
يجد البعض في وصف نظام يمنح حرية التعبير والنقد للمواطنين بنظام دكتاتوري أمراً مستغرباً أو متناقضاً، لكنّ التدقيق في الشفرة الجينية الجديدة للاستبداد المعاصر يكشف أن الطغيان لم يندثر، بل أجرى مراجعة شاملة لدليل الهيمنة. فبدلاً من اللجوء إلى الترهيب والساطور وأجهزة الرقابة الثقيلة، تخلت السلطوية الحديثة عن الترهيب لصالح ما يسمى “دكتاتوريات التضليل” تلك التي تستعيض عن القمع المباشر بالهندسة الإدراكية، وتسمح بهوامش محسوبة من النقد وحرية الرأي كديكور خارجي لاستجرار الشرعية الدولية وامتصاص الاحتقان.
إننا أمام سلطوية سائلة تحاكي المؤسسات الديمقراطية بسخرية متقنة، وتُفرغ أدوات التعبير من مضمونها الحقيقي عبر الإغراق بالضجيج والتعمية المعرفية.
وكان العجز عن مواكبة هذا التحول السمة الأبرز للأنظمة التي هوت في مسار «الربيع العربي»، وآخرها نظام الأسد الذي بقي أسيراً لأدواته البدائية، مراهناً حتى رمقه الأخير على التدمير الشامل والعنف الاستعراضي لإخضاع الناس، بعدما أخفق تماماً في صياغة آليات هيمنة مرنة قادرة على إدارة التناقضات وتوجيه الوعي الجمعي.
من الترهيب إلى التعمية المعرفية
كتالوج (دليل) التحول الذي عجز نظام الأسد عن العمل به، وتتبعه أنظمة سلطوية قائمة اليوم، نجده كاملاً في كتاب “دكتاتوريات التضليل: الوجه المتغير للاستبداد في القرن الحادي والعشرين” (Spin Dictators: The Changing Face of Tyranny in the 21st Century) للباحثين سيرجي غورييف ودانييل تريسمان والصادر في أبريل 2022 عن دار نشر جامعة برينستون.
في ثنايا الكتاب يضعنا غورييف وتريسمان أمام مقارنة تاريخية ومفهومية بين نمطين من السلطوية. طغاة القرن العشرين الكلاسيكيون أمثال ستالين، وهتلر، وماو تسي تونغ، يضاف لهم الأنظمة العربية مثل حافظ الأسد وصدام حسين والقذافي، الذين بنوا شرعيتهم على “ميتافيزيقا الخوف” و”الشهودية المفرطة” للعنف.
كان العنف لديهم استعراضاً مسرحياً قصدياً، حيث المشانق في الساحات العامة، والمعتقلات الجماعية، والخطابات الملتهبة التي تتعدى السيطرة على جسد المواطن إلى استعمار طبقات وعيه الداخلي عبر أيديولوجيات شمولية مغلقة. لقد كانت “دكتاتورية الخوف” تتطلب كلفة باهظة من القمع والتجنيد المباشر، وتعتمد على إغلاق الحدود، وحجب الإشارات، وإنشاء أجهزة رقابة بيروقراطية ثقيلة كـ “جلافليت” السوفيتية.
في المقابل، أدرك الاستبداد المعاصر أن هذه أدوات بدائية، ومكلفة، ومستفزة للمجتمعات الحديثة وللشركاء الدوليين. إن الأطروحة الجوهرية للكتاب تكشف عن ميلاد طراز جديد من المستبدين نزعت فيه البزة العسكرية لصالح السترة الأنيقة، وتمت الاستعاضة فيه عن المعتقل السياسي بالدعوى القضائية المفبركة بتهم مالية أو إدارية، والمشهد المسرحي للإعدام بالاغتيال المعنوي أو التهميش المالي. إن الحاكم في دكتاتوريات التضليل مثل لي سين لونغ في سنغافورة، وفلاديمير بوتين في مراحله الأولى، لا يقدم نفسه كإله أو مخلّص ثوري، بل كـ “تكنوقراط” كفء، ومدير تنفيذي ماهر قادر على إدارة شؤون الدولة في عالم معقد.
تعتمد هذه الأطروحة على مفهوم الاقتصاد السياسي للمعلومات والاستعاضة عن القمع المباشر بـ “عدم المماثلة المعلوماتية” أي امتلاك أحد الأطراف معرفة وتفاصيل لا يملكها الآخر.
