الحل من فرنسا… كيف تتلاعب بالوعي؟

محمد سي بشير

دعا ماكيافيللي في كتابه “الأمير”، وفيه ما فيه من نصائح للأمير أو لمن يدور في فلك الأمير، إلى ما يفيد النُّخبة السياسيّة، في عصرنا ، التلاعب بالرعاع (المواطنين، في العصر الحديث) بخداعهم من خلال مناورات، خصوصاً الخطابيّة منها، بقصد التورية في فرنسا عن الأسباب الحقيقية خلف ما يحدث من فوضى في أعقاب موجة الاحتجاجات التي انطلقت من الثانويات، لتتمدّد إلى قطاعات واسعة من الفئات الاجتماعية والمهنية، وتطلق، من ناحية أخرى، “السُّترات الصفراء” من عقالها، ونحن على بعد أشهر من الدور الأول للانتخابات الرئاسيّة (إبريل/ نيسان 2027).

الإشكاليّة المطروحة في هذه المقالة الإشارة إلى الخطاب المؤسّس على نظرية المؤامرة، ويبدو فيها تلاق خطابيّ بين ممثّلين للسُّلطة أو من حزب الرئيس ماكرون وبعض من وجوه نخبة اليمين المتطرّف، بل ومرشّحين متوقّعين (لم تجر، بعد، الانتخابات التمهيديّة، في اليمين الجمهوري، لتعيين مرشّحه للرئاسيّات)، تمثل مضمونه في اتّهام المغاربيين (الجزائريّين، على وجه الخصوص) بكلّ مظاهر الفوضى التي تزامنت مع تمدُّد الاحتجاجات إلى كامل التُّراب الفرنسي، خصوصاً في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، حيث ساد جو من الكرّ والفر بين رجال الشُّرطة ومتظاهرين كثيرين عمدوا إلى تكسير واجهات المحلات، بل وسارعوا إلى نهب بعض منها على مرأى من كاميرات المراقبة، ومن الشُّرطة والإعلام.

… ثلاث مقاربات انطلق منها السياسيّون ورجال الإعلام لتغيير منحنى وعي الفرنسيّين بواقعهم الذي أخرج أبناءهم الطلبة الثانويين، بداية، ثمّ وصل إلى إقناعهم بضرورة التنديد بواقع مقيت، على كل المستويات، حيث عمد الجميع، السياسيّون والإعلاميّون، الى الارتكاز على أنّ الفوضى إنما هي من جموع من المخرّبين الشباب من الضواحي، ومن أصول مغاربيّة، في الأغلب، إضافة الى وسم هؤلاء بالإسلاميين وبأصحاب أيديولوجيّة كارهة لفرنسا ومريدة للانتقام من الاستعمار الذي نهب أوطانهم، وفق ما جاء في تقاريرهم وتعليقاتهم.

تتعلّق المقاربة الأولى بانتهاج المنهجيّة التبريريّة، عبر إلقاء مسؤوليّة الوضع الحالي ليس على من يحكم فرنسا منذ ولايتين وفشل في إدارتها فشلاً ذريعاً، بل على من تؤكّد القنوات الإعلاميّة والنُّخبة السياسيّة اليمينيّة المتطرّفة أنّهم المسؤولون عن وضع فرنسا المتردّي اقتصادياً ودولياً. والمقصود هنا هم المهاجرون من أصول مغاربيّة بصفة خاصّة، والجزائريون باعتبارهم حالة فريدة لشماعة يُراد أن تُحمَّل كلَّ المهاوي التي وصلت إليها البلاد بسبب مقاربات الحوكمة التي انتهجتها نخبتها السياسيّة؛ وليس بسبب وجود بضعة ملايين من المهاجرين الذين قدموا للعمل بطلب من فرنسا نفسها في أعقاب الحرب العالميّة الثانية، حين كانت في حاجة ماسة إلى أيدٍ عاملة، خصوصاً في المجالات الشاقة كالأشغال العموميّة، والبناء، وشق الطُّرق.

يرتكز ذلك الخطاب التبريري على تعليق شمّاعة الفوضى، التي أعقبت الاحتجاجات، على تلك الفئات الاجتماعيّة الأقل مرئيّة إعلاميّاً والضحيّة الأفضل من المهاجرين والمغاربيين، وبخاصّة أن الحملة الانتخابيّة الرئاسيّة التي انطلقت مبكّراً، هذه المرّة، تحتاج أن تجد لها قاعدة أيديولوجيّة لاكتساب مزيد من الأصوات في الوعاء الانتخابي الذي تغريه الصورة والخطابات الرنّانة التي تتّهم الأغراب بكلّ ما يحدث لفرنسا، سواء البطالة أو حتى إشكالات الحوكمة التي تعاني منها فرنسا.

تشير المقاربة الثانية من خطط الإعلام ونخبة فرنسا من السياسيين إلى توجيه الأنظار، بعيداً عن الاحتجاجات والفوضى المرافقة لها بالحديث، عمداً، عن ملفّات مرتبطة بالفئات المتّهمة بإحداث تلك الفوضى، ومنها حديث الذاكرة الاستعماريّة باستفزاز الجزائريّين، مثلا، في يوم 17 أكتوبر المصادف مظاهرات وقعت في 1961، في اليوم نفسه، وعاقبت فيه القوّة الاستعماريّة الفرنسيّة، بقيادة مجرم الحرب بابون، محافظ الشُّرطة المعيّن من ديغول رئيساً لشرطة باريس (يُعرف بابون بأنّه صاحب فكرة نقل يهود مدينة بوردو الفرنسية، في خضم الحرب العالمية الثانية، إلى محتشدات النازية في بولونيا)، حيث قال عديد الاعلاميّين والسياسيين إن تلك الذكرى هي المحفزة على شعارات تكون قد رُفعت، وفيها الإشارة إلى ضرورة الانتقام بإحداث فوضى في أثناء موجة الاحتجاجات.

جو من الكر والفر بين رجال الشُّرطة ومتظاهرين كثيرين عمدوا إلى تكسير واجهات المحلات، بل وسارعوا إلى نهب بعض منها..

ترافق ذلك الحديث عن الذاكرة الجزائريّة المريرة المصادفة لتلك الأحداث مع إعلان أحد المرشّحين المتوقّعين للرّئاسيّات المقبلة، اليميني أسنار (اليمين الجمهوري) عندما سُئل عن الذكرى، قائلاً إنّ لا حدث بالنسبة له (وقع قرابة مائتي جزائري ضحيّة في تلك المظاهرات حيث تمّ رمي كثيرين منهم في نهر السّين بأمر من بابون، محافظ الشُّرطة لباريس، آنذاك) بل لا يهتمُّ بالأمر، تماما، ما حدا بالإعلاميّة التي طرحت السُّؤال إلى التعبير عن استعجابها من الاستفزاز، خصوصاً أنّه من سياسي متقدّم للتّرشُّح لأعلى المسؤوليّات في فرنسا. وسيواجه، حتماً، يوماً ما بملف الذاكرة وبعلاقات متوتّرة مع الجزائر.

وتمثلت المقاربة الثالثة في رسم صورة قاتمة لفرنسا، حيث تمّ اللجوء إلى اتّهام بعض الفئات بالضُّلوع في الفوضى باستخدام أسلحة، وهو ما سارعت المؤسّسات السيادية الفرنسية إلى تكذيبه. كما أشار، في إحدى القنوات، أحد الضُّيوف المقرّبين من المؤسّسات السياديّة، إلى أنّ دولا بعينها تكون خلف التحريض على تلك الفوضى. وبالرغم من تأكيد الضيف الأمني أنّ الأمر لا يتعلّق بمشاركة تلك الدُّول (منها روسيا) في الفوضى، بل في التحريض عليها، خصوصاً بالتركيز على تردّي الوضع في وسائل التواصل الاجتماعي، ما رفع من منسوب شعور المهمّشين اقتصاديّاً واجتماعيّاً بالظلم، ليكون الوضع على ما رأيناه من خروج للاحتجاج، ثمّ رفع وتيرة المواجهة مع رجال الشُّرطة إلى ما حدث في 17 أكتوبر من أحداث.

هل وصل الأمر بفرنسا، القوّة العظمى، إلى التلاعب بالمواطنين، وتبرير مظاهرات في دولة ديمقراطيّة بأنّها ليست فرنسيّة ردّاً على أوضاع يعيشها بلدهم، بل هي من افتعال المهاجرين، وأبعد من هذا اتّهام بعضٍ من هؤلاء بأنّهم ضالعون في أفعال مجرّمة أمنيّاً، على غرار رفع الأسلحة (كذّبته وسائل الإعلام ونشرت بشأنه مديريّة الأمن الداخلي، المخابرات الفرنسيّة الداخلية، بيانا كذبت هذا) أو التحريض على الفوضى والمشاركة فيها، وهي المرّة الأولى التي يحدث فيها هذا اللّغط، فيما عزاه مراقبون الى تزامن التحضير للرّئاسيّات المقبلة مع نهاية عهدتي أضعف رئيس حكم فرنسا، وفق آرائهم، حيث وصل الأداء الفرنسي، في كلّ المجالات، إلى الحضيض أوروبيّاً، اقتصاديّاً وسياسيّاً، بل وفي إطار العلاقات مع الحلفاء، أميركا، أساساً.

تلاعب بالمواطنين، وتبرير مظاهرات في دولة ديمقراطيّة بأنّها ليست فرنسيّة ردّاً على أوضاع يعيشها بلدهم، بل هي من افتعال المهاجرين!

سبقت الإشارة، في مقالة سابقة للكاتب في صحيفة “العربي الجديد”، إلى تحليل للخطاب الذي تحمله الحملة الانتخابيّة عن الملفّات الحرجة لفرنسا. ولكن، نحن هذه المرّة مع تردٍّ يمكن اعتباره سابقة في الخطاب؛ فبقدر ما حاول هذا الخطاب تبرير الإشكالات التي وقعت فيها الحوكمة الفرنسية لكافة الشؤون، إلّا أنّ مجرّد الحديث عن حمل فئات يتمّ تحديد هوياتهم (مغاربيون) سلاحاً لاستهداف محلاتٍ بعينها مملوكة لليهود -على سبيل المثال- في جنوب فرنسا، دون محلات غيرهم من فئات المجتمع الفرنسي (على الرغم من تكذيب الجمعيّات اليهوديّة لتلك الأخبار، وتأكيدها أنّ المحلّات التي استُهدفت لم تكن بمرجعيّة هويّة مالكيها)، وغيرها من أحداث مؤسفة أعقبت الاحتجاجات، هو تردٍّ سيكون له ما بعده بالنسبة إلى الرئاسيات المقبلة، أو الصورة المتردّية أصلاً لفرنسا في الاتّحاد الأوروبي وفي العالم، حيث تأتي هذه السياسات لتدفعها إلى الحضيض أكثر فأكثر.

وصلت فرنسا إلى هنا، وما زالت تتردّى. وعلى الرّغم من هذا كله، يصرُّ سياسيُّوها وإعلاميوها على ترديد الخطاب التبريري، والمتّهم بدون أن يكون هناك أدنى إثبات أو دليل، وهو ما حاولت إعلاميةٌ التّأكيد عليه لضيفها، اليميني المتطرّف، إريك زمور، الذي استمر في كيل التُّهم للمغاربيين، وقال إنّه حتى وإن لم تأت الأخبار بما يؤكّد ضلوع المغاربيين في الفوضى، إلا أنّه هو، نفسه، يعتقد، جازماً، أنّهم هم من حرّض، وقاد الفوضى، وهم من نفّذ عمليّات كسر المحلات ونهبها، بل إنّه وصف ما يحدث في فرنسا بأنه مخططات استبدالٍ لسكّان فرنسا من المهاجرين انتقاماً من الاستعمار. … هذه هي درجة وعي السياسيين وعقلهم هم وبعض إعلاميي فرنسا، ولا يزاد هنا عن هذا سطرٌ واحد.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى