
تحقيق الاستقرار الداخلي في أي دولة هو معادلة بطرفين: الدولة والمجتمع. لكنها، في المقابل، معادلة غير متوازية في طرفيها، إذ إن الدولة هي من تضطلع عملياً بتحقيق الاستقرار، وبالتالي هي الطرف الذي يدير من جهة، ويمتلك أدوات التنفيذ والتحقيق من جهة ثانية.
أما المجتمع، بما له من حقوق وما عليه من واجبات، فإن دوره لا يقل أهمية، وإن كانت الأدوات تختلف. صحيح أن المجتمع يكاد يكون في موقع المتلقي للسياسات والقرارات، إلا أنه في الوقت ذاته يستطيع أن يكون مؤثراً أو حتى مشاركاً فيها، على أن يكون ذلك على قاعدة التفاهم والحوار، وأن تكون الدولة هي المرجعية، وأن يكون الوطن واستقراره هما الهدف.
في سوريا، تختلف قليلاً المعادلة آنفة الذكر، أو بعبارة أدق، تتناقض في طرفيها، وفي كل طرف على حدة، إذ إن التحدي الأكبر أمام الدولة لتحقيق استقرار داخلي مستدام هو القدرة على بناء توافقات بين السوريين ضمن مناطقهم على امتداد الجغرافيا السورية، وحتى ضمن المنطقة الواحدة.
وهذه التوافقات هي ما يحقق حالة تحصين وحماية في آن، فالسوريون اليوم يحصدون ما زرعه نظام الأسدين على مدى ستة عقود تقريباً، من عداء وتفرقة واستقطاب طائفي وإثني بات حالة اجتماعية متجذرة.
لذلك، يتقدم التحدي الأمني الداخلي على ما عداه، ويستنزف جزءاً كبيراً من جهود الدولة السورية التي يفترض أن تتوزع على ملفات أخرى، أبرزها الملف الاقتصادي، إلى جانب تدعيم بناء المؤسسات لتقوم بدورها كجزء من الاستقرار الداخلي.
ويصبح التحدي الأمني أشد تعقيداً عندما يضاف إليه تنظيم داعش، الذي لا يزال ينشط في بعض المناطق رغم الضربات القاسية التي تعرض لها، إلى جانب ما يشكله ملف الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في مناطق من الجنوب السوري.
والجانب الآخر من عملية بناء التوافقات متعلق بالدولة نفسها، لناحية إرساء حالة ثقة مستدامة بها وبدورها كمرجعية وحيدة، وبما يحول دون تحول الخلافات والأزمات المجتمعية إلى صراع وجودي يحول الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات، أو إلى مشروع قابل للتقسيم.
فالوطن لا يقسم دفعة واحدة، بل يبدأ الأمر بتآكل الثقة، ثم شرخ في المجتمع، ثم انعدام الأمن وتحوله إلى حالة مناطقية أو فردية، ثم انهيار فكرة العيش المشترك، وبما يستحيل معه بناء عقد اجتماعي جديد.
لذلك، فإن الدولة السورية، طيلة العامين الماضيين ما بعد التحرير، عملت على ملف الأمن المجتمعي، وإعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الثقة، وترسيخ المواطنة، وتحقيق حالة توازن بين مهامها الخارجية والداخلية.
وهي تدرك أن التحديات ما زالت كبيرة ومتداخلة، وتزداد تعقيداً في ظل تقاطعات الصراعات الإقليمية، والمخاطر العالية التي تتوسع وتتصاعد مع استمرار الحرب الأميركية – الإيرانية، وغموض مآلاتها وتداعياتها.
الاستقرار كعلاقة تكاملية
لا شك أن قوة ومنعة أي دولة في مواجهة التهديدات الخارجية تبدأ من الاستقرار الداخلي، الذي يقوم، في جزء كبير منه، على بناء مجتمع قائم على أسس اقتصادية قوية تعزز قدرته على التكيف مع التحديات، وتالياً تجعله قادراً على أن يكون سنداً للدولة لا عبئاً عليها.
وبمعنى أن المجتمع، هو الحلقة الأولى التي تعمل عليها الدولة بمؤسساتها المختلفة، ليكون خط الدفاع الأول، والعامل الأكثر تأثيراً في عملية تحقيق الاستقرار الداخلي. وهذا لا يعني أن الاستقرار هو مسؤولية الدولة فقط، بل هو مسؤولية المجتمع بأفراده كافة.
ويرى المستشار القانوني حسن الحريري أن الأمر الأساسي هو أن تبدأ عملية بناء الدولة من الداخل، ومن الأمن المجتمعي، الذي يبدأ من تحقيق العقد الاجتماعي المفترض بين السلطة والأفراد.
ويضيف الحريري، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن الدولة السورية ما زالت تمر بمرحلة شديدة التعقيد والحساسية، تتداخل فيها الملفات الداخلية وتتقاطع مع الملفات الخارجية، وجميعها تتمحور حول حالة أمنية هي الأخطر في مسار عملية البناء والنهوض.
لذلك، ولأن المعادلة تقوم على دولة ومجتمع، فإن العلاقة لا يجب أن تكون متوازية بينهما، ولا يصح أن تكون كذلك. ولأجل أن تستطيع الدولة الاضطلاع بمهامها، خصوصاً داخلياً، لا يضير المجتمع أو الفرد، باعتباره جزءاً من الدولة، أن يكون ميسراً لمهامها.
ويرى المستشار القانوني أنه لا ضير من تنازل الفرد، مؤقتاً، عن جزء من الحقوق أو الحريات في سبيل تيسير عمل مؤسسات الدولة لما هو في الصالح العام، وبالدرجة الأولى تحقيق الأمن والاستقرار، فهذا يضمن للفرد حياته وماله ومستقبله، وما دام الفرد آمناً والمجتمع مستقراً، فإن الحقوق مؤمنة، والدولة ستكتسب قوة مضاعفة.
إذن، وفق المستشار الحريري، فإن قدرة سوريا كدولة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الأمن والاستقرار تتوقف على مدى نجاحها في تحصين الجبهة الداخلية أولاً، وفي قدرتها، ثانياً، على بناء علاقة توافقية أو عقد اجتماعي مع المجتمع.
ويرى أن هذا الأمر يتحقق وفق مسارين: الأول، يتعلق بنجاح المؤسسة الأمنية والجهات المختصة في احتواء محاولات زعزعة الاستقرار. فالأمن يرتبط بحماية المواطنين والممتلكات ومنع الفوضى، وليس بالضرورة أن يتم ذلك بالمواجهة الأمنية فقط. وهذا أمر مهم جداً، فنحن لا نريد العودة إلى ممارسات النظام المخلوع الذي زج الجيش في مواجهة المتظاهرين، رغم قلة أعدادهم في المرحلة الأولى، إلى جانب أنهم لم يكونوا مسلحين بالأساس.
ويضيف: السوريون يريدون سوريا جديدة تكون فيها المعالجات الأمنية حقيقية، تشبه العمليات الجراحية، حيث لا يتم استخدام القوة المفرطة، ولا تتم معاقبة مناطق أو مجتمعات كاملة أخذا بذنب بضعة أفراد.
ويتوازى نجاح المؤسسة الأمنية مع نجاح المؤسسات الإدارية في إرساء حالة استقرار مهني ووظيفي، وفي إدارة الأعمال والمهن الحرة وغيرها، والحفاظ على المكتسبات الاقتصادية على مستوى الفرد والمجتمع.
وهذا من شأنه أن يعزز الثقة بالدولة، ويحد من قدرة أطراف خارجية على استغلال الانقسامات الداخلية، ويمنع إعادة إنتاج الانقسامات، ويمنح الدولة قدرة وقوة على إدارة الملفات الدولية بما يعزز مكانة سوريا وموقعها عربياً وإقليمياً.
أما المسار الثاني، وفق الحريري، فيتعلق بالواقع الخدمي والمعيشي، وهذا يرتبط في جزء كبير منه بالحالة الاقتصادية.
فالاقتصاد القوي يسهم في تحقيق التوازن الاجتماعي، وبالتالي يقلل من التوترات السياسية والاجتماعية. وعندما تكون هناك فرص عمل متاحة وخدمات اقتصادية واجتماعية قوية، فإن الناس يميلون إلى التفكير بصورة أكبر في بناء المستقبل والمشاركة الإيجابية في عملية البناء والنهوض.
