مجلس التعاون الخليجي في مفترق طرق

حسن نافعة

           

أُعلن عام 1981عن قيام مجلس التعاون الخليجي في وقت كانت المنطقة في حالة تتسم بالاضطراب السياسي وعدم الاستقرار الأمني، فقبل عامَين من إشهاره، اندلعت في إيران ثورة إسلامية تبنّت نهجاً راديكالياً معادياً للسياسات الأميركية والصهيونية في المنطقة، ورأت فيها معظم الأنظمة الحاكمة في المنطقة خطراً مباشراً عليها. وبعد شهور من اندلاعها، أبرم رئيس أكبر دولة عربية، أنور السادات، معاهدة سلام مع إسرائيل، قطعت الدول العربية على إثرها العلاقات الدبلوماسية مع مصر، ونقلت مقر جامعة الدول العربية إلى تونس. وبعد ما يقرب من عام على ذلك الحدث المزلزل، أقدم صدّام حسين على شنّ حرب واسعة على إيران، أحد أهم أهدافها محاصرة النظام الثوري في إيران وإضعافه. وفي هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، وبينما كان أوار الحرب بين العراق وإيران يزداد لهيباً، أوحت الولايات المتحدة، الحليف المشترك لكل دول الخليج العربية، بانتهاز فرصة انشغال هاتَين الدولتَين الإقليميتَين الكبيرتَين بالحرب، لتوحيد صفوفها وتنسيق السياسات فيما بينها، لتصبح في وضع يتيح لها مواجهة التحدّيات التي راحت تعصف بالمنطقة، ما يفسّر انطلاق المشاورات التي قادتها السعودية، وأفضت إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي.

لاقت هذه الخطوة ترحيباً واسعاً من أوساط فكرية وسياسية عديدة، رأت أن تشكيل إطار مؤسّسي يضم دولاً عربية صغيرة، تعاني من نقص شديد في السكان، لكنها تمتلك، في الوقت نفسه، ثروات نفطية هائلة، سوف يسهم في إطلاق حركة تكاملية نشطة يمكن أن تفضي إلى ظهور فاعل قوي جديد على الساحتَين، العربية والخليجية، قد يصبح مؤهلاً ذات يوم لملء الفراغ الذي تركته كل من مصر، بخروجها من ساحة المواجهة العسكرية مع العدو الصهيوني، والعراق، بدخولها في مواجهة عسكرية مع إيران. غير أنه سرعان ما تبين أن هذه التوقعات لم تكن في محلها، وأن ما جرى لا يخرج عن كونه عملية سياسية تهدف إلى المحافظة على المصالح الأميركية في المنطقة، من خلال إقامة “نادٍ للأغنياء العرب” يدور في فلك السياسات الأميركية. وبالتالي لسنا إزاء عملية تكاملية تهدف إلى تقوية جهاز المناعة في العالم العربي، أو سدّ بعض الثغرات وتصحيح بعض الأخطاء التي وقع فيها عدة قادة عرب.

عجز المجلس الذي يقترب عمره من نصف قرن عن إنجاز عملية تكاملية حقيقية، على الصعيدَين الاقتصادي والسياسي

ورغم ما بين دول مجلس التعاون الخليجي من تشابه كبير في أنظمتها الحاكمة، وفي بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلّا أن المجلس، والذي يقترب عمره من نصف قرن، عجز عن إنجاز عملية تكاملية حقيقية، على الصعيدَين الاقتصادي والسياسي، تحاكي تجربة التكامل الأوربي أو تستفيد من دروسها. فعلى الصعيد الاقتصادي، لم يتمكّن مجلس التعاون الخليجي من انتهاج سياسات تؤدّي إلى صك عملة خليجية موحدة، أو إلى إقامة سوق اقتصادية موحّدة، أو حتى إلى إقامة اتحاد جمركي حقيقي، أبسط أشكال الوحدة الاقتصادية، رغم الإعلان رسمياً، عام 2003، عن قيام اتحاد جمركي بين الدول الأعضاء. وعلى الصعيد السياسي، فلم تتمكّن دول المجلس، لا من بلورة سياسة خارجية أو أمنية موحدة، ولا من تطوير عملية اتخاذ القرارات في مختلف الأجهزة والفروع، بما يؤدي إلى تحويل المجلس إلى مؤسسة فاعلة تتمتع بسلطات حقيقية تمكنها من فرض إرادتها على الدول الأعضاء. فظلّ المجلس مجرّد إطار لتنسيق السياسات بين دول مستقلة ذات سيادة، تتخذ فيه القرارات بإجماع الآراء، ولا تلزم القرارات الصادرة بالأغلبية إلّا الدول التي وافقت عليها. لذا لم يكن غريباً أن العلاقة بين دول المجلس، من حين إلى آخر، إلى هزّات سياسية عنيفة، وصلت، أحياناً، إلى حد القطيعة الدبلوماسية وفرض الحصار الاقتصادي، مثلما حدث مع قطر عام 2017، كما لم يكن غريباً أن تتباين سياسات الدول الأعضاء ليس تجاه القضايا القومية الكبرى فحسب، كالقضية الفلسطينية والموقف من تطبيع العلاقة مع الكيان الصهيوني. وإنما أيضاً تجاه الأزمات التي تنشب في الجوار الجغرافي للدول الأعضاء، وفي مجالها الحيوي مباشرة. وربما كانت أكبر الأخطاء التي وقع فيها المجلس، على هذا الصعيد، تكمن في عجزه عن بلورة سياسية خليجية مشتركة تتسم بالتعقل والحكمة للتعامل مع دولة مثل اليمن، ربما بسبب ما تتسم به من كثافة سكانية وشح الموارد، أو دولة مثل العراق، ربما بسبب ما تتسم به من طموح سياسي مشبع بأيديولوجية عروبية، خصوصاً إبّان الحقبة الصدامية. ورغم ما تتسم به العلاقات البينية الخليجية من خلافات وانقسامات، راحت الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تتنافس فيما بينها على كسب ودّ الولايات المتحدة، وطلب حمايتها، وإبداء الاستعداد لتقديم كل ما يلزم من تسهيلات لاستضافة القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها، ما أتاح أمام الولايات المتحدة فرصة ثمينة لابتزازهم جميعاً، ويفسر في الوقت نفسه عمق المأزق الذي تعيشه هذه الدول في المرحلة الحالية، خصوصاً عقب شنّ كل من الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مشتركة ومنسّقة على إيران.

من مصلحة جميع دول مجلس التعاون الخليجي أن تلقي بثقلها كله وراء التوصل إلى تسوية سياسية لا يمكن إلّا أن تصبّ لمصلحة إيران في نهاية المطاف

يصعب إنكار أنّ بعض دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً ممن يرون إيران تهديداً لأمنهم الوطني، كانت تأمل في حرب خاطفة تنتهي بسقوط النظام الإيراني. وعندما تبين أن الأخير قادر ليس على الصمود فحسب، وإنما أيضاً على الرد بضرب القواعد العسكرية الأميركية الموجودة على أراضيها، بدأت تشعر بوطأة المأزق الذي تورّطت فيه، فلا هي قادرة على تحييد هذه القواعد ومنعها من المشاركة في الحرب على إيران، مهما كانت محدوديتها، ولا هي قادرة، في الوقت نفسه، على الهجوم على إيران وتبادل الضربات معها، وإلّا أصبحت طرفاً مشاركاً مع إسرائيل والولايات المتحدة في حربهما العدوانية على إيران، وهو مشهد يصعب تبريره. وبالتالي؛ لم يكن أمامها سوى صمتٍ حمل، في حد ذاته، رسالة بليغة، مفادها أنّ وجود القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها لن يوفر لها الحماية التي تنشدها، ولن يجعلها تشعر بالطمأنينة التي تتمناها، بل قد يكون، في حد ذاته، سبباً في تعريضها للأذى، ما يعني وصول مجلس التعاون الخليجي إلى مفترق طرق يدفعه إلى إدراك أن السياسات التي كان ينتهجها قبل الحرب على إيران لم تعد صالحة للاستمرار بعدها، ومن ثم عليه أن يبحث عن سياسات بديلة.

ستنتهي الحرب على إيران عاجلاً أو آجلاً. صحيح أنه يصعب التكهن بالطريقة التي ستنتهي بها، لكن المسار الذي سلكته يفصح عن حقيقتَين لا سبيل لإنكارهما: الأولى: أن النظام الإيراني بات يدرك بوضوح تام أنه يخوض حرباً وجودية، وبالتالي ليس أمامه من خيار آخر سوى مواصلة الدفاع عن نفسه حتّى النهاية، مهما كلفه الصمود في الميدان من تضحيات. والثانية: أنه لن يسقط إلّا باحتلال إيران عسكرياً، وهو أمر يتجاوز قدرة الولايات المتحدة، ما يعني أنه سيظل قادراً على تهديد الملاحة في مضيق هرمز في أي وقت يشاء، حتى لو دمّرت معظم قدراته العسكرية عبر الغارات الجوية والهجمات الصاروخية. لذا من مصلحة جميع دول مجلس التعاون الخليجي أن تلقي بثقلها كله وراء التوصل إلى تسوية سياسية لا يمكن إلّا أن تصبّ لمصلحة إيران في نهاية المطاف، وإلّا ستكون الطرف الأكثر تضرّراً من إطالة زمن المواجهة. لكن الشي الأهم أن تحاول استخلاص الدروس المستفادة مما جرى في العقود الخمس الماضية، لانتهاج سياسة مختلفة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، تكون أكثر حكمة وأقدر على تحقيق المصلحة لشعوبها أولاً، والتي نعتقد أنها ترتبط عضوياً بمصالح الأمتَين العربية والإسلامية في الوقت نفسه.

رغم ما تتسم به العلاقات البينية الخليجية من خلافات وانقسامات، راحت الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تتنافس فيما بينها على كسب ودّ الولايات المتحدة

ينبغي أن تعتمد سياسة مجلس التعاون الخليجي في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب على إيران على مجموعة من المبادئ الأساسية، أهمها: استقلال القرار والاعتماد على الذات، ورفض الانضمام إلى الأحلاف أو استضافة القواعد العسكرية على الأراضي الخليجية، وأن ترتكز على ثلاث دوائر متكاملة؛ الأولى: خليجية، تقتصر على الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، مع اعتماد سياسة جوار خاصة لربط اليمن والعراق عضوياً بهذه الدائرة (ولو تطلب الأمر استحداث نمط جديد من العضوية)، وتعتمد على آليات التكامل الاقتصادي، من خلال خطة زمنية محدّدة تتدرّج من بناء الاتحاد الجمركي إلى إقامة السوق الموحدة إلى صكّ العملة الواحدة.

والثانية: عربية، تضمّ، بالإضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي والعراق واليمن، جميع الدول العربية المجاورة للكيان الصهيوني، كمصر وسورية ولبنان والأردن وفلسطين، وتعتمد في أنشطتها على إقامة مشروعات مشتركة لبناء سياسة دفاعية تتصدّى للمخطط الصهيوني، بكل ما يتطلبه هذا من إقامة صناعات عسكرية لمدّ الجيوش العربية بما تحتاجه من نظم تسليحية متطورة، مع السعي إلى بناء برنامج نووي مشترك للاستفادة من الطاقة الذرية في الأغراض السلمية، خصوصاً ما يتعلق منها بالمجالات الزراعية والطبية والدوائية.

والثالثة: إسلامية، تضمّ، بالإضافة إلى الدول المشاركة في الدائرتَين الأولى والثانية، إيران وتركيا وباكستان، للاتفاق على أنظمة أمن إقليمية تضمن عدم تدخل القوى الكبرى في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، والتأكد من خلوها من أيّ قواعد عسكرية أجنبية، وضمان حرية الملاحة في مضيقَي هرمز وباب المندب، وانسياب سلاسل التوريد عبر البحار المتاخمة للدول العربية والإسلامية، خصوصاً بحر العرب والبحر الأحمر.

قد تبدو هذه الأفكار مثالية أو حالمة، غير أن المنطقة تواجه تحديات كبرى تستدعي البحث عن أفكار من خارج الصندوق.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى