
يعيد خطاب السيد سمير العيطة في حلب- بخصوص إنكار وصف التغيير السياسي الذي جرى في سورية بالثورة , باعتبارأنه بدأ بانتفاضة شعبية – طرح أزمة النخب السورية في علاقتها بالشعب السوري .
هذا التوصيف ليس جديدا على السيد سمير , وليس معزولا عن مجمل نظرته للحدث السوري , فقبل ذلك وفي مقال نشره العيطة بتاريخ 22 حزيران / يونيو 2026 تحت عنوان ” تبديد الخوف – الشرط المفقود لنهضة سورية ” كتب بوضوح :” لنسم الأشياء بأسمائها :
ما جرى في سوريا كان حرباً أهليّة، وإن كانت في الوقت نفسه حرباً بالوكالة غذّتها أطرافٌ خارجيّة بالمال والسلاح”
وليس العيطة وحده من يحاول إعادة تعريف ماجرى في سورية منذ العام 2011 وحتى 8 كانون أول 2024 حين تم إسقاط النظام “بكل رموزه ومرتكزاته” كما كانت المعارضة السورية الوطنية قد حددت هدفها السياسي مع بدء التحركات الشعبية.
فقبل كلمته في حلب وقبل مقاله السابق سبقه نشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتابا للسيد سامر بكور بعنوان شديد الدلالة : ” التغريبة السورية : الحرب الأهلية في سورية وتداعياتها المجالية والسكانية ” عام 2024 . وواضح أن العنوان يحيلنا لإعادة تعريف الحدث السوري باعتباره حربا أهلية وليس ثورة شعبية ضد نظام حكم وحشي فاسد .
تستخدم نخب سورية مكانتها الثقافية الافتراضية لتفسير الحدث السوري تفسيرا رغبويا بدل محاولة فهمه من داخله ضمن ظروفه الموضوعية واللجوء لمعايير بحثية واضحة كمرجعية منهجية للتوصل لتفسير محدد بمصطلح أو بوضع الحدث ضمن إشكالية مفهومية بحيث يمكن النظر إليه بأكثر من زاوية وبالتالي عدم القطع بمصطلح واحد بطريقة جبرية جازمة .
لاأدري هل اعتمد السيد عيطة على مفهوم ” الثورة ” وفق الماركسية – اللينينية وخاصة وفق لينين في اعتبار أن “لاثورة بدون نظرية ثورية” ؟
مع كون ماركس نظر بصورة أوسع وأكثر تاريخية بينما ربط لينين بين الثورة والحزب الثوري والاستراتيجية الثورية وكذلك الفكر الماركسي .
وإذا كان الأمر هكذا أي أن مرجعية العيطة هي اللينينية في تحديد مفهوم الثورة , فعليه أن يوضح ذلك ولا يكتفي بالصراخ ” هذه ليست ثورة ” .
نعم لقد قدمت الماركسية – اللينينة تعريفا للثورة ولكنه تعريف ايديولوجي بامتياز , وبالنسبة لنا فقد أصبح ضيقا وجدليا كما هي التجربة البلشفية التي تجاوزها التاريخ .
وخارج التعريف الماركسي – اللينيني هناك جدل واسع حول مفهوم ” الثورة ” من قبل الباحثين الاجتماعيين المعروفين فبينما يعرف تشارز تيلي الثورة بوصفها صراعا على السلطة يحظى فيه أحد المتنافسين بدعم شعبي واسع يستند إليه ضد سلطة قائمة بالفعل . فإن ثيدا سكوكبول في كتابها : ” الدول والثورات الاجتماعية ” تميز بين الثورات الاجتماعية والثورات السياسية , ووفقا للسيدة ثيدا فهناك الثورات السياسية التي لايصاحبها تغييرات مماثلة اجتماعية مثل الثورة الانكليزية 1688 – 1689 التي رسخت قيودا دستورية على السلطة الملكية لكنها لم تحمل تغييرا اجتماعيا بين مختلف الفئات الاجتماعية وهناك الثورة الأمريكية 1775 – 1783 التي كانت أيضا ثورة سياسية حققت الاستقلال عن بريطانيا وأسست الجمهورية بمبادىء تقوم على السيادة الشعبية والتمثيل السياسي لكنها أبقت على العبودية ولم تنه التفاوتات الاجتماعية .
وفي حالة الثورة السورية فقد تمتعت بخصائص جوهرية تجعل تجاهلها عملا لايتسم بالموضوعية وهي :
أولا : أنها أطلقت حركة شعبية لم يسبق لها مثيل في اتساعها وقوتها في سورية تحت شعار الحرية والكرامة . وتلك أهم صفة من صفات الثورة أي قدرتها على حشد الجماهير من أجل هدف سياسي محدد وحجم وقوة ذلك الحشد “
ثانيا : أنها كانت ثورة سلمية لعدة أشهر واجهها النظام بأقسى درجات العنف والوحشية وسفك الدماء .
ثالثا : أنها استمرت رغم ذلك ولم تتراجع , وكون المواجهات تحولت نحو العنف لاينفي عنها صفة ” الثورة “
رابعا : أنها ” ثورة سياسية ” وليست ثورة اجتماعية – طبقية ليطلب منها تقديم نظرية ثورية وفق رؤية ماركسية .
خامسا : أن إسقاط النظام البائد قد قامت به فصائل عرفت عن نفسها بكونها ممثلة للثورة السورية وليست جسما غريبا عنها .
بالتالي فإن الاصرار على إعادة تعريف الثورة السورية بوصفها مجرد انتفاضة تحولت لحرب أهلية هو عمل رغبوي يستغل موقفه النخبوي ليملي على المجتمع مفهومه الخاص دون أي تبرير أو مرجعية منهجية .
هذا الموقف النخبوي المتعالي على الشعب والذي يريد حرمانه من الدلالات العميقة المستقرة في وجدان الشعب السوري لمفهوم الثورة من كونها رفضا للظلم واستعدادا للتضحية إلى أبعد حد , إنما يسيء لتضحيات الشعب وللنخب السورية أيضا ويعمق إحساس المرارة لدى الشعب بسبب مواقفها المغرقة في الذاتية والبعيدة عن مشاعره ووجدانه والتي لا تجد مبررا حقيقيا لها في كثير من الأحيان .