غير أن الحاجات الأكثر إلحاحاً، وفق الحريري، تتعلق بالتعليم والصحة. وواجب الدولة أن تعمل على تأمين الخدمات وتحسين واقعها، من الوقود والخبز والكهرباء والماء وغيرها، وواجب المواطن أن يكون على مستوى مسؤولية ما تبذله الدولة من جهد في سبيل تأمين الخدمات.
أما ما يتعلق بمسألة الألغام، يقول الحريري، فهي مسألة أمنية واجتماعية واقتصادية في آن، والجهات المختصة تسجل جهوداً كبيرة في سبيل التخلص منها، وتسعى إلى استقطاب خبرات دولية تفتح الطريق أمام سوريا بلا ألغام.
لقد زرع النظام المخلوع مئات آلاف الألغام في مناطق استراتيجية، بما فيها مناطق زراعية شاسعة، وهو ما أثر بشكل أساسي في الإنتاج الزراعي، وجعل جزءاً منها حالياً خارج العملية الاقتصادية لحين تنظيف الأراضي الزراعية من هذه الألغام.
الأمن في عامين
منذ بداية التحرير في 8 كانون الأول 2024، كان على مؤسسات الدولة، خصوصاً الأمنية، العمل ضمن بيئة اجتماعية محتقنة بفعل إرث عقود من الانقسام والفوضى والانهيار المجتمعي والاقتصادي، إلى جانب اكتظاظ البلاد بالتدخلات الخارجية والوجود العسكري الأجنبي.
وهو ما انعكس لاحقاً، بعد التحرير، في ملفات مزمنة وعلى مختلف المستويات، داخلياً وخارجياً.
ووفق المحللين السياسيين، فإن الدولة السورية نجحت في الكثير من المواضع، قياساً بحجم التهديدات والتحديات التي كانت قائمة، من الاحتقان المجتمعي إلى دعوات الانفصال والفدرالية، إلى الوضع الأمني بتقاطعاته الخارجية، إلى جانب الذاكرة الجمعية التي كانت تربط الأجهزة الأمنية بصور التعذيب والتنكيل والإذلال، فضلاً عن الفساد والرشوة والمحسوبيات وغيرها.
ونجحت الدولة السورية في ملاحقة شبكات الجريمة المنظمة، وفي تفكيك فلول النظام المخلوع وإفشال الكثير من محاولات تفجير المجتمع السوري.
كما باءت معظم محاولات تنظيم داعش لزعزعة الاستقرار بالفشل، حيث حاول التنظيم مراراً تنفيذ تفجيرات تستهدف الأقليات لتأجيج النعرات الطائفية وتأليبها على الدولة واتهامها بالتقصير في حمايتهم، إلى جانب تفكيك شبكات المخدرات واعتقال عناصرها، وكذلك شبكات تهريب السلاح والاتجار به.
وهذه نجاحات أمنية لا يستهان بها، لكن ذلك لا بد أن يقترن بجهود المؤسسات الأخرى على المستوى التعليمي والتربوي، والتعليم الديني والثقافي، والاهتمام بالشباب، ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
إذ إن مصادر الجريمة، على اختلاف أنواعها، يعود معظمها إلى الانهيار الاجتماعي، وعجز المؤسسات الاجتماعية، من الأسرة والمدرسة والجامعة وغيرها، عن الاضطلاع بمهامها.
معادلة الأولويات
في سوريا، وخلافا لكثير من التوقعات المتشائمة، يمكن القول إن هناك حالة استقرار سياسي تنعكس إيجاباً على مستوى الداخل.
وبمعنى أنه، على المدى الطويل، وبفعل العمل المستمر، فإن هذا الاستقرار السياسي هو أحد ركائز الأمن والاستقرار المجتمعي.
وعليه، يوسع المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو دائرة العرض والتحليل، مشيراً إلى أن جزءاً من عملية الاستقرار الداخلي يتعلق بالأولويات: أيبدأ العمل من الداخل إلى الخارج أم العكس؟ وهل يبدأ من السياسة أم الاقتصاد أم الأمن؟ وهل يبدأ من الناس أم من المؤسسات؟ وكيف تستعاد الثقة بالدولة والمؤسسات بحيث لا يتحول كل فرد أو جماعة إلى بديل عن المؤسسات، خصوصاً الأمن والقضاء؟
ويرى السيد سعدو، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن تحقيق الاستقرار الداخلي يتجاوز إعادة ترتيب المؤسسات الرسمية إلى بناء البيئة الداخلية أولاً، وترسيخ مفهوم المواطنة ثانياً، بوصفه إطاراً جامعاً لجميع السوريين.
وهذه المهمة ليست سهلة في ظل بيئة أمنية وسياسية لم تستكمل بعد مسار الانتقال، فلا تزال آثار الانقسام حاضرة في البيئة الاجتماعية، ولا يزال الخارج يمتلك قدرة على التأثير في المشهد الداخلي على مستويات عدة.
وهذا الأمر ليس متعلقاً بالدولة السورية بشكل كامل، بل بمعادلات إقليمية تفرض على سوريا طوقاً من التأثيرات التي لا مجال للفكاك منها، علما أن أولوية السياسة الخارجية السورية في هذه المرحلة هي منع جر البلاد إلى صراعات إقليمية أو مواجهات بالوكالة على حساب مسار الاستقرار والتعافي الداخلي.
لكن هذا التحدي لا يمكن التعامل معه إلا ببناء مؤسسات قادرة على العمل والنجاح، وتكون على مسافة واحدة من جميع المواطنين.
ويضيف سعدو أن عملية الاستقرار في سوريا كانت دائماً مسألة في غاية الأهمية منذ لحظة إسقاط نظام الأسد، لتدخل البلاد في مسار عملية بناء طويلة وشديدة الحساسية.
وهذه العملية لم تكتمل فيها بعد مقومات الاستقرار، في ظل واقع أمني لا يزال عرضة للعديد من الخضات الخطيرة، وفي ظل مؤسسات تستكمل بناء نفسها بعد سنوات من التفكك والحرب الطويلة.
لذلك، فإن سوريا تستمر ضمن وضعية محفوفة بالمخاطر، وترى أن العمل يجب أن يتركز على سد أبواب الاختراق وتحصين الجبهة الداخلية حتى لا تتحول إلى سلاح ضدها.
ويشدد سعدو على أن أخطر ما واجهته الدولة السورية لم يكن فقط في الفعل، بمعنى التهديد الأمني المباشر، بل في البيئة التي يتم العمل على إعادة تشكيلها من خلال إدامة التهديد الأمني وتعميق الاحتقان داخل المجتمع.
فحين يدفع الناس إلى الشارع تحت عناوين عاطفية أو مطالب معيشية، من دون أي ضمانات أو ضوابط، تصبح التجمعات ساحة مفتوحة للاختراق، وتتحول المطالب إلى وقود لمشروعات تفجير أمني وسياسي.
ولأجل أن تكون سوريا مستقرة وخالية من حوامل الفوضى الأمنية ومن التدخلات الخارجية، لا بد من تنظيم استراتيجيات أمنية داخلية على المدى الطويل، ولا بد من الوصول بأداء المؤسسات الخدمية والاقتصادية إلى الحالة التي تمنح المواطنين قدراً واجباً من الطمأنينة للحاضر والمستقبل، فيكون المواطن جزءاً من عملية البناء.
ويرى سعدو أن الدولة السورية، إذا ما كانت قد نجحت في احتواء أخطر الملفات الداخلية الأمنية، “تنظيم قسد”، وفي الوقت ذاته تعمل على النفس الطويل جنوباً، فهذا يعني، وفق تقديره، أنها قادرة على التعاطي مع جميع الملفات بالصورة التي يتم فيها تجاوز الأصعب منها.
وقد يحتاج النجاح إلى وقت، وقد تدفع تطورات الإقليم باتجاه المزيد من تأجيل تسوية عدة قضايا ملحة، لكن الممهدات، وفق هذا التقدير، تعطي الكثير من المؤشرات الإيجابية على أن الدولة السورية باتت أقرب إلى تحقيق حالة استقرار داخلي يعتد بها، وبما يمنحها قوة مواجهة أكبر على مستوى الأزمات والملفات الخارجية.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






