
إن ظاهرة الاختفاء القسري والخطف وخطورة هذه الظاهرة وما يتبعها من الانْتِهَاكَاتِ الجسيمة لحقوق الإنسان، وحرمان الأشخاص من حريتهم وإخفاء مصيرهم ومكان وجودهم تثير تساؤلات قانونية واجتماعية في مدى حماية القانون الدولي للأطفال والنساء والتزامات الدول، وَالْآلِيَاتِ الدولية لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر.
وقد شهدت سورية، ولا سيما منذ اندلاع الثورة ثم انعطافها إلى النزاع المسلح بعد عام 2011، حالات واسعة من الاعتقال التعسفي والخطف والاختفاء القسري، فقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر في آب 2025 استمرار اختفاء ما لا يقل عن 177,000 شَخْصٍ في سورية منذ آذار 2011، من بينهم 4536 طفلاً، و8984 امرأة بالغة، وفق قاعدة بياناتها. وقد تعاقبت التقارير المرتبطة بالنوع الاجتماعي خلال عام 2025؛ إذ أعرب خبراء أمميون عن قلقهم إزاء تقارير بشأن اختطاف واختفاء نساء وفتيات في مناطق سورية مختلفة تستوجب التحقيق المستقل بالارتكاز إلى الأدوات اللازمة لتحقيق مسؤولية مرتكبي هذه الانتهاكات.
وقد عرفت المادة الثانية من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري عام 2006: (يُعْتَبَرُ اختفاءً قسرياً حالات الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية على أيدي موظفي الدولة أو أشخاص أو مجموعات تتصرف بإذن الدولة أو دعمها أو موافقتها، يعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده بما يحرمه من حماية القانون). وتتداخل جريمة الاختفاء القسري مع جريمة الخطف؛ إذ يُعْتَبَرُ الخطف استيلاء غير مشروع على شخص أو نقله أو احتجازه دون رضاه أو دون سند قانوني، بما يحرمه من حريته في التنقل أو يضعه تحت سيطرة الجاني.
وهذا التعريف للاختفاء القسري يؤكد على مسؤولية السلطة الحاكمة في الدولة، وَيُفْتَرَضُ بها أن تكون قادرة على حماية مواطنيها وراعية القانون، حتى لو كان الاختطاف والاختفاء من أشخاص لا يأتمرون بها. وقد يشكل الاختطاف أو الاختفاء القسري إذا أُرْتُكِبَ في إطار هجوم واسع النطاق أو هجوم ممنهج ضد المدنيين -مع العلم بذلك- جريمة ضد الإنسانية تطالها المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ولا شك أن الاختفاء القسري للأطفال والنساء له آثار وانعكاسات اجْتِمَاعِيَّةٌ بالغة الخطورة، إن كان بالآثار النفسية الناجمة عن حالات القلق والصدمة والاكتئاب والخوف من مصير المختفي، أو كان بما يترتب عليه من آثار أسرية قد تؤدي إلى تفكك الروابط العائلية واضطراب الحياة الأسرية وحرمان الأطفال من رعاية أسرهم، أو ينعكس الاختفاء على فقدان المعيل إذا كانت النساء مُعِيلَاتٍ للأسرة، ثم ما يمكن أن يحدثه من تعقيدات قانونية في إثبات الحالة المدنية من الميراث والوصية والوصاية، وأخيراً ما يخلقه الاختفاء من تراجع الثقة بالمؤسسات الأمنية للدولة، وتعزيز الخوف والإفلات من العقاب واستمرار آثار النزاع عبر الأجيال.
وتكتسب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الخطف والاختفاء القسري عام 2006 أهمية خاصة في الحالة السورية باعتبارها إطاراً قانونياً مفصلاً للوقاية والتحقيق وكشف المصير وجبر الضرر، ومن المؤسف حقاً أن سورية ليست طرفاً في هذه الاتفاقية، ولا يمكن مواجهة الحكومة بالجرائم ضد الإنسانية إلا بموجب قرار يصدر عن مجلس الأمن دون استعمال حق الفيتو من الدول دائمة العضوية. ومع ذلك تظل سورية ملزمة بالإعلانات والاتفاقيات والقواعد الدولية الأخرى منها: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 في المواد (3-5-6-9) الذي ينص على حق الحياة والحرية والأمان، وحظر التعذيب والمعاملة المهينة أو العقوبة القاسية اللاإنسانية، وحظر الاعتقال أو الاحتجاز أو النفي التعسفي، والحض على الاعتراف بالشخصية القانونية للإنسان.
أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 في المواد (6-7-9-10-16) أيضاً تنص على حق الحياة وحظر التعذيب والمعاملة المهينة والاعتقال والاحتجاز التعسفي، ووضع ضمانات قانونية للمحتجز ومعاملة المحرومين من الحرية معاملة إنسانية، والاعتراف بالإنسان كشخص محترم أمام القانون.
وكما نصت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 في المواد (2-6-7-8-9-19-37-39) على حظر التمييز، والاعتراف للطفل بحق الحياة وحق في التسجيل عند الولادة وفي الاسم والجنسية ومعرفة والديه ورعايتهما، والتزام الدول بهذه الحقوق وضمانها، وحماية الطفل من جميع أشكال العنف والإساءة والإهمال، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية واتخاذ التدابير لتعافي ضحايا الإهمال أو الاستغلال أو التعذيب أو النزاعات المسلحة وإعادة إدماجهم اجتماعياً.
كما أن المواد (34-35-37) تلزم الدول باتخاذ التدابير الوطنية لمنع اختطاف الأطفال أو بيعهم أو الاتجار بهم لأي غرض وبأي صورة، وحماية الطفل من جميع أشكال الاستغلال والانتهاك الجنسي، وتحظر حرمان الطفل من حريته تعسفياً، وتضع ضمانات بشأن معاملته واحتجازه.
وأيضاً نصت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 على اتخاذ التدابير للقضاء على التمييز ضد النساء في كافة المجالات وصولاً إلى العدالة والإنصاف والتمتع بالحقوق القانونية، والتصدي لممارسات التهميش أو حِرْمَانِهِنَّ من الحماية، وخاصة زوجات المختفين وأمهاتهم وبناتهم وضرورة وُصُولِهِنَّ إلى المعلومات والمساعدات. صحيح أن الاتفاقية لا تتضمن تعريفاً محدداً لجريمة الاختفاء القسري لكنها تشكل إطاراً لحماية النساء من التمييز والعنف ومعالجة اختفاء أحد أفراد الأسرة أو اختفاء النساء عموماً.
كما أن اتفاقيات جنيف عام 1949 بما يخص القانون الدولي الإنساني أرست قواعد حماية المدنيين من الاعتداءات غير المشروعة، وحظرت القتل والتعذيب والمعاملة القاسية والاعتداء على الكرامة الإنسانية، ووضعت ضمانات لمعاملة الأشخاص المحتجزين، والتزامات بوجوب البحث عن المفقودين وجمع المعلومات عنهم، وتيسير التواصل العائلي، وشملت الحماية الخاصة للأطفال وحمايتهم من التجنيد واستخدامهم في الأعمال العدائية، كما وفرت تلك الاتفاقيات حماية الأطفال والنساء أثناء النزاعات المسلحة، وحظرت الأفعال المرتبطة بالخطف أو أخذ الرهائن.
وجاء نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998 الذي نص على إدراج الاختفاء القسري وخاصة في إطار هجوم ممنهج أو واسع النطاق ضد السكان المدنيين باعتبارها جرائم دولية بالغة الخطورة ورتب عليها المسؤولية الجنائية.
إن معالجة حالات الاختفاء القسري والخطف في سورية يجب أن تعتمد على الآليات المتاحة من قبل الأمم المتحدة، وهذه الآليات هي:
١- الفرق العاملة في مجال الاختفاء القسري التي تتلقى المعلومات وتتواصل مع الحكومات في إطار ولايتها للوقوف على مصير الأشخاص المختفين ومكان وجودهم إن أمكن.
٢- لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية، وقد وثقت هذه اللجنة انتهاكات جسيمة ارتكبتها أطراف النزاع، وتكمن أهمية تقاريرها في حفظ المعلومات وتحليل أنماط الانتهاكات ودعم جهود المساءلة.
٣- لجنة حقوق الطفل ولجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، اللتان تعملان على مراقبة تنفيذ الاتفاقيتين وتلقي التقارير من الجهات الحكومية وتقارير الظل من المنظمات المدنية، وإرسال ملاحظاتها وتوصياتها من أجل تعزيز حماية الأطفال والنساء.
٤- المؤسسات الدولية المعنية بالمفقودين: وتعمل هذه المؤسسات على جمع المعلومات وحفظها وتحليلها، وتبرز أهمية هذه المؤسسات المستقلة في سورية التي أنشأتها الأمم المتحدة في متابعة هذه الجرائم وحصرها ومراقبة التزامات الدولة في تحديد مصير المفقودين والمختفين قسرياً.
إن معالجة ظاهرة الخطف والمفقودين والمختفين قسرياً وخاصة من الأطفال والنساء تتطلب الجمع بين البحث والمتابعة للمختفين والمخطوفين، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر وضمان عدم تكرار الانتهاكات، كما تقتضي حماية خاصة للأطفال والنساء بما يضمن حقوقهم واحتياجاتهم وألا تتحول جريمة الاختفاء والخطف إلى حالة حرمان دائمة من تطبيق العدالة والكرامة الإنسانية.






