
تلقّى نتنياهو والمنظومة الصهيونية الحاكمة في أسبوع واحد ثلاث صفعات مدوية، من دون أن تأتي أي منها من جهات فلسطينية أو عربية أو إسلامية. الأولى قرار الحكومة البريطانية فرض مقاطعة شاملة على بضائع المستعمرات الاستيطانية، وعلى من يتعامل معها، وترافقت مع تصريحاتٍ غير مسبوقة لوزير الخارجية البريطاني، إد مليباند، قال فيها إنّ ما تمارسه إسرائيل في قطاع غزّة وصمة على ضمير العالم وضمير بريطانيا، وتحمل صفات جرائم الحرب، وإنّ ما يمارسه الإرهابيون المستوطنون في الضفة الغربية، تطهير عرقي. وأعلن مواصلة تعليق جزئي لـ30 ترخيصاً للأسلحة المستخدمة من الجيش الإسرائيلي، ودعم قرار محكمة العدل العليا الذي أكد عدم شرعية الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي.
جاءت الصفعة الثانية من منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتسيلم التي أصدرت تقريراً مفصلاً يصف السياسة الإسرائيلية بأنها موجّهة “لمحو وجود الشعب الفلسطيني”، من خلال تحطيم وتفكيك منهجيَّين لمقوّمات استمرار الحياة الفلسطينية الجماعية بهدف إلغاء الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية.
ووصف التقرير، على نحوٍ منهجي موثق، العمليات الإجرامية الجارية من عنف الجيش، وإرهاب المستوطنين والاعتقالات والتهجير وهدم المنازل والبنية التحتية ومصادرة الأراضي إلى آخر القيود المفروضة على الفلسطينيين. وسبق ذلك تقرير للمؤسسة نفسها أثبت حدوث الإبادة الجماعية في قطاع غزّة.
اللطمة الثالثة جاءت أيضاً من الجانب الإسرائيلي؛ إذ فاز فيلم “نازا” الوثائقي بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية، وقد وثق شهادات 24 من الضباط والجنود الإسرائيليين اعترفوا بارتكاب جرائم حرب في غزّة، بأوامر من قادتهم، عبر عمليات القصف التي استهدفت منهجياً المدنيين، واستعانت بالذكاء الاصطناعي لإيقاع أكبر عدد من الإصابات.
تبقى الإجراءات البريطانية التي انضمت لها 11 دولة، بما فيها كندا وفرنسا، غير كافية، ولن يكون تأثيرها كبيراً إن لم تتبعها عقوبات وإجراءات مقاطعة ضد إسرائيل وحكومتها نفسها، ولكنها تمثل نقطة تحوّل في اتجاه لن تستطيع إسرائيل إعادته إلى الوراء. وهي جاءت نتيجة التحول الكبير في مواقف الشعوب وحركات التضامن التي ستواصل ضغوطها على الحكومات لاتخاذ مزيد من الاجراءات.
لم تعد هناك حاجة لإثبات وقوع كبرى جرائم الحرب من الإبادة الجماعية إلى التطهير العرقي على يد الحكومة الإسرائيلية، فالإثباتات تأتي من جيشها ومؤسّساتها تباعا
أما ردة فعل رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو بأنه سيسحب الجنسية الإسرائيلية من مخرجَي “نازا”، ويصدر قانوناً يحرم “التشهير” بالجيش الإسرائيلي، فقد كشفت مدى تعاظم الفاشية في إسرائيل التي بدأت تكرّر جرائم الديكتاتوريات بقمع حرية الرأي والتعبير والتفكير، وتحاصر الإبداع ما دام فاضحاً الجرائم الإسرائيلية، وتلتهم المجتمع الإسرائيلي من الداخل، وذلك دليل ضعف وليس دليل قوة.
لا حدود لمستوى البطش والاستباحة التي تمارسها إسرائيل ضدّ الشعب الفلسطيني، الذي تُرك من دون حماية، ومن دون تطبيق للقانون الدولي وقرارات المحكمة الدولية. ومع هذا فشل المخطط الإسرائيلي في تحقيق أهدافه بسبب بطولة الصمود الفلسطيني الباسل في قطاع غزّة والضفة الغربية بما فيها القدس، والداخل الفلسطيني.
وبدل أن يرحل الفلسطينيون، هرب ما يزيد عن ربع مليون إسرائيلي خلال السنوات الثلاث الماضية من إسرائيل لأنهم لم يعودوا قادرين على التعايش مع الفاشية الصاعدة، بمن فيهم أكثر من 1370 طبيباً وآلاف المستثمرين في قطاع تكنولوجيا المعلومات والفنانين والمثقفين. ولم تعد هناك حاجة لإثبات وقوع كبرى جرائم الحرب من الإبادة الجماعية إلى التطهير العرقي على يد الحكومة الإسرائيلية، فالإثباتات تأتي من جيشها ومؤسّساتها تباعاً.
لن تهزم الفاشية نفسها، بل تُهزم بالإرادة والتضحيات والكفاح المنظم لكلّ الذين تظلمهم
المطلوب تحويل الوعي بتلك الجرائم إلى إجراءات عقابية فعالة من مقاطعة إلى سحب للاستثمارات إلى فرض العقوبات على المنظومة الإسرائيلية الحاكمة نفسها. ويقف التحدّي هنا أمام الدول العربية والإسلامية، والتي ستُحدث تأثيراً هائلاً إن ألقت بثقلها ودعمت حملة فرض المقاطعة والعقوبات وقطعت علاقاتها بحكومة تمارس الإرهاب الاستيطاني والإبادة والتطهير العرقي، من دون أن تكتفي بالبيانات التي لا تؤثر في إسرائيل ولا تعني لها شيئاً. وليس مفهوماً، بالطبع، توسيع بعض الدول علاقاتها التطبيعية مع إسرائيل، بالتوازي مع الإجراءات العقابية الأوروبية ضد المستوطنات؟
لا يمكن التقليل من المخاطر الوجودية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، ومنها خطر تكرار نكبة 1948 بصورة أوسع. وذلك يؤكد أن المهمة الفلسطينية الأولى اليوم هي الصمود والبقاء في فلسطين، وإفشال مؤامرة التطهير العرقي. وتحقيق هذا يتطلب توحيد طاقات الشعب الفلسطيني أينما كان وجوده نحو ذلك الهدف، وإقامة قيادة وطنية موحدة تتجاوز الانقسامات والعقبات والاتفاقات الجائرة، وتتبنّى استراتيجية وطنية مقاومة للمخاطر الوجودية، وتكون قادرة على استنهاض التضامن العالمي والعربي والإسلامي بكل الوسائل.
لا يمكن للفاشية أن تنتصر، ولكنّها كما يعلمنا التاريخ لن تهزم نفسها، بل تُهزم بالإرادة والتضحيات والكفاح المنظم لكلّ الذين تظلمهم.
المصدر: العربي الجديد