المستبد الجديد لا يحتاج إلى إقناع المواطنين بأيديولوجيا طوباوية مقدسة، بل يكفيه إقناعهم بقلة بدائله، وبأن أداءه الاقتصادي والإداري أعلى من أداء المنافسين، أو بأن البديل هو الفوضى.
إنها نقلة من “الترهيب الوجودي” إلى “التعمية المعرفية”، حيث يُحرّف الواقع لا عبر كتم الصوت بالكامل، بل عبر غمره بالضجيج، وتوليد حقائق بديلة تجعل المواطن العادي يمارس الامتثال العفوي دون أن يشعر بأنه مسلوب الإرادة.
هندسة السيطرة بلا دماء
يجمع الكتاب أدوات السيطرة في كتالوج (دليل) دكتاتوريات التضليل الحديثة، وهو تكتيكات شاملة تعتمد على الإكراه الناعم والمستتر لتحقيق الانقياد السياسي دون إثارة ردود فعل دولية أو خلق رموز وطنية للمقاومة. يتصدر هذه التكتيكات سلاح تلفيق الاتهامات بجرائم غير سياسية ومخلة بالشرف، حيث يكمن الهدف في تجريد المعارض من نبل قضيته وتشويه مكانته العامة أمام المجتمع عبر اتخاذ قضايا الفساد المالي، والتهرب الضريبي، والتحرش، والتهرب العسكري غطاءً للقبض والمحاكمة. تتجلى هذه الآلية تاريخياً وتطبيقياً منذ توجيه نيكولاي تشاوشيسكو في رومانيا عام 1967 بالقبض على الخصوم بتهم الاختلاس والتلاعب بالأموال العامة، وملاحقة نور سلطان نزارباييف في كازاخستان للصحفيين المستقلين بدعاوى غسيل الأموال واغتصاب القُصّر، وصولاً إلى استهداف فلاديمير بوتين للمعارض أليكسي نافالني بقضايا اختلاس الأخشاب والشركات التجارية والصيد غير المشروع، فضلاً عن تجربة مهاتير محمد في ماليزيا بمحاصرة أنور إبراهيم بتهم الفساد المالي وممارسة الشذوذ الجنسي.
يواكب هذا التشويه الأخلاقي تكتيك عقابي محكم يتمثل في الاحتجازات ذات الباب الدوار، والتي تستبدل أحكام السجن الطويلة الأمد بتوقيفات متكررة وقصيرة الأجل تتراوح بين عشرة أيام وثلاثين يوماً، بما يضمن استنزاف طاقة المعارض وتعطيل قدرته التنظيمية المستمرة، ويحول في الوقت ذاته دون تحوله إلى سجين رأي تتبنى قضيته المنظمات الحقوقية العالمية. برز هذا النمط جلياً في كوبا عبر الاستعاضة عن راؤول كاسترو العقوبات القاسية باحتجازات أمنية خاطفة لأيام معدودة، كما طبقته موسكو بحق نافالني من خلال إصدار أكثر من ثلاثة عشر حكماً بالسجن قصير المدى على مدى سنوات قبل اللجوء إلى محاولات التسميم والسجن النهائي. وإلى جانب تقييد الحرية المتقطع، تفرض السلطوية المعاصرة استراتيجية الإنهاك المالي والمادي عبر إغراق الفاعلين بالغرامات القضائية، ومطالبات التعويض المدنية الفلكية، وتجميد الحسابات البنكية لشل قدرتهم على الحركة، وهو ما مارسته السلطات الروسية بمضاعفة غرامات التظاهر خمسة أضعاف ومقاضاة منظمي الاحتجاجات بدعاوى هزلية كإتلاف المسطحات الخضراء وسداد تكاليف ساعات العمل الإضافية لأفراد الشرطة، وما أقدم عليه رافاييل كوريا في الإكوادور حين قضت المحاكم بتغريم صحيفة «إل يونيفرسو» ومحرريها أربعين مليون دولار في دعوى تشهير لإجبارها على الانهيار المالي.
تمتد أساليب التضييق إلى “ممارسة الإعاقة والاحتواء الإداري”، حيث تحرص السلطة ظاهرياً على إعلان احترام الدستور وحرية التعبير، بينما تعمد عملياً إلى تفريغها من مضمونها عبر عزل الاحتجاجات في ساحات وميادين نائية ومقطوعة عن شبكات النقل والمواصلات العامة، وفرض اشتراطات تسجيل بالغة التعقيد، وإلزام المنظمات غير الحكومية بتقارير مالية مضنية استناداً إلى قوانين التمويل والعملاء الأجانب. وعندما تنجح الجموع في تجاوز هذه المعوقات، يسارع النظام إلى تفعيل تكتيك اتهام المعارضة بالعنف والتخريب، لقلب الموقف الأخلاقي ودفع الجمهور إلى النفور من الحراك، مدعوماً بتوظيف مأجورين لافتعال أعمال شغب ورمي الحجارة عمداً وسط المسيرات السلمية، كما تجسد في توجيه القضاء الروسي تهم ارتكاب العنف والاعتداء على رجال الأمن ضد متظاهرين لم يفعلوا سوى إلقاء أكواب بلاستيكية فارغة في الهواء.
تكتمل معالم هذا الكتالوج باللجوء إلى خصخصة القمع واستخدام الوكلاء، وهي وسيلة تتيح للدولة ممارسة الترهيب الفعلي مع التنصل التام من المسؤولية القانونية والأخلاقية لتأمين مبدأ “الإنكار المعقول”، وذلك بالاستعانة بمجموعات رياضية وشبكات غير نظامية وعصابات موازية للاعتداء بالضرب والترويع على المحتجين والناشطين، على غرار توظيف فيكتور يانوكوفيتش لعصابات البلطجية المعروفة بـ «التيتوشكي» في أوكرانيا، واعتماد هوغو شافيز ونيكولاس مادورو في فنزويلا على ميليشيات الشوارع المسلحة المعروفة بـ «الكولكتيفوس».
ويُتوج هذا النسق الشامل بأدوات التفتيت الرقمي والتحرش الإلكتروني كنسخة معاصرة من أساليب الترهيب، حيث تُجند الجيوش والحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني لشن حملات تشهير ممنهجة، وقرصنة البريد الشخصي، وتسريب المحادثات والصور العائلية لاغتيال الشخصية معنوياً، مثلما أقدمت أجهزة السلطة في الإكوادور زمن كوريا على اختراق البريد الإلكتروني للصحفية مارثا رولدو ونشر محتوياته، ومطاردة وتخويف المدون «كرودو إكوادور» حتى إجباره على إغلاق منصته، وبالتوازي مع ما يديره الكرملين في روسيا من شبكات ذباب إلكتروني تُغرق منصات التواصل الاجتماعي بالتحرش والتضليل، بما يؤدي في المحصلة إلى تآكل قدرة المعارضين على المقاومة دون أن يظهر النظام الحاكم في مظهر الدكتاتورية التقليدية العنيفة.
بروباغندا ما بعد الحداثة والرقابة الذكية
يطرح غورييف وتريسمان مفهوم “الرقابة الذكية” التي لا تسعى لقطع تدفق المعلومات، بل للتحكم في اتجاهها وحجمها. لا يمانع نظام التضليل وجود صحيفة معارضة صغيرة أو موقع إلكتروني محدود التدفق، بل يستغل وجودهما كدليل إثبات على حريته المزيفة. لكنه في المقابل يسيطر على البث التلفزيوني الرئيسي، ويكافح وسائل الإعلام المؤثرة عبر تحويل ملكيتها إلى رجال أعمال موالين.
علاوة على ذلك، تستعيض البروباجندا الحديثة “السرديات الكبرى” عن السرديات الترفيهية والتشتيتية.
بدلاً من أن تفرض الدولة خطابات أيديولوجية جافة، تقوم بـ “إغراق” المجال العام بالمعلومات المتناقضة، ونظريات المؤامرة، والترفيه الاستهلاكي، مما يؤدي إلى استنزاف طاقة المواطن المعرفية، ويورثه حالة من الإجهاد المعرفي واللامبالاة السياسية، لسان حاله: “لا أحد يمتلك الحقيقة، والجميع فاسدون، فلنلتفت للحياة اليومية”.
ينطلق هذا التحوّل الدعائي من رمي لغة الاستبداد القديمة والاستعاضة عنها بلغة الكفاءة والإنجاز التكنوقراطي، إذ تخلّى الحكّام الجدد عن الزي العسكري والمظاهر الفاشية لصالح إطلالات عصرية وجولات ميدانية مصوّرة، مستعيضين عن نبرة الترهيب والإذعان برسائل إيجابية تركز على التنمية والرفاه.
وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح في مسار رئيس كازاخستان السابق نور سلطان نزارباييف عقب زيارته لسنغافورة عام 1991 ولقائه بمؤسسها لي كوان يو، حيث استوعب أن الضبط المجتمعي يشكل رافعة للاستقرار الاقتصادي، وأن تحصين النظام يتطلب هندسة القناعات بدلاً من أساليب التطهير الستالينية، ليتحول إلى تبني برامج تحديثية ذات عناوين براقة مثل «كازاخستان 2030» وخطة «المئة خطوة تنفيذية» مكرساً صورته كـ”مدير تنفيذي للأمة”. يواكب هذا التوجه تخلٍ تام عن الأيديولوجيات الشمولية الصلبة ذات الكلفة الباهظة والهشاشة السريعة أمام النقد، إذ استعيض عن المذاهب الماركسية أو القومية الإقصائية بفسيفساء هجينة وبراغماتية، تماماً كما صرح لي كوان يو بعدم اكتراثه بالعقائد الجامدة، وكما صاغ فلاديمير بوتين في روسيا خليطاً مركباً يجمع بين أمجاد الإمبراطورية القيصرية والرموز السوفيتية والمحافظة الاجتماعية، على نحو ما وصفه إيفان كراستيف بأنه مزيج من ما بعد الحداثة الفرنسية وتكتيكات الاستخبارات السوفيتية، في حين بنى هوغو تشافيز نهجه الشعبوي في فنزويلا على توليفة دينية ورمزية بوليفارية مناهضة للإمبريالية دون الالتزام باشتراكية صارمة في سنوات حكمه الأولى.
امتد هذا المنطق “البوست مودرن” إلى تفكيك عبادة الشخصية المفروضة قسراً من أجهزة الدولة الرسمية، وتحويلها إلى نمط من «النجومية الاستبدادية» المستعيرة لآليات السوق وصناعة الترفيه والبوب، فتحول الحاكم إلى علامة تجارية تُطرح قمصانه وعطوره في المتاجر وتُنتج عنه أغاني البوب الرائجة، مقترنة بتصدير صور المغامرة والرجل الخارق كرجل الكرملين الذي يغوص في المياه المفتوحة ويخدر النمور البرية، حيث تُستهلك هذه الدعاية الترفيهية بطريقة تجمع بين الإعجاب والتندر دون محاكمة المتندرين جنائياً.
ولتعزيز فاعلية الرسالة وضمان نفاذها دون إثارة ارتياب الجمهور، تلجأ السلطة إلى استعارة المصداقية عبر السماح بهامش نسبي لوسائل إعلام مستقلة لاستثمارها في أوقات التأزم، على غرار دعوة السلطات الكازاخية لمدونين مستقلين لمعاينة موقع اضطرابات جاناوزين عام 2011 لطمأنة الرأي العام، وتوظيف الكرملين للتغطيات الليبرالية لإحباط معنويات المعارضة، بالتوازي مع استبدال البث الدعائي العمودي بتضليل أفقي تغذيه الجيوش والحسابات الوهمية على شبكات التواصل لتبدو النقاشات عفوية وذاتية التوجيه، مدعومة بتسليح برامج الفضائح والصدمة التلفزيونية لشغل المواطنين وتشتيت بوصلة الغضب المجتمعي نحو قضايا هامشية ومفتعلة كما فعل نظام ألبيرتو فوجيموري في بيرو.
يقود هذا المسار مباشرة إلى إعادة تعريف الرقابة حيث غادرت دكتاتوريات التضليل مربع المحو الشامل وحرق الكتب وجيوش الرقباء الشبيهة بجهاز «جلافليت» السوفيتي، إدراكاً منها لاستحالة العزل التام للمعلومة في العصر الرقمي، وتفادياً لظاهرة «تأثير ستريسانت» التي يحفز فيها الحظر الفج فضول الجماهير ويضاعف انتشار المادة الممنوعة. استقرت الأنظمة الحديثة على منهجية الرقابة الذكية والاحتواء الهادئ، إذ تتسامح مع وجود منابر معارضة نخبوية محدودة الانتشار وتقلل حجم جمهورها عمدياً دون إغلاقها، انطلاقاً من المبدأ الذي طبقه مدير الاستخبارات البيروفية فلاديميرو مونتيشينوس حين أهمل صحافة النخبة المطبوعة لكونها لا تزن شيئاً أمام التأثير الطاغي للشاشات التلفزيونية القومية الخاضعة كلياً لسلطته. وشكّلت تجربة الثنائي فوجيموري ومونتيشينوس بعد انقلاب عام 1992 نموذجاً تطبيقياً معيارياً لهذا التحول، إذ اكتشف النظام عقب التنديد الدولي أن القمع الصريح غير ضروري وسط معدلات تأييد شعبية مرتفعة، فاستعاض عن تأميم القنوات الفضائية بشرائها سراً عبر حقائب الرشوة الشهرية لتقويض التحقيقات الاستقصائية وتحديد خطوط التحرير بعقود مخفية داخل مقر الاستخبارات، مع إغراق الشارع بصحافة الفضائح الشعبوية الرخيصة المشحونة بعناوين جاهزة تُملى استخباراتياً لتشويه سمعة الخصوم ونعتهم بالانحراف والعمالة.
تستبدل دكتاتوريات التضليل إجراءات الإغلاق الأمني المباشر وتصفية الصحفيين، تجنباً للأزمات الدبلوماسية كما حدث لنظام ليونيد كوتشما في أوكرانيا، بترسانة من أدوات الاستبداد التنظيمي والقانوني المستتر، حيث تُغرَق المؤسسات المعارضة بدعاوى التشهير والقذف المالي وتُفرَض عليها غرامات تعجيزية تقودها إلى الإفلاس الحتمي على طريقة لي كوان يو في سنغافورة، ورافاييل كوريا في الإكوادور بتغريم صحيفة «إل يونيفرسو» أربعين مليون دولار.
يترافق ذلك مع ممارسات التضييق الإداري والمالي بحرمان القنوات المستقلة من التوزيع عبر الكابلات كما جرى مع قناة «دوجد» الروسية، أو افتعال أزمات مصطنعة في توريد الورق بالمطابع، بالتوازي مع تكتيكات الإغراق والتشتيت عبر سيل هائل من المواد الترويجية الحكومية، أو افتعال مشكلة تقنية تبطئ سرعات تحميل المواقع المستقلة في روسيا والصين لتيئيس المستخدم وصرفه عنها، أو يُجبر مؤسسو المنصات الرقمية المستقلة على بيع حصصهم لرجال أعمال موالين كما حدث مع شبكة «فكونتاكتي» الروسية.
كما أن دكتاتورية التضليل ليست متلقية سلبية للتكنولوجيا، بل هي منتجة ومطوّرة لتقنيات المراقبة الرقمية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والجيوش الإلكترونية، والتضليل العميق (Deepfakes)، مما يعطيها اليد الطولى في هندسة الفضاء الرقمي وإعادة صياغة أدوات السيطرة بشكل يفوق قدرة الأفراد والمجتمع المدني على المواجهة.
النموذج السنغافوري
تتويجاً لتشريح آليات الهيمنة الحديثة، نجد بين صفحات الكتاب مساحة استثنائية للتجربة السنغافورية تحت قيادة لي كوان يو وخلفائه، بوصفها المختبر التاريخي الأول الذي انطلقت منه هذه الهندسة الملتوية. تعود النواة الأولى لتلك الفلسفة إلى أحداث سبتمبر 1956، حين واجه رئيس الوزراء الكولونيالي ليم يو هوك اعتصام الطلاب الناطقين بالصينية بهراوات الشرطة وقنابل الغاز المسيل للدموع، ورغم نجاحه الأمني، فإن إراقة الدماء دمرت شرعيته السياسية تماماً وأدت إلى سقوطه المدوي في انتخابات 1959. التقط لي كوان يو الخيط من هذه اللحظة المفصلية، واستنتج أن الاستعراض الأمني الغليظ خطيئة استراتيجية تصنع الشهداء وتوحّد المجتمع ضده، وأن البديل الأنجع هو تفكيك الاحتجاجات بهدوء عبر ضغوط غير مباشرة تدفع الأهالي لسحب أبنائهم، ليتولى جهاز المباحث الخاصة اعتقال المحركين لاحقاً في صمت مطبق. تكررت هذه القناعة إبان أحداث ساحة تيانانمن عام 1989، حين أبدى لي كوان يو استهجانه لغشامة القيادة الصينية أمام كاميرات العالم، مصارحاً نظيره لي بنغ في العام التالي بأن مثل هذه الأزمات لا تُدار بالدبابات.
تبلورت هذه الرؤية عملياً فيما أطلق عليه عالم السياسة شيريان جورج «الإكراه المعاير» ، حيث أُديرت الدولة بقبضة حريرية تفرض السيطرة الكاملة دون أن تترك أثراً لجريمة سياسية. أُبقي على قانون الأمن الداخلي الصارم، لكن السجون فُرغت تدريجياً حتى لم تسجل المنظمات الحقوقية بحلول عام 2015 سوى سجين ضمير واحد كان مراهقاً لنشره رسوماً مسيئة. وحين أرادت السلطة تحييد معاقل المعارضة التقليدية، لجأت إلى البيروقراطية الناعمة، فأُغلقت جامعة «نانيانغ» الصينية تحت ذريعة تراجع الإقبال الطلابي ودُمجت بجامعة سنغافورة مع إخضاع كوادرها للتدقيق الأمني بعيداً عن أي صدام معلن.
انسحبت هذه الهندسة ببراعة على المشهدين الإعلامي والتشريعي، فلم تمنع الحكومة المجلات والصحف الأجنبية الكبرى مثل «تايم» أو «فار إيسترن إيكونوميك ريفيو»، بل فرضت قيوداً تنظيمية خفضت توزيعها بنحو ثمانين بالمئة لحرمانها من عوائد الإعلانات، مع إلزامها بنشر الردود الرسمية كاملة، بينما أُحكمت السيطرة على الصحافة المحلية من خلال التحكم بحقوق التصويت داخل مجلس إدارة شركة المطبوعات السنغافورية لترسيخ الرقابة الذاتية طوعاً، وتُوّج ذلك بإطلاق قناة «تشانيل نيوز آسيا» لتصدير السردية الحكومية إقليمياً.
أما على صعيد الخصوم، فقد استُبدلت المعتقلات بساحات القضاء، إذ قادت دعاوى القذف والتشهير إلى إفلاس أحد عشر قيادياً معارضاً وتجريدهم تلقائياً من حقوقهم السياسية، كما جرى مع جوشوا جياريتنام بغرامات تجاوزت تسعمئة ألف دولار، مما أسقط أهليتهم للترشح بمسار قانوني بحت لا يثير أي تعاطف حقوقي. وفي البرلمان، ضُبطت المعادلة عبر تلاعب دقيق بتقسيم الدوائر ليحصد الحزب الحاكم نحو تسعين بالمئة من المقاعد رغم تراجع حصته الانتخابية إلى ستين بالمئة، مع استحداث مقاعد لـ «معارضة معينة» شكلياً لتفريغ المؤسسة من أي مشاكسة حقيقية، وحصر الخطابة العامة في «ركن المتحدثين» بشروط ترخيص مشددة ولوحات تحذيرية صريحة.
تحولت هذه التجربة السنغافورية إلى قبلة استلهم منها زعماء بارزون مثل دينغ شياوبينغ في الصين، ونور سلطان نزارباييف في كازاخستان، وثاكسين شيناواترا في تايلاند. ومع ذلك، لم يغب عن ذهن صانع النموذج أنه يحمل في داخله بذور نهايته، إذ دوّن لي كوان يو في مذكراته مع مطلع الألفية تساؤلات حول قدرة هذه المنظومة على الاستمرار لجيل آخر، مقراً بأن ثورة الاتصالات وتخطي نسبة حاملي الشهادات الجامعية ثلث المجتمع ستنتج حتماً تطلعات أصيلة للتمثيل السياسي والشفافية، وهي مطالب يستحيل احتواؤها أو التلاعب بوعيها إلى الأبد عبر الإكراه المعاير وأدوات الضبط الهادئ.
المصدر: تلفزيون سوريا






