الوضع الحالي بالجزيرة السورية بعد اتفاقيات قسد مع الحكومة السورية

  أحمد طه

استضاف ملتقى العروبيين السوريين الناشط والسياسي الكردي المعروف الاستاذ علي تمي في ندوة سياسية حول الوضع الحالي بالجزيرة السورية بعد اتفاقيات قسد مع الحكومة السورية

تناولت الندوة بأسلوب تحليلي عميق قراءة استراتيجية ومعلوماتية لآخر التحولات الميدانية والسياسية في سوريا عقب انتهاء معركة “ردع العدوان” وأبعاد تفكيك مشروع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والاستراتيجيات الجديدة المتبعة للتعامل مع “حزب العمال الكردستاني”، إضافة إلى قراءة تاريخية لجذور الانقسام الكردي، والتحولات الجيوسياسية الإقليمية ودور تحالف “حيتان السنة” في إعادة رسم خريطة المنطق.

زلزال “رد العدوان” وانهيار المشاريع العابرة للحدود

أحدثت معركة رد العدوان مفاجأة استراتيجية كبرى لكبرى القوى الدولية والإقليمية وفي مقدمتها واشنطن وتل أبيب وموسكو، حيث أدرك الروس حتمية سقوط النظام المخلوع عقب وصول المعارك إلى ضواحي حماة واستهداف جسر الرستن، بينما شكلت عملية حلب ضربة قاضية للنظام وللميليشيات الإيرانية.

وعقب تحرير دمشق، حاولت أطراف دولية وإقليمية الانتقام عبر مسارين:

  • المسار الأول: محاولة انقلاب مبرمجة تقودها روسيا وإيران انطلاقاً من الساحل السوري، إلا أن هذا المشروع فشل في مهده.
  • المسار الثاني: دخل الإسرائيليون بالتنسيق مع الأمريكان عبر فتح خطوط مع قيادات “قسد” وعقد لقاءات في تل أبيب والكنيست لتأسيس ما يسمى ممر داوود الممتد من السويداء ودرعا وصولاً إلى دير الزور والحدود العراقية.

وبحسب رأي الاستاذ تمي أدركت دمشق أبعاد هذا المخطط الذي يستهدف وحدة البلاد، وتعاملت مع رفض “قسد” الالتزام باتفاق 10 آذار. وبدأت العمليات العسكرية الميدانية من حيي “الشيخ مقصود” و”الأشرفية” في حلب،  ثم تمدد الجيش السوري شرقاً نحو دير حافر، مما دفع الجانب الأمريكي للتدخل عبر دوريات عند سد تشرين لطلب وقف الزحف.

ورغم إعلان هدنة لمدة 24 ساعة في دير حافر، تحركت العشائر العربية بشكل منظم في الطبقة والرقة ودير الزور، لتخرج الأمور عن السيطرة الميدانية لـ “قسد”. وصرح وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” بأن الرئيس ترامب اتصل مرتين بالرئيس أحمد الشرع لوقف الحرب، إلا أن الشرع أكد أن الشارع والعشائر لم يعودوا يقبلون بوجود “قسد”، لتصل القوات الوطنية إلى ضواحي الحسكة وقامشلي.

وأدى هذا التمدد إلى إدراك الأمريكان صعوبة التصادم مع القيادة السورية وحلفائها الإقليميين (الأتراك والسعوديين)، فقرروا الانسحاب وإقرار الأمر الواقع وتفكيك قواعدهم البالغ عددها 12 قاعدة داخل سوريا.

تفكيك “قسد” والتأطير القانوني لمواجهة حزب العمال الكردستاني

شكل إعلان قائد “قسد” مظلوم عبدي حل قواته وإنهاء دور “الإدارة الذاتية” تحولاً فارقاً فرضته المعطيات الميدانية وسحب الدعم الخارجي الفرنسي والأمريكي والإسرائيلي. وأوضح علي تمي أن قرار حل “قسد” ودماج قياداتها في مؤسسات الدولة يحمل أبعاداً سياسية لسحب الورقة من أيدي القوى الخارجية، وإرسال رسالة مفادها أن هؤلاء أصبحوا جزءاً من الدولة السورية.

وبناءً على هذا التحول، سينتقل الصراع القادم في الحسكة والقامشلي ليصنف قانونياً ضد حزب العمال الكردستاني أو الخارجين عن القانون. وبما أن هذا التنظيم مصنف على قوائم الإرهاب الأمريكية والأوروبية، فإن تدخل الجيش السوري لإخراجه يعتبر تدخلاً مشروعاً دولياً.

وتتبع القيادة السورية استراتيجية الاجثاث الجذري لـ “حزب العمال الكردستاني” بدلاً من الاكتفاء بهزيمته العسكرية. وتستند هذه الاستراتيجية على نبذ المجتمع الكردي نفسه للتنظيم بسبب انتهاكاته من خطف واعتقال وتجويع وفرض إتاوات، على غرار ما حدث مع “تنظيم الدولة” في المناطق السنية، لتأتي بعد ذلك مرحلة الحسم العسكري. كما أشار تمي إلى أن الحسم النهائي لهذا الملف لا يتقرر في القامشلي أو الحسكة، بل مرجعيته الأساسية في إمرالي.

الكرد و الثورة السورية

عمل نظام حافظ الأسد على برمجة غالبية الأحزاب الكردية أمنياً، واضعاً لها خطوطاً حمراء صارمة: ممنوع التواصل مع الخارج، وممنوع منعاً باتاً الاحتكاك أو التقارب مع المجتمع العربي.

على مر تاريخ الثورة السورية ، فشلت المحاولات الوطنية الكردية كمشروع الشهيد مشعل تمو الذي حاول كسر الجدار الوطني والتكامل مع الثورة السورية. في المقابل.

كما كشف علي تمي عن المخطط الإيراني الذي كان يستهدف إنشاء الهلال الإيراني الممتد من السليمانية إلى القامشلي وعفرين وصولاً إلى البحر المتوسط لتأمين منفذ بحري، وهو ما دفع تركيا للتدخل العسكري في عمليات جرابلس وعفرين ورأس العين وتل أبيض لإحداث جدار عازل بين الأكراد والإيرانيين.

المرسوم رقم 13 وضرورة بناء تيار كردي وطني

أكد السيد تمي أن الرئيس أحمد الشرع قدم عبر المرسوم رقم 13 تلبية الكثير من مطالب الشعب الكردي التاريخية حتى ان ما جاء في المرسوم تجاوز بعض ما طالبت به بعض الأحزاب الكردية

وبناء على المرسوم تم تجنيس أكثر من 10 آلاف مواطن كردي كانوا محرومين من الجنسية وتم الاعتراف باللغة الكردية وتدريسها في المناطق ذات الأغلبية الكردية كما تم الاعتراف بالخصوصية الثقافية والسياسية للكرد ضمن إطار المواطنة.

ورغم هذه المكتسبات التاريخية، استمر احتقان الشارع الكردي نتيجة الضغوطات والتمويلات الطائلة التي تضخها أربيل وقنديل والسليمانية لإبقاء المجتمع الكردي رهينة لأجندات خارجية تتجاوز الحقوق إلى طرح الاستقلال الذاتي والفدرالية.

ولمعالجة هذا الفراغ السياسي، كشف علي تمي عن وجود مبادرة تضم نحو 70 إلى 80 شخصية كردية وطنية تسعى لتأسيس حركة أو حزب سياسي كردي وطني يعمل كصلة وصل بين المجتمعين الكردي والعربي، وشدد على أن ترك المجتمع الكردي للفوضى السياسية بين قنديل وأربيل سينعكس سلباً على الأمن والاقتصاد والسمعة الوطنية، مما يتطلب من النخب السورية والحكومة دعماً حقيقياً لتمكين هذا التيار الوطني ليكون صمام أمان لاستقرار سورية.

استراتيجية “الاختراق الناعم” ورهانات “قسد” المستقبلية

حذر السيد تمي من التحول الجديد في تكتيكات “قسد” عقب تجريدها من السلاح الثقيل، حيث انتقلت من “القوة الخشنة” إلى استراتيجية “القوة الناعمة” أو “الاختراق الناعم.

وتمثل هذا التحول في:

  • نقل المؤسسات الميدانية والجناح المدني لـ “قسد” للتمركز في العاصمة دمشق وإنشاء مكاتب هناك.
  • التغلغل في مؤسسات المجتمع المدني والعمل الحزبي والإداري المحلي لاستثمار الإمكانيات المالية الضخمة والخبرات التي كسبوها من التعامل مع الاستخبارات الدولية.
  • الرهان على عامل الوقت واستغلال الأزمات الاقتصادية والبطالة لتجييش الشارع ضد الحكومة الجديدة.
  • انتظام عناصرها كخلايا نائمة قادرة على إعادة التجمع، بانتظار عام 2028  أملاً في تغير الإدارة الأمريكية وخسارة ترامب للانتخابات لعودة الدعم الدولي.

المشهد الإقليمي وتحالف “حيتان السنة

ربط علي تمي الملف السوري بالتغيرات الجيوسياسية الكبرى في الشرق الأوسط، موضحاً أن واشنطن وتل أبيب انتقلتا من الخطة أ إلى الخطة ب في مواجهتهما الشاملة مع إيران.

الخطة (أ): كانت تعتمد على تسليح الجماعات الكردية للقيام باجتياح بري وانقلاب داخلي ضد النظام الإيراني بالتوازي مع الضربات الجوية، إلا أن هذه الخطة فشلت بسبب تخوف الأكراد من هجوم 50 ألف مسلح من الحشد الشعبي والميليشيات العراقية على الإقليم من الخاصرة

الخطة (ب): الاعتماد المباشر على دول حيتان السنة؛ وهو تحالف إقليمي ضخم يضم (السعودية، باكستان، تركيا) ويمكن أن يمتد الى قطر، ومصر يمثل قوة ديمغرافية وعسكرية واقتصادية هائلة في مواجهة إيران والصين ، مقابل مشاركة هذه الدول السنية في تغيير المعادلة مع إيران

والقضاء الكامل على جميع الميليشيات العابرة للحدود في المنطقة (الحوثيون، الميليشيات العراقية، حزب الله، وحزب العمال الكردستاني/قسد)

خاتمة

أجمع الحضور في الندوة على أن المرحلة الراهنة تشكل فرصة تاريخية لإعادة بناء دولة المواطنة الجامعة في سوريا، بعيداً عن أوهام المشاريع الانفصالية أو الميليشياوية العابرة للحدود، وإن إنهاء ملف “قسد” عسكرياً لا يكفي وحده ما لم يرافقه جهد فكري وسياسي لتفكيك الثقافة التي زرعها التنظيم، ودعم التيارات الكردية الوطنية التي ترى في دمشق المستقرة والمنتخبة الضمانة الوحيدة والجامعة لكل المكونات السورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى