
جاء تقرير منظمة “بتسيلم”، الصادر في 14 سبتمبر/ أيلول الجاري عن “مشروع المحو” الذي تنفّذه إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة، ليؤكد ما بات معروفاً على نطاق واسع: خطر تهجير فلسطينيي الضفة صار أقرب من أي وقت مضى. وتلقي هذه المخاوف القديمة المتجددة بثقلها على عمّان؛ فالمملكة، التي يرى فيها اليمين الإسرائيلي وجهةً أساسية للتهجير، تنوء أصلاً بتداعيات استراتيجية ترامب التائهة والمربكة في الحرب على إيران وما جلبته من متاعب جمّة على اقتصادها المنهك، إلى جانب ضغوط خارجية متزايدة لدفعها إلى الانخراط في مخطط التهجير.
وقد فصّل التقرير الاستراتيجية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية بثبات وبوتيرة متسارعة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، القائمة أساساً على العنف وبثّ الرعب عبر هجمات المستوطنين التي يوفر لها جيش الاحتلال الحماية، وتقييد الحركة بين المدن الفلسطينية بالحواجز وحظر التجول، والخنق الاقتصادي، والتدمير السياسي والاجتماعي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيّز. وبفعل هذه السياسة، وضعت إسرائيل يدها على أكثر من 1.07 مليون دونم، أي نحو 18% من مساحة الضفة، وهجّرت 64 تجمعاً فلسطينيّاً بالكامل، فضلاً عن السيطرة على عشرات آلاف الدونمات الزراعية الحيوية لمعيشة الفلسطينيين. وتجري هذه السياسة بالتوازي مع خطة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، المعروفة بـ”خطة الحسم”، التي نشرها عام 2017، وتهدف إلى وأد أي فرصة لحل الدولتين وإحكام السيطرة على الضفة، عبر القمع العسكري الشامل ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة.
لطالما حمل اليمين الإسرائيلي رؤية مفادها بأن الأردن هو “الوطن البديل” للفلسطينيين، وأن حل “المشكلة الديمغرافية” الفلسطينية سيكون على حساب الأردن. وفي سبيل ذلك، انتهجت إسرائيل مساراً عملياً لإعادة هندسة الديمغرافيا والجغرافيا في الضفة، وتكريس دولة تقوم على “النقاء العرقي اليهودي”، بما ينسجم مع منطق قانون القومية اليهودية.
خطر تهجير فلسطينيي الضفة صار أقرب من أي وقت مضى
ولا تقتصر المخاطر على ما تفعله إسرائيل في الضفة وما ارتكبته في غزّة من إبادة جماعية؛ فالتغيّر الأهم بالنسبة إلى الأردن تبنّي الائتلاف الحاكم في إسرائيل، واليمين عموماً، نظرةً مختلفة إلى عمّان، تعكس تحولاً جوهرياً في تفكير نخب دولة الاحتلال. وتتلخص هذه الرؤية في أن الأردن لم تعد له، في تلك الحسابات، الأهمية الاستراتيجية نفسها التي دفعت تل أبيب طويلاً إلى الاعتقاد بأن “استقرار المملكة ضمانة للأمن على امتداد الحدود البرية المشتركة”. وهذه القناعة، التي رسّختها النخب التقليدية والمؤسستان الأمنية والعسكرية عقوداً، تتغير اليوم جذريّاً. وتدعو كتابات معهد القدس للاستراتيجية والأمن، وهو مركز أبحاث قريب من اليمين، إلى الانتقال من أمن يعتمد أساساً على الترتيبات مع عمّان إلى أمن يستند إلى قدرات إسرائيلية مستقلة وسيطرة مباشرة على المجال الحدودي. وينادي إفرايم عنبار، الرئيس السابق للمعهد، منذ سنوات بإحياء خطة ألون، ويرى أن معاهدة السلام مع الأردن لا تكفي لضمان أمن الحدود الشرقية، زاعماً إن خطر “الإسلام الراديكالي” قائم ويشكّل تهديداً حقيقيّاً. ومن هنا يدعو عنبار إلى تنفيذ خطة ألون بضم غور الأردن وفرض السيطرة عليه، بما يمكّن إسرائيل من إحكام قبضتها على الممرات الجبلية والحدود الشرقية، وتوفير حاجز جغرافي يحدّ من احتمال أي اختراق أو هجوم مستقبلي من الشرق.
وليست هذه القراءة معزولة، بل تعبّر عن تيار الضم والاستيطان في الضفة، التي يسمّيها أنصاره “يهودا والسامرة”، ويرى أن التغيرات الجيوسياسية منذ 7 أكتوبر (2023) تصبّ في مصلحة تنفيذ مشاريع الهيمنة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة وتوسيع نفوذها في الإقليم، فبحسابات هذا التيار المتشدّد، ضعفَ حلفاء إيران، من حزب الله إلى نظام بشّار الأسد الذي انهار. أما إيران نفسها، فحتى لو خرجت من الحرب بنتيجة تعدّها جيدة، ستكون أضعفَ ومنشغلةً بخسائرها. كذلك مكّنت الاتفاقيات الإبراهيمية إسرائيل من توسيع تحالفاتها مع أطراف عربية أكثر ثراءً من الأردن.
تحالف الأردن مع واشنطن لا يمنحها الضمانات الكافية لردع تل أبيب، لكنه حيوي لاقتصادها في الوقت نفسه
إنها عقيدة جديدة هدفها الهيمنة والمنع الاستباقي؛ فلم تعد المعاهدات واتفاقيات السلام كافية لاستبعاد التهديد العسكري من الحسابات الأمنية، بل باتت إسرائيل تتعامل مع الدول التي وقّعت معها اتفاقيات سلام، ولا سيما مصر والأردن، بوصفها خطراً كامناً بسبب مخاطر مزعومة ومتخيلة في معظمها. وهي مقاربة ترسّخت في أوساط النخبة الإسرائيلية، وتقوم على ما يسميها أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، ناثان براون، استراتيجية “المنع الدائم” (permanent prevention)، من خلال العمل العسكري الوقائي لمنع الخصوم من إعادة بناء قدراتهم، ضمن عقيدة أوسع قوامها الهيمنة الدائمة والحروب المتكرّرة.
ولم تعد هذه الدراسات والخطط مجرّد تصورات نظرية أو أوراق بحثية تُعرض على صانعي القرار الإسرائيليين بوصفها خيارات متاحة في سيناريوهات التصعيد، بل تحوّلت إلى سياسات عملية تتبناها إسرائيل، ولا سيما مع تصاعد نفوذ المستوطنين والمتشددين في مركز القرار. وتُظهر تحولات السياسة الإسرائيلية وديناميكيات القوى الداخلية أن اليمين المتشدد يتغلغل في مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار ويزداد نفوذاً. وترجمة الدعوة إلى ضم غور الأردن على الأرض تعني وجوداً عسكريّاً إسرائيليّاً أكبر مما هو قائم حالياً على الحدود، وما ينطوي عليه هذا من إعادة تموضع عسكري ذي آثار استراتيجية بعيدة المدى، ترفع فاتورة الأمن والتسليح على الأردن وتزيد استنزاف موازنته المرهقة.
في ضوء ما سبق، ما خيارات الأردن؟ لم تعد السياسة التقليدية مجدية في مواجهة النهج الإسرائيلي العدواني؛ فالرهان على الدبلوماسية وعلى واشنطن لترويض إسرائيل ومنعها من المساس بمصالح الأردن الاستراتيجية يبدو غير مضمون في أحسن الأحوال. فلم تُظهر الإدارات الأميركية، وخصوصاً إدارة ترامب، التزاماً جادّاً بحماية المصالح الأردنية والضغط على إسرائيل، على الرغم من التعاون العسكري والأمني والاقتصادي الوثيق مع واشنطن منذ عقود. ولم تتردّد إدارة ترامب في ترديد دعوات التهجير علناً وتوجيهها مراراً إلى الأردن وضغوط مماثلة في القنوات المغلقة. وقد سبق هذا ورافقه إضعاف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ودعم الاستيطان، والاعتراف بـ”السيادة الإسرائيلية” على الجولان، ودعم حرب الإبادة في غزّة والاعتداءات المستمرّة على الأراضي السورية واللبنانية. وهذا السياق، الزاخر بسياسات أميركية لا تكترث كثيراً بما تراه عمّان خطراً وجوديّاً، لا يوحي بأن السياسة الأردنية التقليدية ستكون ناجعة في التعامل مع تحولات موازين القوى داخل الولايات المتحدة وإسرائيل.
يملك الأردن بنية تحتية عسكرية وخبرة سابقة في التعاون مع جهات دولية فاعلة في الصناعات الدفاعية
أمام عمّان خيارات صعبة؛ فتحالفها مع واشنطن لا يمنحها الضمانات الكافية لردع تل أبيب، لكنه حيوي لاقتصادها في الوقت نفسه. وتفرض هذه المعادلة على الأردن انتهاج سياسة تحوّط تقوم على تنويع خياراته، مع إدراك أن واشنطن، وإن كانت شريكاً ضرورياً في منطقة تزخر بالصراعات، تبقى شريكاً متقلباً وغير موثوق. ويقتضي ذلك من عمّان تنويع شراكاتها وتعزيز علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع قوى دولية وإقليمية مختلفة. كذلك إن تعزيز القدرات العسكرية الذاتية ضرورة، ويمكن استخلاص الدروس من الحرب الروسية الأوكرانية والحرب على إيران لتطوير أدوات وتكتيكات عسكرية رخيصة نسبياً، لكنها بالغة الأثر في بناء قدر من الردع. ويملك الأردن بنية تحتية عسكرية وخبرة سابقة في التعاون مع جهات دولية فاعلة في الصناعات الدفاعية؛ ويمكنه تعزيز شراكات قائمة وبناء أخرى جديدة مع دول إقليمية متقدّمة في الصناعات العسكرية الحديثة، وفي مقدمتها تركيا وأوكرانيا، ولا سيما في قطاع المسيّرات المتطورة.
لم تعد المقاربة التقليدية ناجعة في مواجهة التحولات الجوهرية في العقلية الإسرائيلية، وعندما تصبح الحسابات الإسرائيلية مستعدّة لتجاوز كل الخطوط الحمراء من منطلق حسم الصراع لا إدارته، هنا على الأردن تمتين الجبهة الداخلية وتحضيرها لمواجهة الأخطار الوجودية المحتملة، وإحداث تغيير جوهري في الاستراتيجيات الأمنية والعسكرية، والاستعداد لكل السيناريوهات المحتملة وتنويع التحالفات وإصلاح جذري في الاقتصاد لكي يتراجع الوهم والغرور الإسرائيلي بالتوفق المطلق.
المصدر: العربي الجديد






