
بغضّ النظر عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، والائتلافات المقبلة، فإنّ هدف إسرائيل وحلفائها في اللوبيات الصهيونية، الرسمية وغير الرسمية، جعل احتلالها الأراضي الفلسطينية وجنوب لبنان والأراضي التي تتوسّع فيها في سورية شرعياً ومشروعاً.
وفقاً لجميع قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الاحتلال والتوغل الإسرائيليان في لبنان وسورية غير مشروعين، ولا يوجد أيّ أساس في القوانين الدولية ومواثيق جنيف، وبخاصة ميثاق جنيف الرابع، ما يؤيد أيّاً من الخطوات الإسرائيلية، سواء احتلالاً أو الاجتياحات أو المستوطنات، وهي تعدّ خرقاً سافراً للقوانين والمواثيق الدولية لا لبس فيه. لكن الخوف الذي ينتاب إسرائيل وجماعات الضغط الدولية الداعمة لإسرائيل ليس القرارات والقوانين نفسها، وإنْ كانت تسعى إلى تفريغها من محتواها، بل ما يقلقها مقاطعة المستوطنات، وبخاصّة بعد أعلنتها الحكومة البريطانية. فمن وجهة نظر إسرائيل ومؤيديها الخوف أن تصبح سابقة تؤدّي إلى موقف قاطع من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة.
قد لا تحاول إسرائيل وحلفاؤها شطب القرارات الدولية، وقد خاضت أميركا في التسعينيّات حملة شطب كلّ قرارات الأمم المتحدة الخاص بفلسطين والاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات، لكنّها فشلت، وإنْ نجحت في شطب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المعلن في 1975 مساواة الصهيونية بالعنصرية في 1991. وينبع خوف إسرائيل أيضاً من عودة عالمية ظهرت بعد تبنّي حزب الخضر البريطاني شعار “الصهيونية تساوي العنصرية”، قد لا تصل هذه التطورات قريباً إلى تغيّر جذري ينهي تأييد (ودعم) إسرائيل ومخططاتها التوسّعية، لكن مراكز الأبحاث الصهيونية في إسرائيل وخارجها تعتبر أنها تحوّلات خطيرة إذا لم يتم كبحها أو إجهاض تداعياتها.
مؤيدو إسرائيل، ومنها الإدارة الأميركية، لا يرون في الاحتلال الإسرائيلي عملاً أو واقعاً غير مشروع
الحقيقة أنّ مؤيدي إسرائيل، ومنها الإدارة الأميركية، لا يرون في الاحتلال الإسرائيلي عملاً أو واقعاً غير مشروع، مع أن السياسة الأميركية التقليدية كانت على الأقل في أدبياتها تعتبر الضفة الغربية وغزّة والقدس الشرقية أراضي محتلة، إلى أن بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتغيير هذا باعترافه بسيادة إسرائيل على القدس الشرقية والجولان السوري. ولا مفاجأة إذا رأينا اعترافاً أميركياً بسيادة إسرائيل على الضفة الغربية وغزّة وربما جزء من جنوب لبنان وآخر من سورية، فالحملة الاستيطانية مستمرّة فيما هناك موافقة أميركية على تعامل إسرائيل مع أجزاء من جنوب لبنان وسورية وكأنّها مِلكية.
عليه؛ تستمرّ إسرائيل ولوبياتها الفاعلة في التعامل في خطابها السياسي، وكأنّ سيادة إسرائيل على كل ما سوف تجتاحه “أمر واقع” غير قابل للتغيير أو التشكيك. لذا كان لإعلان بريطانيا مقاطعة المستوطنات أثر أكبر من موقف لندن من المستوطنات نفسها، بل من الأراضي المحتلة ككل. في الواقع، القرار البريطاني قاصر عن المطلوب، فالمسألة لا تتلخّص بالمستوطنات، بل في الاحتلال نفسه. لكن إسرائيل وداعميها وجدوا في الإعلان بداية لموقف أوروبي من الاحتلال نفسه. صحيحٌ أنّ معظم الدول الغربية تعتبر الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي وتسميه باسمه، لكنها لم تتّخذ إجراءات عقابية تتناسب مع كونه جريمة سرقة أراضٍ وتشريد شعب، فالاستيطان نفسه أداة لضمّ الأراضي الفلسطينية وبسط السيادة الإسرائيلية على كامل الضفة الغربية، وهو خرق لميثاق جنيف الرابع الذي يحظر جلب مستوطنين إلى أراضٍ محتلة واقتلاع سكانها الأصليين، لكن القضية الأساس هي الاحتلال.
علينا أن ننتبه إلى الخطاب الإسرائيلي، والأهم خطاب اللوبيات الصهيونية، خصوصاً أنّ الانتخابات لن تجلب أي حكومة إسرائيلية تستطيع حتى الادّعاء أنها معتدلة، والائتلافات الصهيونية غير معنية أصلاً بادّعاء أنها معتدلة، فالمخطط الصهيوني لن يتأثر كثيراً بالانتخابات، المقصود بالمخطّط التوسع الاستيطاني وعملية التطهير العرقي والتهجير التدريجي، وبناء مناطق نفوذ صهيونية في لبنان وسورية، وكما صرّح وزير المالية بتسلئيل سموترتش، عملية التهويد ماضية بما في ذلك في الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل عام 1948، أي داخل “الدولة الصهيونية”. لكن التهويد في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948 بدأ من اللحظة الأولى من مجازر تدمير مدن وقرى والتهجير القسري، كما أنه مرّ بمراحل كما في عملية تهويد الجليل عام 1976، وثار الفلسطينيون يومها وخلدوا ذكرى هبّتهم بيوم الأرض في الـ 30 من مارس/ آذار من كل عام. ويقول سموترتش إنّ إسرائيل تريد تكملة تهويد أراضي 1948، بمصادرة الأراضي وطرد أهلها، وحصرهم في مناطق ضيقة، أي خطتها نفسها لكل أراضي فلسطين.
لا مفاجأة إذا رأينا اعترافاً أميركياً بسيادة إسرائيل على الضفة الغربية وغزّة وربما جزء من جنوب لبنان وآخر من سورية
عليه؛ تعي اللوبيات الصهيونية تماماً معنى معركة نزع الشرعية عن العملية الاستيطانية الصهيونية، سواء داخل أراضي ما يعترف به أنه الدولة الصهيونية أو خارجها. وهو في هذا يقرّ بوحدة مصير الشعب الفلسطيني، وحتّى وحدة مصير الشعوب المستهدفة من إسرائيل. فحتى لو لم يعد سموترتش والمتوحش الآخر إيتمار بن غفير إلى الحكومة، تريد إسرائيل من العالم قبول استكمال مشروعها الكولنيالي الاستيطاني العنصري، وهؤلاء لا يهمهم إذا انكشفوا للعالم، لكن تداعيات انكشافهم تقلق اللوبيات الداعمة لإسرائيل التي تعي معنى الثورة المتّسعة ضد الدولة الصهيونية في العالم. لذا نرى حملات مؤيدة لإسرائيل تستعيد أكذوبة الدولة الصغيرة المستضعفة، ولكن ما جدّ أنّ هذه اللوبيات لا تريد أن تؤثر حملات التضامن مع الفلسطينيين والعداء غير المسبوق لإسرائيل على وضع الأراضي المحتلة، إذ أنها كانت تتصرّف على أن الاحتلال أصبح أمراً واقعاً، ولا يوجد تحدٍّ جدي له.
برز أخيراً تحدٍّ من نوع جديد يشكّك بكذبة الحركة الصهيونية نفسها، ويعيد إلى الواجهة حقيقة عدم مشروعية الاحتلال، ولذا اعتُبر قرار بريطانيا مقاطعة المستوطنات تذكيراً بعدم مشروعية الاحتلال نفسه. … سابقاً، وخصوصاً خلال الانتفاضتَين، عامي 1987 و2001، دبّ ذعر في الأوساط والحكومات الداعمة لإسرائيل بأنها شكلت تحدّياً ليس لشرعية الاحتلال فحسب، بل أيضاً لشرعية إسرائيل نفسها. فالغرب المؤيد لإسرائيل يفهم طبيعة الحركة الصهيونية الاستعمارية وأهدافها، فهو متمرس تاريخياً بالعنصرية والاستعمار. لذا بدأ الحديث عن الاهتمام بوضع الفلسطينيين وإنشاء إدارة فلسطينية، ثم جاءت اتفاقية أوسلو لنشر وهم إقامة دولة فلسطينية، فقد كان المطلوب إدارة أزمة إسرائيل وإنهاء فكرة حق تقرير المصير وتحرّر الشعب الفلسطيني.
أخطر ما يحدث هو الانخراط في ترتيبات في الضفة وغزّة تشرعن الوضع القائم لإعطاء إسرائيل السكينة والفرصة للإجهاز على الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية
اختلف الوضع بعد عملية طوفان الأقصى (أكتوبر/ تشرين الأول 2023)، واستمرار الطوفان العالمي ضدّ إسرائيل، وضد الصهيونية نفسها. فسوف نشهد تحرّكات بعض عناوينها واضحة، أهمها منع اللجوء إلى المحاكم الدولية، هذا إذا لم تدمّرها أميركا أصلاً، لأنّ القصة ليست حرب الإرادة فحسب، بل مشروعية الاحتلال والمشروع الصهيوني نفسه، وسنشهد مبادرات تجميلية لحقيقة الوضع في غزّة وحقيقة محو المجتمع الفلسطيني فيها والتطهير العرقي في كامل فلسطين، فليس هناك احتلال، وإنما دولة متقدّمة تحاول أن تحلّ مشاكلها “الأمنية”.
لا يعني هذا أنّ الانتخابات الاسرائيلية ليست مهمة، لكن المهم أن نحافظ أولاً على خطاب تحرّر واضح مبني على الحقوق، ولا يغرق في ترتيباتٍ تهدف حقيقةً إلى احتواء الفلسطينيين، بينما تكمل إسرائيل مشروعها الاستيطاني الاستعماري. وللمفردات أهمية قصوى؛ لأنّ المعركة المقبلة في جزء كبير منها معركة المفردات، فلا احتلال مشروع ولا مستوطنات شرعية ولا ترتيبات وتغييرات في غزّة تحت مسميات مثل الإغاثة وتحسين وضع الفلسطينيين لتغطية التطهير العرقي.
… أخطر ما يحدث هو الانخراط في ترتيبات في الضفة وغزّة تشرعن الوضع القائم لإعطاء إسرائيل السكينة والفرصة للإجهاز على الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية.
المصدر: العربي الجديد






