بالضرورة أنَّها تشمل جميع حالات القتل التي وقعت خلال الفترة المذكورة.
رابعًا: الاستنتاجات القانونية:
- انتهاك السيادة السورية والالتزامات المتعلقة بفض الاشتباك
تندرج حادثة مقتل معاذ سلامة البعير ضمن سياق استمرار التوغلات والعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما رافقها من انتهاكات موثقة طالت حياة المدنيين وأمنهم وممتلكاتهم وحريتهم في التنقل.
وتؤكد الشبكة أنَّ تنفيذ عمليات عسكرية داخل أراضي دولة أخرى دون موافقتها، وخارج الحالات التي يجيزها القانون الدولي، يتعارض مع مبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وحظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة.
كما تشدد على ضرورة احترام اتفاق فض الاشتباك بين القوات السورية والإسرائيلية لعام 1974، والالتزامات المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرار 2824 (2026)، الذي أكد وجوب احترام أحكام الاتفاق، وشدد على عدم جواز ممارسة أي نشاط عسكري داخل منطقة الفصل.
وفي المناطق التي تمارس فيها القوات الإسرائيلية سيطرة فعلية على الأراضي السورية، تنطبق قواعد قانون الاحتلال ضمن الحدود الجغرافية لتلك السيطرة، وفقًا للمادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 والقواعد ذات الصلة من القانون الدولي الإنساني.
- حماية المدنيين والحق في الحياة
تشير المعلومات التي وثقتها الشبكة إلى أنَّ معاذ سلامة البعير كان مدنيًا أعزل، ولم يكن يشارك بصورة مباشرة في أعمال عدائية وقت تعرضه لإطلاق النار، الأمر الذي يجعله مشمولًا بالحماية المقررة للمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني.
ولا يشكل مجرد اقتراب شخص مدني من قوة عسكرية، أو عدم امتثاله لأوامرها، مبررًا تلقائيًا لاستخدام القوة المميتة ضده، ولا يؤدي بحد ذاته إلى فقدانه الحماية المقررة للمدنيين.
وتخضع مشروعية إطلاق النار للتقييم بحسب طبيعة العملية والظروف المحيطة بها. وفي الحالات التي تحكمها معايير إنفاذ القانون، لا يجوز اللجوء عمدًا إلى القوة المميتة إلا عندما تكون ضرورية بصورة صارمة لحماية الأرواح، وبعد مراعاة الوسائل الأقل ضررًا المتاحة.
وتؤكد الشبكة أنَّ استخدام القوة المميتة ضد شخص مدني من ذوي الإعاقة يستوجب تدقيقًا إضافيًا في الظروف المحيطة بالحادثة، بما في ذلك قدرة الضحية على سماع الأوامر وفهمها والاستجابة لها، ومدى مراعاة الجنود لهذه الظروف، وطبيعة التهديد الذي زُعم أنَّه شكّله، والبدائل التي كانت متاحة قبل إطلاق النار.
وتكتسب هذه الاعتبارات أهمية خاصة في ضوء اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما المادتين 10 و11 المتعلقتين بالحق في الحياة وحماية الأشخاص ذوي الإعاقة في حالات الخطر، بما فيها النزاعات المسلحة.
وبناءً على المعطيات المتوفرة، ترى الشبكة أنَّ مقتل معاذ سلامة البعير يثير مؤشرات جدية على احتمال وقوع حرمان تعسفي من الحق في الحياة، بما يستوجب تحقيقًا مستقلًا وفعّالًا لتحديد مشروعية استخدام القوة والمسؤوليات الناشئة عنه، مع التمييز بين ثبوت الانتهاك القانوني وإثبات المسؤولية الجنائية الفردية.
- المخاطر المترتبة على نشر القناصة فوق المنازل السكنية
يثير نشر قناصة على أسطح منازل سكنية داخل قرية مأهولة مخاوف قانونية تتعلق بسلامة المدنيين والأعيان المدنية، ومدى الالتزام باتخاذ الاحتياطات الممكنة لحمايتهم من أخطار العمليات العسكرية.
وتقتضي قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي اتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية السكان المدنيين من آثار العمليات العسكرية، وتجنب وضع الأهداف العسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها بالقدر الممكن عمليًا.
ويستوجب تقييم مشروعية استخدام المنازل السكنية لأغراض عسكرية النظر في الظروف الفعلية لكل حالة، ومدى وجود المدنيين فيها أو بالقرب منها، والمخاطر التي ترتبت على استخدامها، والتدابير المتخذة لتقليل تلك المخاطر.
- واجب التحقيق والمساءلة وجبر الضرر
تؤكد الشبكة أنَّ الحالات التي تتوافر فيها مؤشرات معقولة على وقوع قتل غير مشروع تستوجب إجراء تحقيق سريع وفعّال وشامل ومستقل ومحايد، وفقًا للمعايير الدولية ذات الصلة، ولا سيما بروتوكول مينيسوتا بشأن التحقيق في حالات الوفاة المحتمل أن تكون غير مشروعة.
وينبغي أن يشمل التحقيق ظروف إطلاق النار، وهوية العناصر والوحدات العسكرية المشاركة، والأوامر الصادرة إليها، وطبيعة التهديد المفترض، ومدى توافر بدائل لاستخدام القوة المميتة، فضلًا عن الإجراءات المتخذة لإسعاف الضحية عقب إصابته.
كما يتعين ضمان حق أسرة الضحية في معرفة الحقيقة بشأن ظروف مقتله، والوصول إلى سبل انتصاف فعالة والحصول على جبر ضرر مناسب وفقًا للقانون الدولي.
خامسًا: التوصيات والمطالب
تطالب الشبكة السورية لحقوق الإنسان بما يلي:
- القوات والسلطات الإسرائيلية: الوقف الفوري للتوغلات العسكرية غير المشروعة داخل الأراضي السورية، واحترام سيادة الجمهورية العربية السورية وسلامة أراضيها، والامتثال لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
- التحقيق والمساءلة: فتح تحقيق مستقل وشفاف وفعّال في حادثة مقتل معاذ سلامة البعير، وحفظ الأدلة المتعلقة بها، والكشف عن نتائج التحقيق، وضمان مساءلة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت مسؤوليتهم عنها.
- حماية المدنيين: الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان الواجبة التطبيق، ولا سيما حظر استهداف المدنيين، وحماية الحق في الحياة، والامتناع عن استخدام القوة المميتة خارج الحالات التي يجيزها القانون الدولي.
- حماية الأشخاص ذوي الإعاقة: مراعاة أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء تنفيذ العمليات العسكرية والأمنية، بما يشمل وسائل التواصل الملائمة، والتحقق من قدرتهم على فهم الأوامر والاستجابة لها، وعدم اعتبار عدم الامتثال للأوامر دليلًا تلقائيًا على وجود تهديد يبرر استخدام القوة المميتة.
- الحد من المخاطر في المناطق السكنية: الامتناع، بالقدر الممكن عمليًا، عن نشر القناصة وإقامة المواقع العسكرية داخل المنازل والتجمعات السكنية أو بالقرب منها، عندما يؤدي ذلك إلى تعريض المدنيين لمخاطر يمكن تجنبها، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحمايتهم.
- الأمم المتحدة وقوات أندوف: متابعة الحادثة ورصد ما يتصل بها من وقائع ضمن حدود الولاية المقررة لقوات أندوف، وتعزيز الرصد والإبلاغ بشأن آثار التوغلات العسكرية الإسرائيلية على السكان المدنيين، وإحالة المعلومات ذات الصلة إلى الجهات الأممية المختصة.
- الحكومة السورية: اتخاذ الخطوات الدبلوماسية والقانونية اللازمة عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن والهيئات الدولية المختصة لمواجهة الانتهاكات المرتبطة بالتوغلات الإسرائيلية، والمطالبة بالتحقيق فيها وضمان مساءلة المسؤولين عنها.
- السلطات السورية المختصة: تعزيز إجراءات حماية المدنيين والاستجابة العاجلة للحوادث في المناطق التي تتكرر فيها التوغلات، وضمان تقديم الإسعاف والرعاية الطبية، وتوثيق الأدلة وحفظها وفق المعايير الدولية، والتعاون مع الآليات الأممية والدولية المختصة بما يدعم التحقيق، والمساءلة، وحقوق الضحايا، وأسرهم.
المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان
دمشق، 25 تشرين الأول/أكتوبر 2026:
[1] الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقرير حول الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد – صدر في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026
https://snhr.org/arabic/?p=26424






