هل اقترب حسم ملف السويداء؟

مرت أزمة السويداء بمراحل متعددة منذ أن تمكن الشيخ حكمت الهجري من الإمساك بمقاليد الأمور بالتحالف مع ضباط وعناصر من فلول النظام البائد وبدفع وتمويل خارجيين.

طوال تلك الأزمة كان مشروع الهجري يزداد ابتعادا عن دمشق، وإغراقا في التأسيس لشرخ بين السويداء والوطن السوري، وجاءت أحداث السويداء الأليمة وما حصل فيها من مجازر وتجاوزات لتمنح المشروع الانفصالي للهجري دفعة قوية للأمام فأصبح المشهد العام يترك انطباعا أن السويداء اختارت السير وراء الهجري بسبب عمق الجراح التي سببتها مجازر تموز 2025 .

بعد ذلك أصبح واضحا أن أي حل لأزمة السويداء لابد أن يأتي من داخلها، وبالتالي دخلت السويداء بمعادلة صعبة الحل، فحكمت الهجري أحكم قبضته على السويداء عن طريق الفصائل المسلحة، وأصبح أي صوت معارض له مهدد بالقتل أو الحرمان الديني. فضلا عن حملات التخوين وإطلاق الشتائم التي لا تقف عند حد.

لكن مع امتداد الأزمة، وانكشاف طبيعة حكم الهجري للسويداء، باعتباره حكم رجل دين ضيق الأفق، بعيد عن فهم السياسة الحديثة وموازين القوى، وغارق في أوهامه وأحلامه المستحيلة، فضلا عن فساد مجموعته وتسلطها على البلاد والعباد، هنا بدأ أهل السويداء بمراجعة موقفهم من الهجري ومشاريعه الخيالية التي تدرجت من حق تقرير المصير وصولا للدعوة للاندماج مع اسرائيل من جانب واحد.

وبعد حوالي عام من مجازر السويداء أصبحت الصورة مختلفة تماما، مع ذلك لم تتجرأ سوى أصوات قليلة بالارتفاع ضد حكم الهجري والمجموعة التي تلتف حوله والميليشيات التي تدعمه.

لكن ما حدث مؤخرا كان لافتا على نحو خاص. لقد شعر حكمت الهجري بافتقاد إحدى مرتكزات مشروعه بتراجع قسد وتحرير الجزيرة وأخيرا بحل تنظيم قسد.

فمشروعه الانفصالي كان يستند إلى كسر عزلة السويداء الجغرافية بفتح طريق نحو الجزيرة السورية ” ممر داوود” ويبدو أن تلك الفكرة لم تكن خالية من الدعم من قبل أوساط خارجية أهمها اسرائيل بالطبع.

اسرائيل التي كانت تراهن منذ سقوط النظام البائد على تقسيم سورية، من خلال كيانات انفصالية ثلاث، كيان في الساحل فشلت المحاولة فيه مبكرا، وكيان رئيسي هو قسد التي بسطت سيطرتها على ما يقارب ثلث مساحة سورية وأهم مساحاتها الزراعية وثرواتها النفطية وكان الأمل معلقا عليه كرافعة لبقية المشاريع الانفصالية، والكيان الباشاني في السويداء.

انتهاء قسد سلط الأضواء على عزلة المشروع الانفصالي في السويداء، وكونه قد فقد أحد أهم مرتكزاته، لقد أصبح واضحا أن تقسيم سورية لم يعد واردا بل أصبح فكرة من الماضي تجاوزتها الأحداث.

لقد أصبح الباشان وحيدا معزولا، بينما الدول الكبرى والأمم المتحدة تبنت بصورة حاسمة مبدأ وحدة أراضي الدولة السورية.

لم تظهر اسرائيل خلال الأشهر الأخيرة سوى قدر ضئيل من الدعم السياسي لحكمت الهجري، وعلى العكس فقد تسربت الأخبار عن نصائح أرسلت إليه عن طريق موفق طريف المقرب من نتنياهو بضرورة التفاهم مع دمشق وأن اسرائيل ليست بصدد دعم دولة باشان المستقلة.

هكذا أصبح على الهجري أن يعاند الحقائق الجيوسياسية الجديدة، بينما تزداد الدولة السورية قوة ورسوخا في الداخل والخارج، وتظهر تقارير صندوق النقد الدولي أنها دخلت بالفعل مرحلة التعافي الاقتصادي.

يعرف الهجري أنه أحرق سفنه مع الدولة السورية، لذا فلم يعد أمامه سوى الهروب نحو الأمام، لكن كل خطوة يخطوها نحو الأمام مثل تصريحاته الأخيرة عن كونه جزءا من اسرائيل نافيا الهوية العربية والوطنية السورية عن جبل العرب ومتنكرا لتاريخه وشهدائه في معارك الاستقلال، وكذلك منعه طلاب الثانوية من أبناء السويداء من أداء الامتحانات في ريف السويداء الذي تسيطر عليه الدولة السورية بطريقة استفز بها الطلاب وأهلهم والسويداء كلها ماعدا تياره الذي يتضاءل كل يوم. كل ذلك وغيره من أعمال الفساد والإرهاب وكم الأفواه أصبح فوق ما يتحمله أحرار السويداء.

لقد وصل السيل الزبى.

ولم يعد فجر السويداء بعيدا.

وإن غدا لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى