من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية

تستمد السلطة السياسية التي تأتي بعد الانتصار العسكري على نظام ظالم وفاسد شرعيتها من كونها أسقطت ذلك النظام وحققت هدفا عظيما ظل الشعب يكافح من أجله لفترة طويلة، لكن تلك الشرعية ليست مطلقة، وليست دائمة، فهي شرعية نسبية بمعنى أنها تمنح القيادة الثورية فرصة للانتقال بالبلاد إلى وضع مستقر أمنيا وتحقيق بعض المتطلبات العاجلة وفق ضرورات المرحلة ضمن تقييدات في استعمال السلطة.

وهي شرعية مؤقتة تتآكل تدريجيا مع انتقال البلاد لوضع طبيعي أو يقترب من كونه كذلك.

المرحلة الانتقالية هي تلك المرحلة التي تبدأ مع إسقاط النظام البائد وصعود القيادة الثورية للسلطة وتنتهي مع استتباب الأمن والنظام العام وإنهاء البؤر الخارجة عن سلطة الدولة بالدرجة الأولى.

ويمكن أن نلحق بما سبق وضع أسس العدالة الانتقالية التي يمكن أن تمتد لسنوات وبالتالي لا يمكن اعتبار انجازها شرطا لانتهاء المرحلة الانتقالية.

بالمثل فإن عودة معظم اللاجئين والتعافي الاقتصادي سوف يستغرق العديد من السنوات ولا يمكن اعتبار إنجازهما شرطين لانتهاء المرحلة الانتقالية.

معنى ذلك أننا دخلنا بالفعل أو نكاد ندخل نهاية المرحلة الانتقالية الواقعية وليس المرحلة الانتقالية النظرية التي تحددت بالإعلان الدستوري المؤقت.

أي أننا دخلنا في مرحلة الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية واقعيا.

تأخير هذا الاستحقاق سيجعل تآكل الشرعية الثورية يجري بصورة أسرع.

هل يمكن النظر لمجلس الشعب كبديل مؤقت عن الانتقال للشرعية الدستورية؟

مجلس الشعب في عملية تشكيله كان مصمما لتغطية مرحلة انتقالية انتهت بالفعل. فهو قد جاء متأخرا.

ما هو المطلوب إذن:

المطلوب هو النظر للواقع باعتباره المرجع في فهم المرحلة الانتقالية، لا بناء المرحلة الانتقالية على أسس الارادة الذاتية.

أي أننا دخلنا بالفعل في مرحلة الاستحقاق الدستوري.

هذا يقتضي تحديد موعد الانتخابات العامة لانتخاب جمعية تأسيسية بعد نحو عام من الآن.

إصدار قانون الأحزاب.

إجراء انتخابات بلدية.

إجراء الأعمال الاحصائية ووضع قانون الانتخابات من قبل مجلس الشعب الحالي.

الخروج من الحالة الضبابية لتصور شكل الدولة التي هي هدف السوريين وهدف الثورة السورية أي الدولة المدنية الوطنية، دولة المواطنة الحرة المتساوية، دولة العدالة والقانون.

فهي ليست دولة مذهبية كإيران مع الفارق، وليست دولة استبدادية ديكتاتورية.

دولة تقوم على فصل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وعلى برلمان ينتخبه الشعب للتشريع ولمراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها.

دولة تحترم الحريات العامة وحقوق الانسان.

كل ذلك وأكثر منه ينبغي أن يكتب بالخط العريض كعهد ووعد للسلطة الانتقالية الحالية.

هذه مسائل لا يمكن تركها فارغة كأحجية بل لابد من حسمها بطريقة لا مرد لها.

نحن مازلنا نشعر بعد أقل قليلا من عامين على إسقاط النظام أننا لا نعرف إلى أين نسير؟

وأي نوع من الدول نسير إليه؟ هل هي دولة مدنية أم غير ذلك؟

هل هي دولة جميع المواطنين السوريين بدون تمييز أم غير ذلك؟

هل هي دولة حريات أم أن الحريات ليست سوى حالة مؤقتة؟

هل هي دولة مجموعة سياسية واحدة بتغطية مجلس شعب شكلي أم دولة برلمانية تعددية؟

ثمة فرق بين تعيين الهدف بوضوح والذي نطالب به وبين الدعوة للوصول إليه دون تأمين استحقاقاته.

عدم وضوح الهدف يعني أن الوصول إليه لم يعد مضمونا، قد نصل وقد لا نصل وقد نصل لدولة أخرى مختلفة تماما.

ما سبق يتقاطع مع انتهاء استحقاق المرحلة الانتقالية واقعيا ويتقاطع مع الدخول في مرحلة استحقاق المرحلة الدستورية. أما مط المرحلة الانتقالية لسنتين أو ثلاث سنوات إضافية فهو مجرد تحكم بالمسار السياسي الرسمي للدولة لكن لا يمكن له أن يكون تحكما بالواقع وسيرورته واستحقاقاته.

ووجود فراغ بين المسار السياسي المرسوم للدولة وبين استحقاقات الواقع يشبه تفصيل القدم حسب الحذاء بدلا من تفصيل الحذاء حسب القدم.

هذا الفراغ بين السياقين سيكون نقطة الضعف ” عقب أخيل ” التي سيستغلها جميع أعداء الدولة الجديدة التي مازالت أمل معظم السوريين، لقد أصبح ملحا أن يتبين للسوريين إلى أين نحن ذاهبون؟، وأن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى