
أعرض أدناه ” المدخل” لكتابي الجديد : ” النخب السياسية السورية وصناعة القرار السياسي في عهد الانتداب الفرنسي 1920 – 1946″
وهو متوفر على منصة كندل – أمازون باللغة العربية وبنسخة مترجمة إلى اللغة الانكليزية ويقع في 180 صفحة .
مدخل
يهدف هذا الكتاب إلى دراسة الطبيعة البنيوية للنخب السورية التي ظهرت على المسرح السياسي منذ بداية القرن العشرين واستمرت في الظهور خلال العهد الفيصلي , وبدرجة أكثر تركيزا للتحولات التي طرأت على تلك النخب خلال مرحلة الانتداب الفرنسي وحتى الاستقلال . وذلك من خلال أصولها الاجتماعية والأفكار العقائدية والسياسية التي حملتها والتي تبدلت إلى هذا الحد أو ذاك خلال تلك الفترة الطويلة بالارتباط مع تبدل المعطيات السياسية والعسكرية في المشرق العربي وفي العالم . وبصورة خاصة مرحلة الانتقال من النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الأولى وصولا للحرب العالمية الثانية وانهيار ذلك النظام بصورة كلية بعد تلك الحرب وبسبب من نتائجها العسكرية والسياسية .
وبصورة خاصة فقد سعى الكتاب لرصد التغير في أنماط التفكير والسلوك لدى تلك النخب السياسية وعلاقة ذلك بمركزها السياسي الذي كان يتعين بين سلطة الانتداب الفرنسي والحركة الوطنية السورية .
فقد كانت تلك النخب تتموضع في المرحلة الأولى من إعادة تشكلها في عهد الانتداب الفرنسي بين 1920 – 1925 على رأس الحركة الوطنية السورية وفي مقدمتها خاصة قبيل الثورة السورية الكبرى وأثناءها حتى انتهاء تلك الثورة في العام 1927 , ثم أعادت تموضعها بين الحركة الوطنية وسلطة الانتداب ضمن ماعرف بسياسة ” التعاون المشرف ” وصولا إلى معاهدة العام 1936 حين انتقلت قطاعات أساسية منها إلى موقع المشاركة المباشرة في إدارة الدولة، وأصبحت جزءًا رئيسيًا من النخبة الحاكمة التي تولت إدارة الدولة السورية في السنوات السابقة للاستقلال, وقد حدث ذلك التحول مترافقا مع انقسامات داخل تلك النخب , لكن تلك الانقسامات انتهت في نهاية المطاف إلى سيادة الكتلة الوطنية وهيمنتها على المجال السياسي الوطني العام .
خلال كل تلك الفترة التاريخية الممتدة كانت النخب السورية تعمل في بيئة سياسية لم تكن فيها مؤسسات الرأي العام والنقابات والأحزاب قد بلغت من القوة والتنظيم ما يسمح لها بممارسة فعل سياسي مستقر ومؤثر على نحو مماثل للمراحل اللاحقة, وذلك لايعود لسلطة الانتداب فقط بل لدرجة تطور المجتمع أيضا , لقد كانت هي بوصفها نخبا متحررة إلى حد ما من الالتزامات الحزبية وأحيانا الطبقية – الاجتماعية فارسة الميدان السياسي السوري .
هذا لايعني أن الولاءات الاجتماعية أو شبه الحزبية كما توجهات الرأي العام كانت غائبة عن الساحة لكنها لم تكن من القوة والتماسك بحيث تنتج ظاهرة سياسية تماثل ماشهدناه في المراحل اللاحقة بعد الاستقلال في الخمسينات والستينات .
أمر آخر أرغب في التوقف قليلا عنده وهو أن تلك النخب السورية أظهرت قدرا لافتا من التكيف مع الظروف الموضوعية المستجدة بحيث حافظت على وجودها ومكانتها السياسية انطلاقا من العهد الفيصلي إلى عهد الانتداب الفرنسي في مراحله الأولى التي اتسمت بالمواجهة ثم إلى مراحله الوسيطة التي اتسمت بما سمي ب ” التعاون المشرف ” إلى المرحلة النهائية حين أصبحت تمسك بمعظم المفاصل الإدارية للدولة وتصر على الإستقلال والوحدة .
آمل أن تلقي هذه الدراسة ضوءا على بعض السمات “الجينية” التي رافقت ولادتها ونشأتها الأولى , بحيث يمكن أن تساعد في فهم تحولاتها اللاحقة حين تفردت بالسلطة السياسية وكيف تعاملت مع ” الدولة ” كمؤسسة مستقلة أوكما ينبغي أن تكون .
وعلى سبيل المثال – بالرغم من أن ذلك يخرج عن نطاق الكتاب – فقد رأينا كيف ظهر فرع من تلك النخب أي ” النخب العسكرية – السياسية ” ليبتلع لاحقا المجال السياسي السوري ويبتلع الدولة أيضا , وهنا يمكن للمرء أن يتساءل : من أين جاءت جرأة تلك النخبة العسكرية السياسية في اختراقها للدولة كمؤسسة دستورية ؟ وهل لذلك علاقة بتاريخ النخب السورية السياسي وتكونها الجنيني كمالكة للدولة وليس كجزء من الدولة تماما كما كانت تنظر لنفسها في العهد الفيصلي وعهد الانتداب الفرنسي ؟
حاولت في الكتاب الابتعاد ما أمكن عن إصدار الأحكام القيمية حيث لم يكن ذلك من همّ الكتاب بل الإكتفاء برصد الوقائع ذات العلاقة بالبحث, ودراسة علائقها الداخلية وكيف أثرت وتأثرت بالسياق التاريخي الذي كانت تحدث من خلاله تاركا للقارىء مايمكن اعتباره تقييم المواقف والشخصيات .






