أزمة بناء مؤسسات الدولة الوطنية

نبيل عبد الفتاح

حالة من التوهان السياسي، والاضطرابات، وبعض من الفوضى الإقليمية، وفي النظام الدولي والصراعات مع بعض مؤشرات تحوله النسبي في مواقع القوة، مع الثورة الصناعية الخامسة وعالم التحول إلى ما بعد الإنسانية. في ظل هذه الأجواء تجلت انكشافات الدولة الوطنية، وهشاشتها المؤسسية ما بعد الاستقلال، وتفكك ووهن مفهوم الوطنيات السلطوية ما بعد سايكس -بيكو، والأنظمة الشمولية، والتسلطية العربية، وانقلاباتها العسكرية، وصحوة الهويات العرقية واللغوية والمناطقية، والقومية والقبلية والعشائرية – باستثناء مصر والمغرب ونسبيا تونس – الهشاشة، والضعف المؤسسي، مرجعه عديد الأسباب يمكن ايراد بعضها فيما يلى:

1- الطبيعة السياسية الشمولية والسلطوية للأنظمة السياسية التي أسسها أباء الاستقلال، وخلفاءهم، التي اتسمت بمركزية السلطة عند قمة النظام، وفوائضها عند مراكز القوة حوله، ودمج السلطات الثلاث، وعدم الفصل وظيفيا، وفى توزيع القوة فيما بينهم. ترتب علي ذلك ان الوثائق الدستورية،  باتت محضُ آداة وظيفية تستخدم وفق إرادة الحكم ، وغدت محضُ أحد اشكال رمزية الدولة مثل العلم، والنشيد الوطني، ومن ثم لا تطبق غالبُ نصوصها في الواقع الموضوعي، وتحول المجالس النيابية، إلى فضاء لعضوية الموالين للحاكم والحكم واصوله العائلية، والعشائرية والقبلية، ولمراكز القوى حوله.

2- شخصنة الدولة والنظام والسلطات، وأصبحت كل سياسة وبرنامج اقتصادي واجتماعي، وقرارات سياسية، تنسب إلى الحاكم أيًا كان ملكا، أميرا، أو شيء أو رئيسًا ، لاسيما في بعض المجالات االاجتماعية في المعاشات ، او رفع بعض القيود الدينية والاجتماعية عن حرية المرأة في قيادة السيارات الخاصة دون محرم ، او ارتيادها للمقاهي والأماكن العامة ، علي نحو ماكان سائدا في السعودية قبل ولي العهد الحالي . في بعض الدول العربية الأخرى يسرا وعسرا يتم التركيز علي بعض حقوق المرأة ، في مواجهة الجماعات الإسلامية السياسية والراديكالية والسلفيين ، ونسيان تمدد الثقافة الدينية الشعبية ، في أوساط اجتماعية شعبية ومتوسطة ، وان هذا التمدد للذكورية الاسلاموية الوضعية والشعبية مرجعه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة في دول العسر ، وفشل السياسات الدينية والتعليمية والثقافية في مواجهة هذا النمط من الذكورية الدينية الوضعية ، وايضاً لغلق المجال العام السياسي ، وقمع الحريات العامة ، والتمدد السلفي والإسلامي السياسي وسط المجتمع بهدوء ، ودونما علامات سياسية ظاهرة ! في ظل التغيرات التي حدثت بعد فشل مراحل الانتقال السياسي ، وصعود الشعبوية السلطوية وتوظيفها المكثف للدين في مواجهة الإسلام السياسي ، وقمع الحريات العامة ، والعودة لدمج السلطات لصالح السلطة التنفيذية .

3- تمدد شخصنة السلطة مرجعه إلى غياب الثقافة المؤسسية، بالنظر إلى هيمنة الثقافة الانقسامية داخل مكونات المجتمعات العربية -يسرًا وعسرًا-، ومعها المعتقدات، والأعراف المشتركة والإدراك الذين يؤثرون على تفكير القادة والعاملين في الوظائف الحكومية والبيروقراطية، وعلى سلوكهم الوظيفي، وهو ما يتم نقله وتوارثه عبر التنشئة الاجتماعية والوظيفية داخل مجال العمل -وفق قاموس أكسفورد- من هنا انتقل الانقسام الداخلي إلى داخل الوظائف العامة والحكومية، بل وأجهزة القمع المشروع، الأمنية والاستخباراتية في المشرق العربي ودول الخليج والسودان وليبيا والجزائر وليبيا وموريتانيا .

4- تأثير الانتماءات الدينية والمذهبية، وعلاقات القرابة في المعايير الضمنية وغير المعلنة للتجنيد للوظائف العامة، وتوريث المهن والوظائف، والترقي داخلها، وفق لمعايير الزبائنية السياسية، والمحسوبية، بل وسطوة ظواهر الفساد الوظيفي، كالرشوة في تعيينات بعض الوظائف، أو عبر آليات الترقي داخلها لإعلي. من ثم أدى ذلك إلى لا مبالاة “المواطنين”، بالمعايير القانونية، والمؤسسية، واعتبارها محضُ شعارات فارغة لا تطبق، ومنها معايير تكافؤ الفرص، والمساواة، وهو ما أدى إلى فجوات إدراكية بين المواطن والدولة ومؤسساتها، وإنها ليست دولته الواحدة، وإنما دولة المزايا الطبقية، والعائلية، والقبلية والدينية والمذهبية عند قمة النظام الاجتماعي ومؤسسات الدولة.

 5- تشكل ثقافة مضادة للمؤسسية، من خلالها تشكل مبادئ وقواعد لا أخلاقية، من المعتقدات العميقة وغير المكتوبة داخل أفراد وعمال كل مؤسسة أو جهاز بيروقراطي، تكرس الموالاة والنفاق للترقي لأعلى أو للحصول على مواقع أفضل، أو للمكافآت على بعض الأعمال، أو تعيين الأقارب، والمحاسيب، أو شرعنة الفساد دينيا وأخلاقيا، بدعوى عدم كفاية الأجور لسد الاحتياجات، أو أنها حالة عامة، والقيام ببعض الطقوس الدينية كالصلاة وغيرها للذهاب بسيئات الرشوة، أو النفاق بدعوى أنها من الضرورات في بيئة العمل الحكومي.

6- الشخصنة في العمل ظاهرة عامة في الأحزاب السياسية الحكومية والمعارضات الهشة حول زعيم الحزب ومواليه، وأيضا هي جزء من مفاهيم شيخ القبيلة، والعشرة، والعائلة الممتدة، ومن ثقافة الذكورية السياسية والبطريركية داخل بنيات المجتمعات العربية، والتمايزات الاجتماعية داخل كل مكون من مكوناتها الداخلية، وجماعاتها.

7- امتدت ثقافة شخصنة المؤسسات كإمتداد بيروقراطي للشخصنة السياسية العليا، وهي عامة، وذات علاقة بالتراتبية الاجتماعية، وجزء من ثقافة الاستعلاء القبلي والطبقي والعرقي والمذهبي والسلطوي، وخاصة مع بعض النظم العسكرية الانقلابية في تاريخ المنطقة، في السودان وليبيا، والجزائر، واليمن، وسوريا، والعراق، وتصاعدت على أسس ومعايير مذهبية في أعقاب انهيار نظام صدام حسين، وتأسيس الصيغة الثلاثية لتوزيع السلطات، ما بين رئيس كردي، ورئيس البرلمان سني، والحكومة شيعية، وانتشار الفساد السياسي المذهبي، وتأثير المليشيات المسلحة السلبي علي الدولة ومؤسساتها كم .

الخروج على القواعد والمعايير المؤسسية القانونية والإدارية يتجلي في الدول العربية، في اختيار قادة المواقع القيادية الأساسية بناءاً على الموالاة، والانتماء الديني والمذهبي والطائفي، والقبلي، والقاعدة الاجتماعية لمن يختارون الشخصيات لهذه المواقع وانتماءاتهم الأساسية!

8- تشكلات عُصب المصالح داخل غالبُ الأجهزة الحكومية، والبيروقراطية، وتنافساتها من أجل مصالحها وتعظيمها ومعها قوة العصبة المصلحية داخل مستويات الهيراركية الإدارية، وغالبا مثل هذه العصب المصلحية، تتصارع مع أخرى في ذات المستوى الأعلى، أو المتوسط، وتمتد إلى الأدني. تمثل هذه العصب المصلحية إعاقة ضد صعود الكفاءات، واستبعادها. عصب المصالح شكلت ولاتزال عقبة في سلوكها إزاء أداء الخدمات للمواطنين، وتعقيد حصولهم عليها، من خلال تأويلاتها للوائح والقرارات، بل النصوص القانونية، وأحيانا إعاقة تنفيذ أحكام المحاكم!

8- التغيير في المواقع الوزارية في عديد البلدان العربية تؤدي إلى تغييرات في قيادات المؤسسات التابعة لكل وزير، ومن يعملون معه، وتغييرهم  وإسنادها إلى أخرين، بقطع النظر عن الكفاءة، وإنما على معايير شخصية لا مؤسسية.

9- تدخل المعايير الأمنية والاستخباراتية في غالب البلدان العربية، في اختيار القيادات العليا، وعلى المستويات الوسيطةً، في بعض المؤسسات، وهي معايير تعتمد في بعض هذه الدول على من يعملون معها بقطع النظر عن الكفاءة، وتوافر شروط شغل هذه الوظيفة القيادية، أو غيرها من الوظائف .

١٠- من مظاهر غياب المؤسسية ، النفوز السلطوي والسياسي والاقتصادي لأسر وعائلات وأقارب الحكام في دول العسر، ومعهم بعض ذوي السلطة والنفوز علي نحو ماظهر في الجزائر والدور الذي لعبة اخ الرئيس عبد العزيز بوتفليقه  الأصغر سعيد بوتفليقة ، مع مرض الرئيس في ١٠١٤ ، وتسيير شؤون الدولة باسم الرئيس ، وتم اعتقاله في ١٤ مايو ٢٠١٩ وحكم عليه بالسجن ١٥ عاما ، وولدي صدام حسين ، وبعض أقاربه ، وابن الشيخ حسن الترابي ، وأسرة عمر احمد حسن البشير في السودان ، وجمال وعلاء مبارك في مصر ، وآخرين ، ناهيك عن اسر وعائلات الملوك والأمراء والمشايخ  في دول النفط ممن هم خارج المواقع الرسمية .

غياب الثقافية المؤسسية، سواء في بناء المؤسسات العامة والأجهزة الحكومية والبيروقراطية، في دول ما بعد الاستقلال ساهمت في إضعاف الدولة والوعي الاجتماعي والسياسي بها داخل أنسجة مكوناتها الأساسية الطائفية -لبنان- أو الدينية والمذهبية والمناطقية، والعرقية، والقومية -سوريا والعراق- والسودان، وليبيا، واللغوية السودان والجزائر والمغرب.

اعتمدت الدولة على الأجهزة التي تحتكر القوة الجيوش، وأجهزة الأمن العام والسياسي، والاستخبارات، التي حملت في تشكيل بعضها على معايير الانتماء العائلي، مثل الدول الملكية والأميرية والمشيخية، وفي بعضها الأخر على معايير ذات طابع شخصي، باستثناء بعض الدول القومية مثل مصر والمغرب.

الثقافة المضادة للمؤسسية تمددت في المنطقة العربية، كعلامة أيضا من تجليات طواهر موت السياسية، وغياب فاعلية دولة القانون والحق، وسيادة الدستور في التطبيق، على مستوي القيم والإدراك والسلوك السياسي، والبيروقراطي، والأمني.

من هنا كان غياب ثقافة الدولة والمؤسسات الجامعة للجماعات التكوينية لكل مجتمع ودولة ونظام سياسي، أحد أبرز عوامل انهيار الدول في العراق، وسوريا، ولبنان واليمن، والسودان، وليبيا في ظل الانقسامات الداخلية، والحرب الأهلية التي أدت إلى تفاقم الانقسامات والنزاعات، في ظل مشروعات غائمة وشبحية من الأطراف المتحاربة والمتصارعة، حول بناء الدولة والمؤسسات الجامعة، ووطنيات ما بعد نهاية سايكس- بيكو بمنطقها وحدودها، وهو ما يبدو فيما وراء الغيوم السابحة في فضاءات الإقليم المضطرب.

 المصدر: الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى