سورية من التغيير السياسي إلى اختبار المعنى

    عبير نصر

                   

حين صعدت المغنية أصالة نصري إلى خشبة المسرح في دمشق، بعد 15 عاماً من الغياب، لم يكن الأمرُ مجرّد موعد طال انتظاره. خرجت سورية لتوّها من زمنٍ كان الصوت فيه يحتاج شجاعةٍ هائلة كي يُسمع، وفيها امرأة سورية تعود إلى جذورها أخيراً، وجمهور يحتفي بعودتها، فيما وقفت أصواتٌ من التيار السلفي معترضة على الحفل: دعواتٌ لإلغائه ومقاطعته، في مقابل تمسك وزارة الثقافة السورية بإقامته. وبين هذا وذاك، جاءت العبارة التي بدت أوسع بكثير من جملة غنائية بسيطة: (رجعت أصالة عَ الشام)، تحمل شيئاً من فرحٍ غاب طويلاً، ومن حياةٍ لم تستطع سنوات الألم أنْ تطفئها.

لكنّ العودة لم تمرّ هادئة؛ إذ سرعان ما تحوّل الحفل إلى نقطة تماسّ مع أسئلة السوريين الشائكة. فحين تصبح حفلةٌ غنائية ساحةً للشدّ والجذب، لا تعود الموسيقى وحدها موضوع الحكاية، بل تصبح مرآةً لبلد يتغير، تتنافس فيه قوى مختلفة على تعريف ما يجوز وما لا يجوز، وما ينبغي أن يبقى وما آن له أن يعود. ولهذا تبدو الفعالية أكثر من حدثٍ ثقافي عابر؛ إنها مشهد صغير، شديد الكثافة، في لحظة مفصلية تتلمّس فيها البلاد شكلها الجديد.

لا يتعلّق السؤال الذي تفتحه هذه اللحظة بمن تغيّر في أعلى السلطة بقدر ما يتعلّق بما إذا كان هذا التغيير سيجد طريقه إلى أسفل الحياة. وهنا تبدو فكرة الفيلسوف الأميركي جون ديوي عن الديمقراطية لافتة: فهي، في نظره، ليست شكلاً للحكم فحسب، بل نمطاً من العيش المشترك. ولعلّ المفارقة أنّ الديمقراطية، التي ظلّ مصطلحها هامشياً في الخطاب الرسمي للحكم الجديد، غدت من أكثر الأسئلة اليومية إلحاحاً؛ امتحاناً لقدرة السوريين على الانتقال من تغيير من يحكمهم إلى إعادة صياغة الطريقة التي يعيشون بها معاً.

يفتح إلغاء محكمة الإرهاب، بما ينطوي عليه من إبطال مفاعيل أحكامها، صفحة جديدة بعد سنوات من المحاكمات الاستثنائية

ولهذا لم يكن غريباً أن تتجاور خلال أيام قليلة أخبارٌ تبدو غير متصلة: مجلس الشعب يلغي محكمة الإرهاب المُحدَثة عام 2012؛ وفي القاعة نفسها يُثير مقترح إعادة عقوبة الضرب في المدارس جدلاً واسعاً؛ فيما يخرج الشارع محتجاً على رفع أسعار المحروقات، ويعود في الشمال الشرقي الجدل حول موقع اللغة الكردية في التعليم. كأنّ البلاد تختبر، في تفاصيل متفرقة، ما إذا كان التغيير السياسي قادراً على الانتقال من شكل السلطة إلى شكل الحياة؛ إلى حياة يُصان فيها الإنسان من أن يُختزل في رأي أو هوية، ويظلّ فيها للآخر مكانه، حتّى حين لا يشبهه.

قضائياً، يفتح إلغاء محكمة الإرهاب، بما ينطوي عليه من إبطال مفاعيل أحكامها، صفحة جديدة بعد سنوات من المحاكمات الاستثنائية. لكن طيّ صفحة الماضي لا يكتمل بإغلاق مؤسسة؛ بل بأن يصبح القانون، حقاً، المرجع، لا الخوف.

وفي البرلمان، اتخذ النقاش حول المدرسة مسألة أسلوب التربية. الدعوة إلى ضرب الطلاب مقابل تأكيد وزارة التربية منع العنف، والمداخلات التي تحدثت عن “تأنيث التعليم”، كشفت عن خلاف أعمق يتمحور حول حضور المرأة في المدرسة بوصفه عبئاً ينبغي تقليصه. فالسؤال لم يعد فقط كيف نعلّم، بل أيّ علاقة نريد أن تنشأ بين من يملك السلطة ومن يتشكّل وعيه في ظلّها. ولا تنحصر هذه التوترات في البرلمان. فالمجتمع السوري، الذي يعيد تشكيل نفسه بعد سنوات الحرب، يضم تيارات دينية محافظة، وأصواتاً مدنية، ونخباً سياسية واقتصادية صاعدة، ومصالح واتجاهات متباينة. وبينها يجري التفاوض، وأحياناً التصادم، حول حدود المجال العام، فيما تتوالد أسئلة لم تُحسم بعد حول حدود العيش المشترك وما يمكن أن يحتمله من تباين.

التشافي الحقيقي ليس أن تخرج البلاد من الحرب فقط، بل أن تخرج الحرب من حياة الناس

وهنا تعود أصالة إلى المشهد، لا بوصفها مغنيةً شهيرة، بل بوصفها صوتاً يكشف هشاشة المسافة بين شرعية الاختلاف ووصاية الخلاف. ليس مطلوباً أن يحبها الجميع أو أن يوافقوا عليها حتّى؛ يكفي ألا تصبح القناعة الشخصية ذريعةً لمصادرة مساحة الآخرين. وأن يبقى الاختلاف في مكانه الطبيعي، فالفضاء الاجتماعي لا يزدهر إلا حين تجد الرؤى المختلفة مكاناً لها تحت سماء واحدة؛ أن يبقى التعدد فسحةً لا متراساً، وحقاً للجميع لا سلطةً على سواهم.

ومن دمشق إلى الشمال الشرقي، يتغير الصوت ولا تتغير بحّة القهر. فمع عودة مؤسّسات الدولة إلى المنطقة، يعود الجدل حول اللغة الكردية في المدارس وحدود حضورها داخل نظام تعليمي مركزي. الدولة تحتاج إلى وحدتها، لكن الوحدة لا تُبنى حين يُطلب من أحد أن يترك جزءاً من صوته عند الباب. فالوطن الذي يتسع لاختلاف أبنائه لا يحتاج إلى إسكاتهم كي يسمع نفسه.

على المقلب الآخر، لم يحتج الشارع إلى كثير من الاستفزاز كي يقول كلمته. يكفي أن يرتفع سعر المازوت 40%، والبنزين والغاز بنسب متفاوتة، حتّى تخرج الاحتجاجات في مناطق سورية عدّة. لم تُقرأ الزيادة رقماً جديداً على قائمة الأسعار، بل بوصفها مسافة إضافية بين الناس وحياة يستطيعون تحمّلها، ليصبح الحديث عن التعافي أقل تجريداً. فالاقتصاد، في نهاية المطاف، لا يُقرأ في جداول الموازنات وحدها، بل في قدرة الناس على تأمين احتياجاتهم، وفي شعورهم بأن معيشتهم تمضي نحو قدرٍ أكبر من الكرامة والاستقرار. عند هذه النقطة تلتقي السياسة بلقمة العيش من دون استجرار خطب طويلة. فالناس لا يعيشون داخل المفاهيم الكبرى؛ يعيشون داخل فاتورة، وطريق، ومدرسة، ومستشفى، ومحطة وقود.

سورية اليوم لا تختبر قدرتها على بناء دولة فحسب، بل قدرتها على جعل احترام الإنسان عصب الحياة العامة

والجليّ أنّ التشافي الحقيقي ليس أن تخرج البلاد من الحرب فقط، بل أن تخرج الحرب من حياة الناس؛ وحين يصبح الإصلاح عبئاً جديداً على من حملوا أصلاً أثقال سنوات قاسية، يصبح السؤال الاقتصادي شيئاً آخر: من يدفع ثمن الانتقال إلى المرحلة الجديدة؟ فالتغيير لا يكتمل بمجرّد تبدّل السلطة، ولا بإغلاق مؤسسات الماضي، ولا بفتح أبواب كانت موصدة، بل بأن يتحول الانتقال إلى وعدٍ بحياةٍ أرحب، لا ستاراً لأعباء قديمة.

ما يجري في سورية حالياً يتجاوز صراع الاتجاهات السياسية والاجتماعية على النفوذ؛ إنه شدّ على معنى الحياة نفسها. إذ لطالما ظهرت في ظلّ الحكم الجديد تساؤلات تبدو صغيرة، لكنها ليست كذلك أبداً: فصلٌ بين الذكور والإناث في بعض الحافلات والمدارس والمسابح والمحاكم، وتعليماتٌ تتصل بلباس النساء، ومظاهرات تدعو إلى تحريم المشروبات الكحولية بوصفها “أم الخبائث”، وملاحقة المفطرين، وليس نهاية بمنع الماكياج وتكسير الآلات الموسيقية…، بالتوازي مع أشكالٍ أكثر خطورة من التضييق، حين صار الاختلاف الطائفي شبهةً تفتح باب العنف والإقصاء. تبدو هذه الوقائع متباعدة، لكنها تلتقي عند خيط واحد: فرض الوصاية.

نافلة القول، تكتسب عودة أصالة نصري معناها الأعمق: التعافي لا تصنعه السياسة وحدها؛ للفنّ والموسيقى والفرح والجمال مكان فيه، وللسوري حقّ في أن يعيش ويختلف ويُحترم من دون أن ينتقل من هيمنة إلى أخرى. فسورية اليوم لا تختبر قدرتها على بناء دولة فحسب، بل قدرتها على جعل احترام الإنسان عصب الحياة العامة. والمسألة لا تتصل بتبدّل شكل السلطة وحده، بل بما تفتحه المرحلة من أفقٍ للمواطنة؛ وطنٌ لا يضيّق على أبنائه، بل يترك لهم متسعاً ليكونوا أنفسهم، ويمنحهم الحياة التي تليق بهم.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى