
لا تقتصر أهمية الانتخابات المرتقبة على نتائجها المباشرة بل تمتد إلى ما قد تفرزه من تغيرات في أولويات صناع القرار
تتجه الأنظار إلى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في إسرائيل والولايات المتحدة، في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات سياسية وأمنية متسارعة، وما تفرضه من تحديات على مستقبل سوريا وعلاقاتها الإقليمية. وبينما تستعد إسرائيل لانتخاباتها، تقترب الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسط تساؤلات بشأن انعكاسات هذه المحطات على سياسات واشنطن تجاه الشرق الأوسط، وحدود تأثيرها في سلوك الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما في ما يتعلق بالملف السوري والتدخلات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي السورية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه دمشق تحديات معقدة على المستويين الداخلي والخارجي، في ظل استمرار التوتر على الجبهة الجنوبية الغربية، وتداخل الحسابات الإسرائيلية والأميركية مع الملفات الأمنية والسياسية السورية. وبين مساعي التوصل إلى تفاهم أمني يحد من التصعيد، والتحركات الإسرائيلية الرامية إلى تعزيز النفوذ وفرض شروط ميدانية وسياسية، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين استمرار الوضع القائم وإمكانية نشوء تفاهمات جديدة تعيد رسم ملامح العلاقة بين الجانبين.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات المرتقبة على نتائجها المباشرة، بل تمتد إلى ما قد تفرزه من تغيرات في أولويات صناع القرار، وطبيعة الضغوط التي يمكن أن تمارسها واشنطن على تل أبيب، ومدى استعداد الأطراف المعنية لتعديل حساباتها بما يتناسب مع موازين القوى الجديدة. ففي إسرائيل، قد تدفع الاعتبارات الانتخابية الحكومة إلى توظيف الملفات الأمنية في تعزيز موقعها الداخلي، بينما توازن الإدارة الأميركية بين مصالحها الاستراتيجية في المنطقة وحساباتها الانتخابية، بما في ذلك مواقف جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل وتأثيرها في المشهد السياسي الأميركي.
وفي المقابل، يبرز العامل السوري بوصفه عنصراً حاسماً في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة، إذ إن قدرة دمشق على تعزيز التماسك الداخلي، وتوسيع دائرة التوافق الوطني، وترسيخ علاقاتها العربية، قد تؤثر في قدرتها على مواجهة الضغوط الإسرائيلية وتحسين موقعها في أي مفاوضات محتملة. كما تكتسب ملفات الجنوب السوري، وفي مقدمتها محافظة السويداء، أهمية متزايدة في ظل المخاوف من توظيف التباينات الداخلية والتنوع المجتمعي في تحقيق أهداف سياسية وأمنية تتجاوز حدود هذه المناطق.
وبين الرهانات على تغير الحسابات بعد الانتخابات والتحذيرات من استغلال الانقسامات الداخلية، يبرز تساؤل أساسي حول مدى قدرة الاستحقاقات الانتخابية على فتح نافذة لتفاهمات سورية إسرائيلية جديدة، أو ما إذا كانت ستمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة إضافية لمواصلة سياساتها الحالية. فالمسألة لا تتعلق بالنتائج الانتخابية وحدها، بل أيضاً بطبيعة المواقف الأميركية، ومدى تماسك الجبهة السورية، وقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من إدارة التصعيد إلى البحث عن ترتيبات أمنية أكثر استقراراً.
وفي هذا السياق، تتباين القراءات بشأن مستقبل العلاقة بين دمشق وتل أبيب، بين من يربط فرص التهدئة بتبدل المعادلات الانتخابية، ومن يرى أن بناء موقف سوري موحد وتعزيز أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والإعلامية يمثلان شرطاً أساسياً لمواجهة التدخلات الإسرائيلية. فهل تشكل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية نقطة تحول في مسار العلاقة بين سوريا وإسرائيل، وتمهد الطريق أمام تفاهمات أمنية جديدة، أم أن تعقيدات المشهد الإقليمي والانقسامات الداخلية ستبقي احتمالات التصعيد قائمة؟
ويرى الكاتب الصحفي أحمد مظهر سعدو أن الانتخابات الإسرائيلية، التي تعقبها انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، قد تمثل عتبة سياسية تليها تحولات في طبيعة العلاقة السورية – الإسرائيلية، إن صحّ التعبير، مشيراً إلى أن هذه المرحلة قد تحمل تغيرات في الحسابات السياسية والأمنية المرتبطة بالملف السوري.
ويضيف لـ “963+”، أن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على سوريا في المرحلة الراهنة قد ترتبط إلى حد ما، بحسابات انتخابية داخلية، وبمحاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توظيف الأوضاع الأمنية والسياسية بما يخدم حملته الانتخابية ويسهم في كسب مزيد من الأصوات. ومن هذا المنطلق، يلفت إلى أن تأخر التوصل إلى تفاهم أو اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل قد يكون مرتبطاً أيضاً بالانتخابات الإسرائيلية وما تفرضه من تعقيدات وحسابات سياسية.
وفي المقابل، يشير سعدو إلى أن الدعم الأميركي المستمر لسوريا، والتأكيد المتكرر على أهمية استقرارها، يرتبطان بدورهما بحسابات سياسية أوسع، في ظل ترقّب إدارة الرئيس دونالد ترامب لمواقف جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، ومدى إمكانية توظيف هذه المواقف بما يخدم مصالح ترامب في انتخابات التجديد النصفي. ويرى أن ذلك قد يفسّر، جزئيًا، غياب ضغوط أمريكية كبيرة على نتنياهو، أو عدم ممارسة واشنطن ضغوطًا كافية لدفعه نحو وقف الاعتداءات الإسرائيلية والتوصل إلى تفاهمات أمنية مع دمشق.
وبناءً على ذلك، يعتقد الكاتب الصحفي أن الانتخابات الإسرائيلية والأميركية قد تؤثر في مسار العلاقة بين سوريا وإسرائيل، مشيرًا إلى أن المرحلة التي تليها ربما تشهد تحولات تفتح الباب أمام تفاهمات جديدة بين الطرفين، وإن كان ذلك يظل مرهونًا بطبيعة النتائج الانتخابية، وتوازنات القوى، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
كما يلفت إلى أن هذا المسار يرتبط بعدد من الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملف الجنوب السوري، ولا سيما محافظة السويداء، موضحاً أن إسرائيل، وفق تقديره، تحاول توظيف هذا الملف ورقةً في حساباتها السياسية والأمنية، بما يخدم شروطها في أي تفاهمات مقبلة.
وفي هذا السياق، يشير سعدو إلى أن هذه الملفات تبدو مترابطة ضمن مسعى أوسع لإعادة صياغة العلاقة المتوترة بين سوريا وإسرائيل، والوصول إلى تفاهم أمني جديد يحدد طبيعة العلاقة بين الجانبين، ويضع حداً للاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي السورية.
ويختتم الكاتب مظهر سعدو حديثه بالإشارة إلى أن تحقق هذا السيناريو سيبقى مرهوناً بمدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات، وبطبيعة الضغوط الأميركية وحدودها، فضلاً عما ستفرزه الانتخابات من معادلات سياسية جديدة قد تفتح المجال أمام مسار مختلف في العلاقة بين دمشق وتل أبيب.
بدوره، يقول أحمد فؤاد أنور عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية لـ “963+”، أن الجانب السوري بحاجة إلى توحيد صفوفه، ليس بعد الانتخابات فحسب، بل منذ المرحلة التي تسبقها؛ فالانتخابات قد تترتب عليها تداعيات تمتد لأشهر، وربما تستدعي إعادتها. ويؤكد أن من الضروري ألّا يتحول الداخل السوري إلى ساحة للتنافر والانقسام، بل أن يتوافر حدّ أدنى من التوافق الوطني الذي يمكّن السوريين من مواجهة الأطماع الإسرائيلية الرامية إلى ضم مزيد من الأراضي، وهي أطماع تحظى بدعم الإدارة الأميركية الحالية.
ويضيف أن هذا التوافق يمثل عنصراً أساسياً في المرحلة الراهنة، إلى جانب ضرورة امتلاك مزيد من أوراق الضغط على الجانب الإسرائيلي. ويوضح أن إسرائيل لا تستجيب، في كثير من الأحيان، إلا لموازين القوة بمختلف أشكالها، سواء أكانت اقتصادية أم إعلامية أم معرفية وتوعوية أم علمية. ومن ثم، فإن تعزيز هذه الأدوات يمثل في تقديره، مساراً سليماً لدعم الموقف السوري في أي مفاوضات مقبلة.
وفي المقابل، يشير أنور إلى أن إسرائيل تسعى إلى تفتيت الجبهة السورية واستغلال مواطن الضعف فيها، بما يتيح لها ابتزاز الإدارة السورية الحالية وتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية خلال المفاوضات. ويلفت إلى أنه كلما كان الطرف السوري منقسماً أو تعرّض موقفه للتشويه، ازدادت قدرة إسرائيل على فرض شروطها وانتزاع مزيد من المكاسب على الأرض.
ويشدد فؤاد على ضرورة أن تعمل الحكومة السورية على توحيد الصفوف وإعادة ترسيخ موقع سوريا ضمن المنظومة العربية، باعتبارها دولة محورية يمكن أن تشكل ركيزة أساسية ودرعاً عربياً في مواجهة التحديات الإقليمية. ويكتسب ذلك، بحسب أنور، أهمية خاصة في ظل التمدد التركي في الشمال، والتحركات الإسرائيلية في الجنوب الغربي، المدعومة أميركياً، فضلاً عن المحاولات الرامية إلى استقطاب الدروز، أو بعض مكوناتهم، بما قد يخدم المشاريع الإسرائيلية وأطماعها التوسعية.
ومن هنا، يؤكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية أن المطلوب هو التحرك المبكر والجاد لقطع الطريق على هذه المخططات، من خلال بناء توافق وطني واسع، وتطوير أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والإعلامية والمعرفية. ويرى أنه لا ينبغي تأجيل هذه الخطوات إلى ما بعد الانتخابات، بل يجب الشروع فيها منذ الآن، لأن التحرك الاستباقي يمثل، في تقديره، سبيلاً مهماً لحماية المصالح السورية، وتعزيز الموقف التفاوضي، والحيلولة دون فرض وقائع جديدة على الأرض.
المصدر: “963+”






