الجولان أرض سورية … الثابت الوطني الذي لا يقبل التنازل.!

بشكل قاطع، حسم الرئيس أحمد الشرع، في كلمته التي ألقاها يوم الأربعاء الماضي على منبر الأمم المتحدة، في دورتها الـ81 لهذا العام، موقف سورية من هوية الجولان المحتل، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أراضي الجمهورية العربية السورية، مشيراً إلى القرار الدولي رقم 497 الصادر في ديسمبر/كانون الأول 1981، الذي يعتبر الاحتلال باطلاً وغير قانوني، وكل الإجراءات التي قامت بها إسرائيل من جانب واحد لاغية.

هذا الموقف، وإن لم يكن الأول، فقد عبّر عنه الشرع من قبل، وأكثر من مرة وفي مناسبات عدة، لكنه هذه المرة جاء أكثر وضوحاً وقوة، باعتباره صدر على منبر أهم مؤسسة دولية ومرجعية أممية، أنيطت بها مهمة حفظ الأمن والسلم الدوليين.

ويأتي هذا الموقف في ظل عزلة دولية متزايدة تواجهها إسرائيل، عبرت عن نفسها في انسحاب وفود 77 دولة أثناء إلقاء بنيامين ناتنياهو لكلمته في الأمم المتحدة قبل عدة أيام، إضافة لعقوبات من دول كانت على الدوام منحازة إليها، وتتبنى مواقفها وتدافع عن سردياتها، كما حصل مؤخراً في العقوبات التي أوقعتها 12 دولة نتيجة سلوكها في غزة، وحرب الإبادة الشاملة التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني، وهو ما يعزز، في المقابل، الموقف السوري الذي تعامل بهدوء وحكمة مع الاعتداءات “الإسرائيلية” المتكررة منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وحتى اليوم، وأبدى استعداداً لتوقيع اتفاق أمني جديد أو العودة إلى اتفاق 1974 بين الجانبين.

منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وحتى اليوم، فُهم الموقف السوري وقُرئ على نحو خاطئ، فمن قائل بوجود صفقة مع أميركا وإسرائيل أوصلت أحمد الشرع إلى الرئاسة، يتخلى بموجبها عن الجولان، وحتى أجزاء من الجنوب السوري، إلى من رأى أن سورية الجديدة ماضية نحو إبرام اتفاق “سلام” مع إسرائيل ينهي عقود الصراع ويفتح أمامها المجال لتحقيق أهدافها التوسعية، وصولاً إلى اعتبار المفاوضات واللقاءات بين الجانبين تفريطاً بالثوابت الوطنية، وكسراً للمحرمات.

وقد جرى ذلك، في كثير من الأحيان، من دون مراعاة حقيقية لإمكانات الدولة السورية وقدراتها والعوامل المحيطة بها، والتي تملي عليها خياراتها في عالم معقد ومضطرب، تكون الأولوية فيه اليوم لإعادة البناء والنهوض والتعافي، بعد سنوات العزلة والحصار والعقوبات.

لا شك أن المطلوب وطنياً كبير، على مستوى إعادة بناء القدرات العسكرية والاقتصادية والأمنية، وإعادة تموضع سورية في الإقليم والعالم، وهندسة علاقاتها الداخلية بما يقوي اللحمة الوطنية في مواجهة المخاطر، فالصراع تاريخي وطويل، ويحتاج إلى إعادة التفكير في سبل المواجهة، وفي مقدمتها بناء دولة وطنية عصرية وحديثة، تملك مقومات الحضور والتأثير، بل والنفوذ، وسورية مهيأة لذلك، دون افتعال أو ضجيج.

على كل حال، ستبقى إسرائيل تحدياً وتهديداً لسورية، وعاملاً مؤثراً في سياساتها الداخلية والخارجية، ولا تستطيع أي إدارة أن تغفل ذلك، فالدول، عموماً، تعتبر أمنها القومي مسألة أساسية وثابتة في سياساتها، لا يمكن القفز فوقها أو تجاوزها.

وفي المقابل، فإن التصريحات والمواقف الإسرائيلية والاعتداءات المستمرة خلال المرحلة الحالية تشير إلى أن العلاقة مع وطننا، سورية، ستبقى محكومة بعوامل النزاع والصراع بحكم طبيعة دولة الكيان وبنيتها وحتى دورها الوظيفي، في ظل التحولات الإقليمية والدولية، والتحالفات السورية الجديدة، ومعادلات القوة والنفوذ والمصالح التي تعيد تشكيل المنطقة، وسورية ليست استثناءً من هذه المعادلات، بمعنى أن الحرب الشاملة والواسعة، أو المحدودة، ربما تكون قادمة، خصوصاً في ظل حكومة ناتنياهو التي هي الأشد تطرفاً وعدوانية في تاريخ دولة الكيان، ولا تخفي أطماعها في الجنوب السوري تحت دعاوى وهواجس الأمن المفقود.

حسناً، حسم الرئيس أحمد الشرع ذلك على منبر الأمم المتحدة، ليقول للعالم، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية والرئيس دونالد ترامب، إن سورية لن تفرط بحقوقها، ولن تقبل بأن يمنح من لا يملك قطعة من أرضها أو سيادتها أو كرامتها وأمنها لمن لا يستحق، وفي الوقت نفسه، فإن سورية الجديدة تسعى إلى فرصة حقيقية تنهي العدوان المتواصل على أراضيها والتدخل في شؤونها الداخلية.

اليوم، سورية، برغم ضعفها، تملك عناصر قوة في تحالفاتها ومنظومة علاقاتها وسياساتها الجديدة، ونقول ذلك ليس مديحاً لسلطة لسنا جزءاً منها، وبالتأكيد لا نعاديها ولا نقف ضدها، وإنما من خلال قراءة واقعية ومتأنية لما يحيط بنا، وبرغبة وطنية صادقة في تجاوز معوقات وتحديات بناء المستقبل.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. موقف سورية من هوية الجولان المحتل، محدد باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أراضي الجمهورية العربية السورية، والمؤكد بالقرار الدولي رقم 497 الصادر بعام 1981، الذي يعتبر الاحتلال باطلاً وغير قانوني، وسورية بتحالفاتها الدولية ومنظومة علاقاتها تملك عناصر قوة للثبات على موقفها المطالب بالسيادة الوطنية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى