
تواصل بعض القوى والأصوات القومية الكردية تقديم مسألة المغمورين في محافظة الحسكة باعتبارها مشروعاً استيطانياً لاقتلاع الأكراد من أراضيهم وتغيير التركيبة السكانية للجزيرة السورية، مستخدمةً مصطلحات من قبيل «المستوطنين» و«الحزام العربي».
لكن ماذا تقول الوقائع التاريخية والأرقام؟
- المغمورون مهجّرون وليسوا مستوطنين:
هم سكان وادي الفرات الذين غمرت مياه سد الفرات قراهم وأراضيهم عام 1974، فخسروا موطنهم الأصلي واضطروا إلى الانتقال إلى مناطق أخرى، وبعضهم نُقل إلى الجزيرة رغم معارضته الشديدة للتهجير.
- الغالبية الساحقة لم تُنقل إلى الجزيرة:
قُدّر عدد المتضررين بنحو 86 ألف نسمة، استقر معظمهم في محيط بحيرة الفرات ومناطق أخرى، بينما نُقل نحو 25 ألفاً إلى 41 قرية فقط أُنشئت في محافظة الحسكة.
- المغمورون لم يشكّلوا تحولاً ديموغرافياً واسعاً:
بلغ عدد سكان قرى الغمر نحو 42,424 نسمة وفق تعداد عام 2004، أي قرابة أقل من 3% فقط من سكان محافظة الحسكة. وهي نسبة لا تسند الادعاءات بحدوث انقلاب ديموغرافي شامل نتيجة إسكانهم حيث يشكل الأكراد نحو 26% من محافظة الحسكة .
- الاستيلاء على الأراضي سبق إسكان المغمورين بعقد كامل، والأكراد كانوا من أبرز المستفيدين منه:
صدر قانون الإصلاح الزراعي عام 1958، قبل وصول البعث إلى السلطة وقبل إسكان المغمورين بنحو 15 عاماً، وطُبّق على كبار الملاكين في مختلف المحافظات السورية، بمن فيهم ملاك عرب وكرد وسريان.
والحقيقة التي تتجاهلها السردية القومية أن الفلاحين الأكراد كانوا أصلاً من أبرز المستفيدين من توزيع الأراضي المستولى عليها، شأنهم شأن الفلاحين العرب والسريان، بمن فيهم عشرات آلاف الأكراد الذين هاجروا من تركيا إلى الجزيرة السورية، وحصلوا على أراضٍ زراعية بموجب قوانين الإصلاح الزراعي، بعد أن كانوا لا يملكونها.
وبالتالي، فإن تصوير قانون الاستيلاء باعتباره إجراءً استهدف الأكراد حصراً، أو أن الأراضي المخصصة للمغمورين انتُزعت من الفلاحين الأكراد، يتناقض مع طبيعة القانون وآليات تطبيقه والوقائع التاريخية.
- مشروع محمد طلب الهلال لم يُنفّذ بصيغته المقترحة:
طرحت دراسته عام 1963 تصورات أمنية تضمنت تهجير الأكراد من الشريط الحدودي وإحلال سكان عرب مكانهم. لكن لا يصح التعامل مع تلك المقترحات وكأنها نُفذت حرفياً، أو اعتبار إسكان المغمورين دليلاً على تنفيذها.
فالمقترحات شيء، وما جرى على الأرض شيء آخر، ولا يجوز تحويل وثيقة تتضمن تصورات سياسية إلى دليل على وقائع تهجير لم يثبت حدوث شيء منها .
- لم يثبت إخلاء بيت كردي واحد، فضلاً عن قرية كردية كاملة، لإسكان المغمورين:
وهذه من أهم الحقائق التي ينبغي التوقف عندها؛ فلم توثق الدراسات التي استندنا إليها حالة واحدة لإخلاء منزل كردي من سكانه وإسكان عائلة من المغمورين مكانهم، فضلاً عن إخلاء قرية كردية كاملة وإحلال سكان عرب فيها.
لقد أُنشئت للمغمورين قرى جديدة على أراضٍ مملوكة للدولة، شملت أراضي الاستيلاء التي كانت قد خضعت لقوانين الإصلاح الزراعي.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين مصادرة أراضي كبار الملاكين بموجب سياسات الإصلاح الزراعي، وبين التهجير السكاني المباشر وإخلاء المنازل والقرى وإحلال جماعة سكانية مكان أخرى.
فهما مسألتان مختلفتان تاريخياً وقانونياً، والخلط المتعمد بينهما هو جوهر المغالطة التي تقوم عليها سردية «الحزام العربي».
- نعم، كانت هناك أهداف سياسية وراء اختيار الشريط الحدودي:
لا ننكر أن سلطة البعث استثمرت مأساة المغمورين لتحقيق أهداف سياسية وقومية في مناطق ذات كثافة كردية. لكن الاعتراف بهذه الأهداف لا يبرر اختزال المسألة في رواية استيطانية، أو تحميل الأسر المهجّرة مسؤولية سياسات السلطة في تعويضها ضمن حدود الدولة ومن أراضي الدولة السورية.
فوجود هدف سياسي وراء اختيار مواقع الإسكان لا يعني بالضرورة تنفيذ عمليات اقتلاع سكاني أو إحلال قسري، ولا يبرر الادعاء بوقوع أحداث لا تسندها الوقائع الموثقة.
- الضرر الناجم عن سياسات الاستيلاء لم يكن محصوراً بالأكراد:
شملت إجراءات الإصلاح الزراعي والاستيلاء ملاكاً من مختلف المكونات وخاصة العرب، كما أن الاعتراض المحلي على تخصيص الأراضي في مناطق الاستقرار الأولى للمغمورين كانت له دوافع اقتصادية واجتماعية ومن العرب قبل الأكراد فيما سبق، وليس قومية حصراً.
والأهم أن الفلاحين الأكراد، بمن فيهم مهاجرون استقروا في الجزيرة قادمين من تركيا، استفادوا من توزيع الأراضي الزراعية أسوة ببقية الفلاحين حتى في مناطق لم يقطنها الأكراد مثل نواحي تل حميس وجزعة وغيرها، وهو ما تتجاهله السردية التي تحاول تقديم الأكراد باعتبارهم الطرف المتضرر الوحيد من قوانين الاستيلاء.
كما أن فترة إسكان المغمورين لم تشهد، وفق ما أوردته دراستنا، صدامات عربية – كردية مرتبطة بإخلاء السكان المحليين من منازلهم لصالح الوافدين الجدد، في فترة لم تخلوا اساساً من صدامات بين الفلاحين والملاك على الأراضي .
- وصف المغمورين بالمستوطنين تحريض لا معالجة للمظالم:
إن إطلاق أوصاف جماعية تنزع الشرعية عن وجود عشرات آلاف السوريين في وطنهم، وتحميل أبنائهم وأحفادهم مسؤولية قرارات اتخذتها سلطة سياسية قبل نصف قرن، لا يخدم العدالة ولا السلم الأهلي.
ومن المفارقات أن بعض الخطابات القومية تصف المغمورين، وهم سوريون اقتُلِعوا من قراهم بسبب غمر أراضيهم، بالمستوطنين، بينما تتجاهل التاريخ الطويل للهجرات السكانية إلى الجزيرة، ومنها الهجرات الكردية القادمة من تركيا.
ولا يعني ذلك التشكيك بحقوق أي من هؤلاء السكان، بل التأكيد على أن حقوق المواطنة والإقامة والملكية لا يجوز إخضاعها لمعايير قومية مزدوجة.
- معالجة المظالم تكون بالحقوق والوثائق، لا بالشعارات القومية:
كل من يثبت تعرضه لمصادرة غير مشروعة أو انتهاك لحقوق الملكية، عربياً كان أم كردياً أم سريانياً، يستحق الإنصاف وفق القانون، بعيداً عن العقاب الجماعي أو إعادة إنتاج التهجير.
ولا يجوز أن تتحول المطالبة بتصحيح أخطاء سلطة البعث إلى ذريعة لاقتلاع أسر سورية استقرت في الجزيرة منذ أكثر من نصف قرن، أو إلى محاولة لإعادة هندسة التركيبة السكانية على أسس قومية معاكسة.
ختاماً :
المغمورون ضحايا تهجير اقتلعهم من أرضهم ومنازلهم، وليسوا جماعة غريبة جاءت لاحتلال أرض غيرها.
وإذا كانت سلطة البعث قد استثمرت مأساتهم لتحقيق أهداف سياسية، فإن ذلك لا يحوّل الضحايا إلى جناة، ولا يمنح أي طرف الحق في تجريدهم من حقوقهم الوطنية.
والأهم أن الحديث عن «حزام عربي» أُقيم عبر تهجير الأكراد وإحلال العرب مكانهم يفتقر إلى الدليل التاريخي على وقوع هذا التهجير؛ فلم يثبت إخلاء بيت كردي واحد، فضلاً عن قرية كاملة، لهذا الغرض.
الجزيرة السورية ليست ساحة لتصفية الحسابات القومية، وحقوق أبنائها لا تتجزأ، والتاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالوثائق والوقائع والأرقام.
——-
الصورة المرفقة تظهر مواقع القرى التي تم غمرها بسد الفرات
للمزيد من التفاصيل والمراجع التاريخية، يمكن العودة إلى دراستنا المنشورة بعنوان:
«المغمورون ومغالطة الحزام العربي» – تلفزيون سوريا.






