
في الحروب الأهلية، قد تشكل سيطرة طرف ما على العاصمة تثبيتاً لسلطته السياسية، لكنها أحياناً تصبح عبئاً عليه، ناهيك عن كلفتها على حياة المدنيين، وفي حالة العاصمة صنعاء الخاضعة لسلطة جماعة الحوثي منذ أكثر من عقد، فإن واقع الحرب، وإن بات شرطاً للحياة بما استتبعه هذا من زجّ المجتمع في دورات حروبها، إلا أن دورة التصعيد الحالي لم تضع صنعاء في بؤرة الصراع فقط، بل أيضاً جعلت المدينة تختبر ارتدادات أكثر عمقاً.
لطالما ارتبطت صنعاء بمعادلة الصراع المحلية وتحولاتها الجغرافية باعتبارها هدف المتصارعين، تأميناً أو سيطرة، ومع أن معطيات الواقع قد رجّحت كفة جماعة الحوثي جرّاء استحواذها على صنعاء، بما في ذلك ترسيم وضعها السياسي، فإن جولة الحرب الحالية أعادت تصديرها في المشهد اليمني، سياسياً وعسكرياً وكذلك إعلامياً، ففي مقابل اعتبار استعادة صنعاء هدفاً نهائيّاً لمعاركها ضد الجماعة بالنسبة للسلطة الشرعية، نجحت الجماعة، إلى حد ما، في تسويق معاركها، على الأقل بين أنصارها، بأنها تمتلك شرعية السيطرة على العاصمة، وذلك بتوصيف نفسها بأنها قوات “صنعاء”، بموازاة الاستفادة من هذا الواقع لتوظيف موارد الدولة في استمرار معاركها في الجبهات. تراهن الجماعة على سيطرتها على العاصمة ورقة مساومة، في حال واجهت معركة مصيرية في المستقبل، بيد أن طبيعة الحرب وضبابية أهدافها، وتوسعها أيضاً، لا تحسم معادلة القوة لصالح الجماعة مقارنة بجولات التصعيد السابقة، بل تفرض نفسها على أهم أوراق ومركز قوتها، أي على صنعاء جرّاء معاركها في الأطراف.
دورة التصعيد الحالي لم تضع صنعاء في بؤرة الصراع فقط، بل أيضاً جعلت المدينة تختبر ارتدادات أكثر عمقاً
تتجلى انعكاسات معارك جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في مستوياتٍ عديدة، من الوضع العسكري والأمني، إلى تمثلات سلطة الجماعة، وكذلك طبيعة إدارة مؤسسات الدولة، إلى جانب المجالين السياسي والمجتمعي، ففي حين أفضى تصعيد الجماعة في الجبهة الغربية من اليمن إلى تأمين صنعاء، أي من خلال نقل المعارك إلى جبهات خصومها، مقابل تحييد المناطق الخاضعة لها. وبالتالي، منح نفسها القدرة على التحرّك بمرونة في جبهات القتال، ناهيك عن توريد غنائمها من الأصول العسكرية والموارد من معسكر خصومها إلى صنعاء، فإن الحقيقة الواقعية بقاء العاصمة تحت خطر الاستهداف، وهو ما يمكن تلمس مؤشّراته، بما فيه استشراف سيناريوهاته في ظل استمرار تصعيد الجماعة، فقد ترافق احتدام المعارك في الجبهة الغربية مع تحويل صنعاء إلى ساحة موازية لإدارة الصراع، سواء للضغط على الجماعة، أو التمهيد لجولة حرب أكثر شمولاً، واتخذت هذه المؤشرات ثلاثة مسارات: تحليق الطائرات المسيرة في ضواحي المدينة بشكل دوري ومكثف، وهو ما يعني تمكن خصوم الجماعة من شل سيطرتها الكلية على أجواء العاصمة، وكذلك القدرة على تحقيق اختراق أمني في عاصمة سلطتها، وبالتالي انكشافها أمنياً ومن ثم عسكرياً. ومسار ثان: تعرض مدنية صنعاء لقصف دوري، ومسار ثالت: انفجارات مجهولة شهدتها صنعاء، وإن لم تعترف الجماعة بهذه الانفجارات باستثناء حادثة تفجير مبنى قسم شرطة في مديرية أزال الذي أسفر عن مقتل ضباط وأفراد، وكيفته الجماعة بأنه حادث أمني ونسبته إلى تنظيم داعش. ومن جهة ثانية، فإن استمرار حرصها على السيطرة على باب المندب قد يدفع خصومها إلى تفعيل أوراق ضغط جوهرية وفي مقدمتها صنعاء، وهو ما يتضح في تصريحات مسؤولي الشرعية، وكذلك الإعلام السعودي بوضع استعادة صنعاء هدفاً استراتيجيّاً، ومن ثم قد تعني هذه المؤشرات بقاء صنعاء ساحة ضغط على الجماعة وتجريدها من ورقة قوتها الرئيسية، سواء بتحريرها أو عبر تحويلها إلى مسرح عملياتي جزئي.
ومن جهة ثالثة، فإن الأعمال العدائية للجماعة التي تستهدف العمق السعودي، على قاعدة أن أي عملية عسكرية تطاول صنعاء سيكون الرد عليها في الرياض، يعني إيجاد وضع عسكري وأمني دائم في العاصمة وتعريضها لمخاطر الاستهداف والعقاب من السعودية، يضاف إلى هذا أن أي استراتيجية عسكرية ستتبناها السعودية، بالشراكة مع أميركا أو مع حلفاء دوليين وإقليميين، تعني في المقام الأول استهداف العمق الاستراتيجي للجماعة، أي صنعاء، سواء بضرب مقدرات الدولة التي تسيطر عليها أو لإرباكها وفتح جبهة في عمقها تمهيداً لإسقاطها.
لطالما ارتبطت صنعاء بمعادلة الصراع المحلية وتحولاتها الجغرافية باعتبارها هدف المتصارعين، تأميناً أو سيطرة
في السياق ذاته، تظهر تداعيات معارك جماعة الحوثي على سلطتها في صنعاء وهيئاتها بشكل لافت، وإذا كانت السمة الأساسية لمؤسسات سلطة الجماعة، بأنها لا مدنية، سواء بتشكيلتها أو بتوجهاتها، بل سلطة عسكرية ودينية، فإن أي تصعيد تتبناه ينعكس على سلطتها، وهو ما تكشّف في معاركها الحالية، إذ إن مخاوف قيادات الصف الأول في سلطة الجماعة من تعرضهم لاستهداف ترتب عليها تبنيهم سياسة أمنية متشددة، من نقل أماكن عملهم إلى عدم الحضور في مؤسسات السلطة، ما أدى إلى فراغها.
من جهة ثانية وفي سياق العلاقة ما بين سلطتها والمجتمعات الخاضعة لها، فإذا كان التمظهر الجوهري لسلطة الجماعة بكونها سلطة جبايات فقط، ما يعني أنها لا تحكم فعلياً المجتمع، بل تتمركز فوقياً وظيفياً من خلال الجباية والإخضاع، فإن سلطة الجماعة وإن كانت فوقية وجبائية، فإن أي ضغط تواجهه يظهر جلياً في طبيعة إدارتها للمجتمع، وهو ما تكشف مع التطورات العسكرية، والمتمثل بغيابها عن المشهد المجتمعي، ومن ثم تدبّر المواطنين شؤونهم اليومية؛ بموازاة ذلك، تظهر طبيعة الارتدادات على الصعيد الحكومي، حيث انعكس تصعيد الجماعة على المشهد المؤسسي، بحيث شكل نقطة ضعفها الجوهرية، جراء فشلها في التوفيق ما بين الصبغة القتالية لسلطتها وبين أبسط وظائف السلطة التنفيذية، أي تشغيل مؤسسات الدولة. فإضافة إلى نتائج عقد من سيطرتها على الدولة، وتشتيت الكادر الوظيفي، إما بتحييده أو تسريحه، مقابل إحلال عناصرها من المسؤولين والمشرفين والموظفين، ما أدّى إلى اضعاف الدولة وتفريغها وعدم جاهزيتها للعمل في بيئة قتالية، فقد أسفرت مأسسة الجماعة لدولة المقاتلين إلى شلها وظيفياً جراء تحول المقاتلين إلى قوة تشغيلية وحيدة للدولة، ما أنتج وضعاً يتعدّى تفريغ الدولة إلى التعطيل الشامل. فمع اشتداد المعارك في جبهات القتال صعدت حاجة الجماعة لإسناد نوعي في قيادة العمليات القتالية والإشراف، وكضباط ارتباط بين جبهات الحرب والمستويات العسكرية العليا والدنيا، بحيث اعتمدت على قطاع مشرفيها وموظفيها في جهاز الدولة، الرسمية أو التي شكلتها، ما أدّى إلى شلل المرافق، ومن ثم التأثير على حياة المواطنين.
ترافق احتدام المعارك في الجبهة الغربية بتحويل صنعاء إلى ساحة موازية لإدارة الصراع ، سواءً للضغط على الجماعة، أو التمهيد لجولة حرب أكثر شمولاً
تتمظهر الفلسفة السياسية للجماعة حيال تحالفاتها، أي خارج عصبتها الدينية، في بعد عملي قائم على البراغماتية، يتضافر فيه عدم الثقة المتأصلة بشبكة تحالفاتها، وكذلك معادلة طبيعة استخدامهم عسكرياً وسياسياً ومكاسبها، بحيث يتجلى هذا النهج في الأزمات التي تواجهها الجماعة. ومع أن نتائج معركتها في الجبهة الغربية حققت لها مكسباً سياسياً، باستهداف أهم أجنحة المؤتمر الشعبي العام، أي الجناح العسكري، وإن في معسكر خصومها، فإنها ومع استثمارها هذا المنجز، خصوصاً في صنعاء التي تشكل مركز ثقل حزب المؤتمر عبر فرض معادلة تحالفية جديدة، أي تطويع أكثر، واستثمار الصراعات بين أجنحة المؤتمر، فإنها فشلت في تحسين تحالفها مع مؤتمر صنعاء، بحيث لجأت كالعادة إلى وسائلها القمعية، بشن حملات اعتقالات طاولت عناصر من “المؤتمر”، وتقييد حركة القيادات ووضعهم تحت الرقابة الأمنية. سياسياً أيضاً، انعكس مظهر آخر على تحالفاتها في هذه المرحلة، إذ إن اعتمادها على شركاء ثانويين لاستمرار معاركها الداخلية، سواء من الزعامات المحلية القبلية والوجاهات الاجتماعية أو الشبكات السائلة لتجنيد مقاتلين من مناطقهم ولّد حالة احتقان في دائرة حلفائها، جراء استمرار تضحياتهم لدعم حروبها، مقابل عدم تمثيلهم في أطر سلطتها، بحيث صعّد من التوترات البينية، خصوصاً مع انفراد الجماعة بالغنائم، وأيضاً تعيين زعاماتها في السلطات المحلية في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً واستثناء حلفائها من الغنيمة.
في المجمل، قياس ارتدادات معارك الجماعة، وخصوصاً في صنعاء تحكمه تجلياتها العيانية في السلطة والمجال السياسي والمجتمعي، ومرتهنة بتطورات معارك الجبهات وانعكاسها على العاصمة. وفي الأخير، أعنف هذه الارتدادات يكمن في سياسة عسكرة المجتمع، وأيضا التنكيل والعقاب السلطوي التي تنشط طرداً مع معاركها ومخاوفها من الآخر، أي المجتمعات التي تخضعها، وخصوصاً العاصمة التي لا تزال عصية على الترويض الجمعي، وإذا كان استخدام الجسد الاجتماعي، أي القوة المسحوقة كوقود للمعارك بات واقع الحياة في صنعاء، حيث يتدافع المشهد الجنائري يومياً، فإن الوجه الآخر لبنية الشرور هو آلة السيطرة الاجتماعية التي تتغذّى بالكراهية واستدامة الحرب، من وسائل إعلام هوياتية إلى منابر الجوامع التي غدت وسيطاً فاعلاً لدفع مجتمع متعب ومفقر ومنكوب في دورات من الحروب العبثية التي لا يمكن التكهن بنهايتها.
المصدر: العربي الجديد






