
في بلاد الفرات، لكل كلمة حكاية، ولكل حكاية بئر، ولكل بئر قاع لا يعرفه إلا الغرقى.
كان أهلنا يصفون الرجل قليل النخوة بقولهم: “متعيّن الصرّارة، مثل فراتي”. والصرّارة هي القابلة الشعبية التي تهرع إلى المرأة ساعة المخاض، تساعدها على الولادة، وتقطع الحبل السري وتصرّه. كانت تدخل بيوت الطين بلا أجهزة ولا شهادات، لكنها تحمل شجاعة لا تحتاج إلى إعلان..
وللصرّة حكايات أخرى؛ فالمرأة التي تضيق بزوجها تشيل صرّتها وترحل، ومن يعثر على كيس نقود يصيح: “وجدت صرّة مصاري!”. أما “صراة الماي”، فهي موضع تتجمع فيه مياه المطر، كأن الأرض تصرّ الماء وتخبئه في جوفها.
ومن هنا تبدأ حكاية صراة بهار.
في شرق الحبوبة، كان هناك موضع يعرفه أهل المنطقة باسم “الراط”، حيث تتجمع المياه في منخفض عميق، وتدور السوّارات، دوامات الماء التي لا ترحم من يقع في قبضتها.
كان بهار رجلاً طويلاً، وسيماً، قوي البنية، يمشي كأن الجاذبية اختراع شخصي سجّله باسمه. إذا دخل السوق التفتت إليه النساء، وإذا دخل مجلساً استقام الرجال في جلستهم. وكان يعتقد أنه سبّاح لا يُشقّ له غبار.
في يوم قائظ، وقف على حافة الجرف يتأمل الماء. رآه أصحاب البساتين القريبة، فصاحوا به:
“دير بالك تزت حالك يا بهار! الماي بيها سوّارات!”
وحذّرته أخته، وناشده رزوق، الذي يعرف النهر ومزاجه المتقلب:
“لا تتهوّر يا بهار! مو كل ماي ينسبح بيه. الماي ما يعرف لا قوي ولا ضعيف!”
ابتسم بهار. لعلّه حسب تحذيرهم غيرة من قوته، أو ظنّ أن الخطر خُلق للآخرين.
ثم قفز.
ابتلعته المياه، فراح يضربها بيديه ورجليه. للحظات، بدا كأنه يسيطر عليها، ثم جذبته الدوامة إلى الأسفل. قاوم، فاشتدت قبضتها. رفع رأسه، حاول أن يصرخ، لكن الماء كان أسرع من صوته.
وقف أصحاب البساتين عاجزين. لم تنفع وسامته، ولا عضلاته، ولا شجاعته المتأخرة.
اختفى بهار، ولم يعد.
ومنذ ذلك اليوم، صار الموضع يُعرف باسم “صراة بهار”. دخل الماء بطلاً، وخرج منه اسماً جغرافياً.
رحم الله بهاراً؛ خسر حياته، لكنه ربح شهرة لم يكن ليحصل عليها لو عاش مئة سنة. كم من إنسان يحتاج إلى الموت حتى يتذكره الناس، وكم من مكان يحتاج إلى ضحية حتى يصبح معروفاً!
كبرنا، وتغيّرت الدنيا. صار لدينا تلفزيون ملون، وهواتف ذكية، وأقمار صناعية، وخبراء يعرفون مستقبل المنطقة قبل وقوعه، ثم يشرحون لنا بعد وقوعه لماذا كان لا بد أن يقع.
لكن السوّارات لم تختفِ.
اتسعت صراة بهار، وصارت سوريا صراة كبيرة تتفرع فيها الدوامات من كل جانب. دوامة حرب، ودوامة طائفية، ودوامة سلاح ومصالح دولية. يدخلها الناس بأحلامهم، ويخرجون منها قتلى أو مفقودين أو نازحين، يحملون مفاتيح بيوت لم تعد موجودة.
أما السياسيون، فهم سبّاحون من نوع خاص. يقفون على حافة الجرف، يرفعون أيديهم للناس، ويعلنون أنهم وحدهم يعرفون طريق النجاة. ثم يقفزون إلى كراسي السلطة، ويتركون الشعب يتدبر أمره مع السوّارات.
وإذا غرق الشعب، عقدوا مؤتمراً صحفياً يشرحون فيه أن المشكلة تكمن في ضعف مهارات السباحة لدى المواطنين، ثم شكّلوا لجنة وطنية لدراسة الدوامات، على أن تقدم تقريرها بعد انتهاء موسم الغرق.
وإذا سألهم أحد عن المسؤول، قالوا إن المشكلة قديمة، وإن جذورها تعود إلى ما قبل التاريخ، وإن بهاراً نفسه ربما أخطأ حين قفز.
وهكذا صار الغريق متهماً، والدوامة ضحية، والمسؤول خبيراً يشرح كيف كان يمكن إنقاذ الجميع لو تصرف الجميع بطريقة مختلفة.
أما المواطن، فإذا نجا من دوامة الحرب، وجد دوامة الفقر. وإذا نجا من الفقر، وجد دوامة النزوح. وإذا شقّ طريقه إلى الخارج، استقبلته دوامة الحدود والأوراق والحنين. وإذا عاد إلى وطنه، وجد الدوامة نفسها عند الباب، وقد غيّرت ثيابها ووضعت قبعة جديدة.
في خضم هذا الغرق، أتذكر الصرّارة القديمة.
كانت تهرع إلى بيت المرأة حين تسمع صرخة المخاض، لا تسأل عن طائفة العائلة ولا عن موقف الزوج السياسي. كانت تعرف أن حياة على وشك أن تولد، وأن واجبها أن تساعدها على الخروج إلى النور.
تقطع الحبل السري وتصرّه، ثم تترك الطفل لحياته.
أما نحن، فعجزنا عن قطع الحبال التي تخنق البلاد.
صرّارة الأمس كانت تساعد الحياة على أن تبدأ، وصرّارة اليوم يتنافسون في شدّ الحبال حول عنق الوطن. كل واحد منهم يعلن أنه القابلة الشرعية للمستقبل، وكلما تحرك الوطن قليلاً شدّه إلى جهته، حتى صار يختنق من كثرة الأيدي التي تدّعي إنقاذه.
لعل المشكلة لم تكن يوماً في الصرّارة، بل في الذين حوّلوا الشجاعة إلى عيب، والجبن إلى حكمة، والتهرب من المسؤولية إلى سياسة عامة.
ولعل بهاراً لم يكن وحده المغرور. فهناك أوطان أُلقي بها في الماء بعدما أقنعها سبّاحون محترفون بأن الدوامات مجرد أوهام، وأن التحذير منها دليل جبن، وأن البطولة لا تكون إلا بالقفز.
لكن النهر لا يقرأ البيانات السياسية، والسوّارات لا تحترم الشعارات، والماء لا ينتخب أحداً.
إنه يبتلع من يقع في قبضته، قوياً كان أم ضعيفاً، سواء حمل في جيبه صرّة مصاري، أم لم يحمل سوى مفتاح بيت لم يعد موجوداً.
بقيت صراة بهار في ذاكرة أهل الفرات، وبقي اسم الرجل علامة على غرور الإنسان حين يظن أن قوته أكبر من الخطر.
أما سوريا، فما زالت السوّارات تتكاثر فيها. كلما غرق واحد، ظهر آخر على حافة الجرف، يطمئن الناس بأنه خبير بالسباحة، ثم يقفز بكل ثقة.
والناس بين مصفّق ينتظر النجاة، وآخر يشيل صرّته استعداداً للرحيل.
أما بهار، فما زال في قاع النهر، لا يسمع نشرات الأخبار، ولا يحتاج إلى لجنة تحقيق لتعرف من الذي غرق اليوم.






