حكايات قريتنا – الكتاب الثاني – الجزء العاشر

    د.عيسى بن ضيف الله حداد

جسر الانتقال من وإلى؟ – 1960 – 1961

قلت في ذاتي: ها وأنت وقد حزتَ، على الشهادة الثانوية وبتفوق فاق التصوّر.. ماذا أنتَ فاعل يا فتى..!  حينما وجهت لنفسي السؤال، لم أكن أدري آنئذ، إنني بذاتي والبلاد معي، على ميعاد مع الانحدار، من واحة الحلم والانتصار، إلى وهاد البلبلة والانحسار…!

🛑

البلبلة – داعبني حلمي، مذ نعومة أظفاري، أن أمَّ كلية الآداب، قسم اللغة العربية، على أن أمارس بذات الوقت عملاً، يعيلني أسوة بغيري، من أبناء جلدتي- وقد درجوا على ممارسة مزدوجة من هذا النمط، في ذاك الوسط.. لم أكن أنتظر قط، مثل هذه اللحظة التي هاجمتني بثقلها وكثافة انفعالاتها. غدوت فيها كريشةً في مهب الريح، تحيط بي دوامة من الضغوط، تهب عليّ من كل حدب وصوب، لاختيار طريقي.

في قرارة سري، اعتبرت بكوني غدوت، ضحية تفوقي في دراستي.

أتلقى التقريع تلو التقريع بما يشبه الجلد.. أمام أخي الأكبر وقد وقفت عاجزاً، بعدما أصبح ضابطاً في الجيش، وغدت له الحظوة والصولة لتصبح له الكلمة العليا في العائلة. وأنا.. من أنا.. المجنح بالأحلام، ولم أتعد السابعة عشر حولاً. وماذا يمكن أن يفقه هذا الأنا، ولم يعرف من الحياة نقيرا…! هكذا قالوا لي، دخل ذا في روعي.. استسلمت لقدري.

كانت الجمهورية العربية المتحدة، بالرغم من مصاعبها مع محيطها، قد اكتسبت سمعة دولية وصلات واسعة مع المعسكر الاشتراكي، فانهالت عليها المنح الدراسية.. تم عرض تلك المنح على المتفوقين.. قال لي أبي وأخي.. هيا قد جاء دورك.. فأقدم.

كان أمامي خيارين.. إما التقدم لمنحة دراسة الطب عن طريق المنح المخصصة لمحافظة درعا، أو التقدم للمنح العامة على مستوى البلاد.

ضربت أخماساً بأسداس، وفي جوانحي يرمقني حلمي العتيق.. وظهر الدافع لي على الإنكباب في عباب الآداب “.. قلت لذوي، سأختار التقدم لمنح الهندسة.. ” وأنا أخفي في داخلي دواعي اختياري، متهرباً من طريق الطب الطويل المدى. فدراسة الهندسة هي الأقصر، خمس سنوات وأنتهي الأمر، هكذا بدا لي ولعقلي الصغير آنذاك لا ندري، عن الكيفية التي يجري بها، قرار الاختيار من قبل أصحاب القرار.

على الرغم من كون المنح المخصصة لدراسة الهندسة كانت تعد بالمئات، كان علينا، خيار واحد لا أكثر، دونما أن يكون على صلة أوسع بنوعية الدراسة ككل- في علم الهندسة مثلاً…!! مما جعل الأمور تجري خبط عشواء، تأتي كضربة حظ…؟ لا يخلو الأمر من مفارقة…!! فقدت فيها فرصتي.

تملكني الندم، لو يممت شطر المنح المخصصة لمحافظتي (درعا)، لفزت لا محالة بمنحة لدراسة الطب، من دون ريب.. لا مجال للغموض والأرض مكشوفة للناظرين.

في الدوامة من جديد.. أمام ضغط العائلة: تارةً، أدرس الطب وها نحن في دمشق.. قلت لا سأدرس الأدب.. يأتيني أخي، ليقول لي: أنت يا وجه البؤس والنحس.. ليس أمامك سوى دراسة الصيدلة، فسنواتها على عدد أصابع اليد، وطريق الطب طويلة.

إلى كلية الصيدلة لا مفر..  لم يدم التحاقي بالصيدلة ليوم واحد، لأعلن عصياني.

محاولاً للخروج من مأزقي، توجهت إلى الكلية الحربية، قيل لي.. إلى العام القادم يا فتى، أنت دون السن القانونية.

عدت أدراجي أجر خيبتي، الأفق يضيق في ناظري.. ها هو المعهد العالي للهندسة الزراعية قد أنشأ حديثاً.. إليه إذن.. بعد شهر ونيف وردني نبأ عن استحداث معهد الفنون الجميلة والهندسة المعمارية.. إليه مرة أخرى. كان تنقلي من مجال إلى مجال، يعبر عن قلقي وحيرتي ورفضي.

ما كادت تحط أقدامي في قسم الهندسة المعمارية لمعهد الفنون الجميلة.. حتى جمعنا مدير المعهد آنذاك (القادم من مصر)، ليلدغنا خطاباً مطوّلاً، ركز فيه على الأناقة المطلوبة لطلبة الفنون الجميلة.. أليست هي دارها…؟ كما لو كان الخطاب قد وجه لي، دونما غيري… مرة أخرى أعلنت عصياني.

تنفست الصعداء، حالما علمت بوجود وظائف عمل في المصرف المركزي، يجري الانتقاء وفقاً لسلم العلامات.. كنت أول الحائزين.

زاولت عملي، عزمت في ذاتي، على تحقيق حلمي في دراسة الأدب العربي.. في سري قلت لنفسي مبتسماً.. هيا إذن إلى السنة القادمة يا صديقي.

 🛑

المتاهة في السياسة

شاء لي قدري أن تحاصرني السياسة بهواجسها، لتغلي في جوانحي ليلي ونهاري.. لا فكاك.. كحيوان سياسي بلا ريب.. متابعا لها بما ملكت يدي من وشائج وصلات.

إبان تلك الفترة الوجيزة والعصيبة التي زاولت فيها الدراسة في المعهد العالي الزراعي.. تواصلت بكل فعالية مع طلبة من مناطق عدة.. من بينهم طلبة من دير الزور واللاذقية، لنشكل بكل عفوية زمرة بعثية، سيطرنا بها على انتخابات الوحدة الطلابية للاتحاد العام لطلبة الجمهورية.. حاق الفشل لمنافسينا من طلبة الإخوان المسلمين وأنصارهم.

شكّل لي وجودي في دمشق فرصة سانحة، وفرت لي مجالاً خصباً للمطالعة، من خلال زياراتي المتكررة للمكتبة الظاهرية والمركز الثقافي العربي في أبي رمانة.. لازمني طيلة هذا العام شعور يؤرقني، لا أدري كنهه.. كمن يتوجس شراً من شيء لا أدركه…!!

كأنني في متاهتي، أعيش مع متاهة بلادي.. تلاشت الحدود لدي بين ما هو فردي وجمعي…. أهو انتقال من الكلي إلى الذاتي.. أم من الذاتي إلى الكلي.. أو كلاهما.. اختلاط كلي في سري وفي ناظري…!

أنباء مريعة عن ممارسات مخابرات عبد الوهاب الخطيب ضد بعثيين وغيرهم. عبد الناصر يلقي في اللاذقية خطاباً، في شهر شباط 1961، يهاجم فيه البعث بصورة غير مباشرة.. ملوحاً إلى كل من سيحاول الوقوف حجر عثرة في وجه المسيرة ” بالدوس بالجزم “..

الأنباء تأتينا تباعاً: توسع نفوذ قوى من اليمين السوري القديم داخل الإتحاد القومي.. رموز متآمرة طوتها التطورات السياسية السابقة يعود لها شأنها كمأمون الكزبري. يتقلد عبد الحميد السراج، رئاسة الاتحاد القومي في البلاد.. أصبحت مهام التنظيم السياسي في البلاد، في حوزة جهاز المخابرات…!

المشير عبد الحكيم عامر يتسلم الصلاحيات الكاملة لتسير شؤون سورية.. توارد أنباء عن صراع بين عامر والسراج..

في تموز 1961 وعلى حين غرة، صدرت قرارات التأميم الاشتراكية، وكانت المصارف قد شملها التأميم في بداية هذا العام.. أطربني هذا التحول.

كان اطلاعي على الفكر الاشتراكي، على تواضع مبين.. الاشتراكية لدي هي نزوع عفوي، وردتني من منبتي الطبقي ومن خبرتي في حياتي..  أدركنني بالفطرة دونما فلسفة.. ولم لا.! ولكم كان للفطرة من دور ورهان، تبز به النظرية في أحيان وأحيان…!

بيد أنني رغم اغتباطي، لا أدري، لِمَ لا يفارقني ذلك الشعور القلق المبهم، الذي كان يخيم عليّ بين الفينة والفينة. لم أكن أدري كنه ومصدر هذا القلق الذي ما طفق يؤرقني.. ثمة شيء يمور في أعماقي يصدع استقراري وتوازني.. ويقض مضاجعي…!!

   🛑

في المصرف المركزي على الطرف الشمالي من ساحة السبع بحرات حط رحالي.. وبدأت مزاولة عملي..  عزائي الأساسي كوني أضع راتبي الشهري- البالغ حينئذ 250 ل س- تحت تصرف أبي.. مما عكس تحسناً ملموساً على أحوالنا المادية.. اتخذنا منزلاً في منطقة المأمونية يتكون من حجرتين.

أظهرت نتائج امتحانات الشهادة الثانوية لذاك العام، بقائي في السلم الأعلى بدرجات الامتحان.. وها هي البعثات الدراسية، تفتح لي من جديد ذراعيها.

هيا إليها.. ” لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين “..

من السنة الفائتة تعلمت الدرس.. تقدمت بطلبي هذه المرة إلى المنح الدراسية لمحافظة درعا.. توفر لي بعثة لدراسة الطب في جامعة القاهرة.. هيأت نفسي قائلاً لذاتي، هذا هو قدري.. وما عليّ سوى الإذعان لقرار الزمان..

  🛑

شهر أيلول من عام 1961: بانتظار بداية العام الجامعي، ما زلت أواصل العمل في المصرف المركزي.. بدأت كغيري أعد العدة للمرحلة المقبلة، إلى القاهرة..

في صبيحة الثامن والعشرين من أيلول، على الساعة العاشرة صباحاً، في غمرة انغماسنا الكلي في مجرى عملنا، وعلى حين غرة، استرعى انتباهنا، تقدم ثلة عسكرية إلى الباب الرئيسي للمصرف المركزي، المطل على ساحة السبع بحرات..

هرج ومرج، طرق مسامعي، قال قائل: انقلاب عسكري.. قلق شديد يعتريني.. تبادر لي، هل الوحدة في خطر؟ يتدافع الموظفون كي ينظروا الجنود وهم يتقدمون.. دونما إدراك مني، كنت أكثر اندفاعاً من غيري، لاستطلاع ما يجري.

في ذروة من الذهول، وجدت ذاتي منكباً على وجهي، تحيط قطع الزجاج المتناثرة من حولي.

ما حدث، أنني لم ألحظ الحاجز البلوري السميك القائم على الطرف الشرقي من عتبة الباب الرئيسي.. اخترقته إلى الطرف الآخر، المطل على عتبة الباب الخارجي..

كانت الجلبة من القوة بمكان، أن جعلت مفرزة الجند تتهيأ لإطلاق النار، ظناً منهم بوقوع انفجار.

لم يساورني قلق على ذاتي.. تعودت جروحاً من هذا القبيل في قريتي.. ولكم من مرة شُج راسي، برمية حجر من قبل أحد أترابي، دونما ولولة أو وجل.

هل هو شعور فوق الشعور، انبثق من خفايا الكمون، ليعبر عن ذاته، بكل صفاقاته، كرمية حجر في منحدر..

إلى الإسعاف.. ولك حياة.. وكيف.؟ قيل لي: في ذات اللحظة التي كنتَ تجاوزت بها إلى الناحية الأخرى، سقطت قطعة كبيرة من الزجاج، كان بوسعها، بثقلها وحدتها، فصلك إلى نصفين…!!

على درجة من الذهول لما حدث، لم أفكر بها بما جرى لي.. لم يزاولني أي ارتباك بما يخصني.. لا في سري ولا في علني.

إلى قسم الإسعاف في المشفى الوطني الجامعي، وكان قائماً آنئذ على مقربة من الحافة الجنوبية لنهر بردى.

يسألني الطبيب عما جرى لي.. تجلّى له كون المسألة لها صلة بالانقلاب العسكري.. غادرت المشفى معصوب الرأس واليدين.

في لحظة خروجي، أجد نفسي مندفعاُ للمشاركة، في مظاهرة شعبية تشكلت بعفوية في منطقة الحلبوني.. تسير باتجاه شارع الحجاز.

في وسط نظرات الفضول لرأسي المعصوب.. أهتف مع الآخرين للوحدة.

هدأت خواطر الجمهور.. حالما سمعوا بالبيان رقم (9)، معلناً، أن الوحدة ليست في خطر.. وأن المفاوضات تجري لعودتها متعافية من زلاتها. [أراد قادة الانقلاب خداع الجمهور لكسب الوقت. كانت الشعارات تنادي بالوحدة، دون شوائبها..]

كانت مشاركتي في المظاهرة، أدركتني على نحو عفوي.. كما اعتاد، عليه دأبي.

استمر شأني في السير على ذات الدرب، بما تسنى لي من مواقف ورؤى.

ما أثار سخريتي وسخطي، ما بدا لبعض من موظفي المصرف المركزي، في كون انفعالي يعود لفقداني سانحة الدراسة في القاهرة.

بدوري أنا.. لا أدري…!! إن كنت أبكي الوحدة على طريقتي.. هل تجلّى ذا، عبر اندفاعي واختراقي للحاجز الزجاجي.. في المصرف المركزي…!

هل هو اللاشعور، يخترق المعقول في لحظة من الذهول..  [بعد تلك الحادثة، تم وضع دائرة ملونة باللون الأحمر ليصبح الحاجز سهلاً لملاحظته. وتلاها تغيير المدخل بكليته..]

وهل بلغ الهاجس العروبي في دواخلي، كي يتمادى شأوه الخفي، ليطغي بمده اللاواعي الكامن في أعماقي، حتى وبالكاد يؤدي بجسدي، لينفصل مع بلدي إلى قسمين…!

🛑

راح بي قدري، ليرحل بي إلى كلية الطب في جامعة دمشق..

ها هو قاربي يبحر بي، دونما أدرى.. إلى أغوار المعترك…!!

🛑

هكذا كنت أرى، وأنا الآن أرى

 (في قراءة معاصرة للحياة السياسية في سورية في زمن الخمسينات)

بمثابة تابعة: في السرد المتقدم كنت قد عرضت الماضي كما عايشناه، أي من منظار الماضي. في التابعة الآتية، سأحاول باقتضاب إجراء قراءة معاصرة لمحطات أساسية لذلك الماضي، أي النظر إليه من منظار اليوم.. ولمّا كان الناظر هو ذاته، ربما سيكون معيار الخطأ أقل في حال لو جاء النظر للماضي من منظار ناظر لم يعايشه قط..

في اللحظات التاريخية الهاربة – من المؤكد أن التاريخ يفصح في تتابع مساره عن لحظات حاسمة، فإن تم التصرف فيها بطريقة جريئة، فإنه من الممكن تغيير مساره اللاحق..  على سبيل الأمثلة:

اللحظة التاريخية الملازمة للحرب العالمية الأولى: تميزت تلك اللحظة، بكون النظام العالمي، مازال يسير في طريق التشكّل، وأن قوى الهيمنة- المنتصرة، كانت بصدد العمل على تضميد جراحها..

في تلك الشروط التاريخية أدرك أتاتورك عبر بصيرته الإستراتيجية، أن اللحظة التاريخية غدت مواتية لإنقاذ تركيا من محنتها الماثلة في هزيمتها، ولو لم يبادر لاستثمارها (أي اللحظة التاريخية) لما أتيح له تحقيق مشروعه وإنقاذ بلده من التقسيم والخضوع للهيمنة، من قبل النظام العالمي السائر في طريق التشكّل لحظتها..  على نفس المنوال، يمكن تطبيق مفهوم اللحظة التاريخية المواتية، على مبادرة لينين في إشعال فتيل الثورة البلشفية، التي أنقذت روسيا من مأزقها التاريخي، كبلد مستضعف ومتخلف..

والسؤال: لو توفر لفيصل ووالده الشريف الحسين رؤية تاريخية واستراتيجية مكافئة لرؤية أتاتورك لتغير مسار التاريخ العربي الحديث.!

اللحظة التاريخية في أعقاب الحرب العالمية الثانية والمثال الصيني: أدرك ماو تسي تونغ خصائص تلك اللحظة، فأطلق المسيرة الثورية الطويلة لملايين الفلاحين الجياع، وبها أنقذ الصين من مأزقها التاريخي واستطاع وضعها في موقع المساهمة بتشكيل العالم المعاصر..

Dفي حرب فلسطين – من الواضح بجلاء أن فلسطين لم تكن آنذاك محتلة، وإن كانت الصهيونية تمتلك فيها بعض البؤر الاستيطانية، وهذه البؤر كانت بواقع الحال هشة.. كما كان عالم بعد الحرب العالمية الثانية في طور التشكّل، والدول العظمى ما زالت تضمد جراحها، وليس بوسعها التدخل لفرض هيمنتها..

كان من المتاح والحال هذه، أنه لو قيض للعرب ممارسة حرب طويلة الأمد، بالاعتماد على ما توفر لدى العرب آنذاك من قوى عسكرية– بتواضعها مع المساهمة الشعبية المسلحة الواسعة.. لتم إجهاض المشروع الصهيوني إلى الأبد.

هكذا أضاعت تلك الأنظمة العربية اللحظة التاريخية المواتية، عندما قبلت بالهدنة.. الأمر الذي أتاح المجال للصهيونية لاسترداد أنفاسها المتعبة، في شروط تقدم مسيرة نظام الهيمنة العالمي في درب تشكله الذاتي..

من دواعي هذا التعليق، هو بالضبط دحض المحاولات الرامية في اللحظة الراهنة لخلط الحابل بالنابل، من أجل ذر الرماد في العيون في تحديد على من تقع المسؤولية التاريخية الأساسية في ضياع فلسطين..

D دور البترول في معركة قضايا العرب – يذكر أكرم الحوراني في مذكراته (ص 2108 الجزء الثالث) قال فارس الخوري تعليقاً على دور البترول في المعركة: لو سبق العرب أن أثبتوا وجودهم في ميدان البترول أيام بحث قضية فلسطين عام 1948 لاضطر الغرب أن ينتهج سياسة أخرى.. وأضاف: أنه تقدم بمذكرة للمندوب الأمريكي في الأمم المتحدة عام 1948 لوح فيها بقطع البترول العربي فاستولى عليه الذعر، ثم عاد بعد يومين وسأله باسم من تتكلم؟ الاتصالات التي أجرتها حكومتي مع الدول العربية نفت لجوء العرب على قطع البترول عن الغرب..

والسؤال: لماذا لم يستثمر العرب هذا السلاح كما يجب، في تلك اللحظات العصيبة في معارك فلسطين (وغزو العراق تالياً..).. ألم تستعمل أمريكا وحلفاؤها سلاح الاقتصاد في كل بدا لهم من عدوان ومخططات…! ثم ألم يظهر الواقع أن استعمال هذا السلاح يرفع من قيمة مردوده الاقتصادي…!

Dسورية في حقبة الخمسينات – رؤية نقدية للممارسة السياسية للنخب القائدة في سورية في تلك الحقبة.. في رؤية فاحصة للممارسة السياسية التي انتهجتها النخب القائدة لمسيرة البلاد، يمكن لي وضع العرض المقتضب الآتي:

اليمين السوري المتمثل الأحزاب التقليدية وبالتحديد حزب الشعب والوطني- في تقديري، لم يكن الهاجس السياسي الأساسي لذلك اليمين إلا الحلول محل الانتداب الفرنسي في الهيمنة على شؤون البلاد. حيث مارس السلطة بدون برنامج واضح، تجلّى ذلك على مستوى مختلف الأصعدة، مما جعله يقع في مطبات كثيرة..

على الصعيد الدولي: توجه هذا اليمين منذ البداية في علاقاته بشكل أحادي إلى المعسكر الغربي. في حين كون هذا المعسكر قد وقف من وراء النكبات التي حلت في البلاد، من سايكس بيكو إلى وعد بلفور.. وما تلي..  والأكثر من ذلك، ظهور تورط رموز كبيرة من الحزبين في علاقات مشبوهة مع أجهزة المخابرات لدول هذا المعسكر. فضلا عن مذكرات فوزي القاوقجي وآخرين (راجع،الصراع على سورية لباتريك سيل ومراجع أخرى غربية): كان الأجدر بتلك القوى، أن تعمل على قيام علاقات سياسية متوازنة مع المعسكرين، مما يقوي لديها موقع الحوار لكل منهما.. (وهذا ما سلكه البعث وعبد الناصر في السياسة الخارجية)..

على الصعيد العربي: دخلت كل من هذه القوى في صلات محاور مع الأنظمة العربية، على الرغم من تخلف تلك الأنظمة عن الأوضاع السائدة في سورية عنها على كافة المستويات. البعض من هذه القوى ارتبط بعلاقات وطيدة مع المركز السعودي والبعض الآخر مع المركز العراقي.. الخ. وقد أظهرت الأحداث دخول رموز من هذا التيار في صلات مشبوهة مع هذه المراكز وتلقي رشاوي مالية منها.. في حين كانت تستلزم مصالح البلاد العليا وضع سياسة متوازنة في العلاقات العربية- العربية، على أسس التخلص من الهيمنة مما قد يسهم في تأسيس سليم للنظام العربي العام..

على الصعيد الداخلي: لم يظهر اليمين السوري اهتمام واقعي بالمسألة الاجتماعية. إذ ركز همه الأساسي في مجال التنمية الاقتصادية بحيث تكون الفوائد حصراً للطبقة الرأسمالية، دونما إظهار أي اهتمام بالتنمية الاجتماعية.. بقي الريف على حاله كما جاء عليه في العصر العثماني- لا كهرباء ولا ماء ولا طرق معبدة وقليل من المدارس – كما ظهر في سردي لمعالم الحياة في القرية – (بطبيعة الحال لم يكن قط من شأن سلطة الانتداب الفرنسي الاهتمام بشؤون الريف). أما بصدد الإصلاح الزراعي، فقد كان الغائب الأكبر عن العقل المسير لنخب اليمين السياسي، في حين قد طبق في الغرب من قبل أنظمتها البرجوازية.. (وحتى في إيران من قبل نظام الشاه).

في المسألة الديمقراطية: النظام الديمقراطي وسيلة بحد ذاته، لكي يعبر الشعب عن رأيه في تقرير مصيره.. وللممارسة الديمقراطية أصول ومعايير من شأنها تأمين الآليات الكفيلة بإيصال الصوت الحقيقي للشعب.. بهذا الصدد، يظهر واقع الممارسة السياسية عدم حرص اليمين السوري في تطوير شأن الممارسة الديمقراطية، إنما قد جعل منها مجرد وسيلة وقناة لإحكام سيطرتهم الدائمة على مقادير البلاد.. ولم يعدم تعاون رموز كثيرة منهم مع نظم الديكتاتورية ووضع العثرات والعقبات أمام مسيرة النظام الديمقراطي الناشئ، بل والتآمر مع الأجنبي كما ظهر بين أعوام 54 و58.. وفق ما قد جاء في عرض السرد..

لا أستبعد، بل من المؤكد، أن اليمين السوري قد اندفع إلى جانب قوة اليسار القومي العربي في مسار الموافقة على الوحدة مع مصر، مستهدفاً التخلص من قوة اليسار القومي العربي، من حيث كان اليسار على قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى السلطة.. وحينما ظهر الخيار الاشتراكي لنظام عبد الناصر.. انقلب اليمين على نظامه وجاء بالانفصال..

 🛑

مقاربة أولية في المسألة الديمقراطية في حقبة الخمسينات كمقومات وآليات: حالياً يسود الهرج والمرج كثيراً بصدد الديمقراطية في سورية في تلك الحقبة.. ولما كانت هذه المسألة تشكّل بحد ذاتها إشكالية مطروحة على مستوى الراهن والمستقبلي أضع بصددها ما يلي:

 Dفي منظوري لم تكن الديمقراطية آنذاك أكثر من مشروع يفتقد الأسس والمعايير السائدة في النظم الديمقراطية، مما جعل شأنها يتهاوى بعفوية: على سبيل المثال: كان لبعض الأحزاب والشخصيات السياسية صلات وتمويل من قبل الأجنبي، وهذا ما ترفضه الديموقراطية..

D لم يكن ثمة حدود لمدى الإنفاق المالي في فترة الانتخابات وهذا ما يُخضع مسار ومصير النظام الديمقراطي لسيطرة المال..

D المواطنة، لا ديمقراطية فعلية دون مواطنة حقيقية. فوجود مرجعيات مزاحمة للمرجعية الوطنية: كالمرجعيات

الملية والمذهبية والعشائرية والمحلية والأثنية يشكل تهديداً كامناً للديمقراطية..

D وضع الأرياف والبوادي: كان الفضاء الريفي بكليته خارج عملية التحضر، فقد كان بدائياً، لا كهرباء ولا ماء ولا طرق ممهدة ومعبدة.. ناهيك عن الحضور القوي للنظام الإقطاعي في البلاد وسيادة العلاقات العشائرية..

والسؤال: هل يمكن تطبيق نظام ديمقراطي في ظل نظام اقتصادي- اجتماعي من هذا النمط.. وهل استطاعت أوربا تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي قبيل تصفية النظام الإقطاعي ووضع أسس النظام الاقتصادي الرأسمالي وتحديث البلاد.!

D مسألة المرجعية الجامعة – الهوية: إن لم تكن مسألة الهوية محسومة كمرجعية، تصبح الديمقراطية في مهب الريح.. في هذا السياق يظهر الواقع والتاريخ، أن العروبة كمرجعية ثقافية- لا عرقية هي وحدها القادرة على ضم الجميع في حاضنتها.. مثل هذا النمط من المرجعيات هو السائد الواقعي على صعيد الأمم والقوميات.. فالعروبة الثقافية تستوعب الملل والمذاهب والأديان والأثنيات: فالكردي والشركسي والأرمني والبربري الناطق بالعربية والمتدين بالإسلام، هو عربي بمقدار ما يكون عليه الآخر.. ولا يضير هذا من الاحتفاظ بلغته الأثنية.. هذه إرادة التاريخ والواقع.. تماماً كابن الألزاس وكورسيكا والبيرينه والبريتون في فرنسا.. ينطبق الأمر على الملحد والمسيحي والمسلم، الشيعي، والسني والعلوي، والدرزي، والإسماعيلي..

كان النظام الديمقراطي في سورية من الهشاشة بمكان، أن سمح لكل من هب ودب في التآمر على مصير البلاد.. (أنظر باتريك سيل – الصراع على سورية)..

 🛑

سورية والعسكر: الجدير بالنظر لا أنطلق قط من رفض أي دور للعسكر.. فقد أظهر التاريخ بروز دور موضوعي في لحظات ما.. كمثال: أتاتورك في تركيا، ديغول في فرنسا، عبد الناصر في مصر.. ثورة العسكر اليساريين في البرتغال التي قد أطاحت بنظام سالازار..

كان من الممكن أن يكون للعسكر في سورية دوراً موضوعياً، وهذا ما حدث بالضبط، بين عام 54- 58.. وكان من الممكن أن يكون أفضل لو أتيح على سبيل المثال للعقيد عدنان المالكي البقاء على قيد الحياة..

في هذا الصدد يقول باتريك سيل في اغتيال العقيد عدنان المالكي: أدى اغتيال الملكي إلى إزاحة القائد الذي كان باستطاعته أن يفرض رأيه على طبقة الضباط، ولم يبق ثمة شخصية مميزة في الميدان، وبدلاً من وجود زعيم واحد، أصبح هنالك ـأكثر من عشرين. وكان كل منهم يتوقع أن تجري استشارته قبل اتخاذ أي قرار (الصراع على سورية- ص 318). كان يمكن لهذا الرجل أن يساهم بفعالية في إنقاذ سورية من ما جرى فيما تلى من دور العسكر في الحياة السياسة في سوريا. مرة أخرى هربت اللحظة التاريخية من أمامنا.

في مسيرة بناء الوحدة مع مصر واللحظة التاريخية الهاربة: أجل كانت الخطوة نحو الوحدة ضرورة موضوعية للبلدين وللمنطقة، غير أن الخطأ المركزي تجلّى في المعادلة الآتية: مصر دولة منظمة حول قيادة مركزية يترأسها عبد الناصر، في مقابل سورية المشتتة التي لم يكن لها رأس أو محور مركزي يسيرها..

في هذا الصدد توفرت جملة من الشروط الموضوعية لكي يكون البعث قائداً للسلطة، بيد أن تردد قيادة الحزب هو الذي بدد هذه الإمكانية.. من بين هذه الشروط: تمتع البعث بشعبية كاسحة، ومجموعة عسكرية قوية مخلصة، وحزب ممتد في كافة المدن والأرياف، بل والوطن العربي..

كان بوسع الحزب استلام السلطة والتقدم إلى الوحدة على خطى ثابتة.. غير أن سلوك قيادة الحزب هو الذي فوت الفرصة على تلك اللحظة التاريخية.. هكذا تقدمت سورية للوحدة مشتتة، بل وكان من بين أدواتها السياسية عناصر ملغومة ومتآمرة على قضية الوحدة والوطن..  ليس من العجب أن جرت الأمور على نحو ما حدث.. انفصال ونكسات تالية متتالية له وعنه.. مرة أخرى تجلّت اللحظة التاريخية الهاربة..

 🛑

البعث في حقبة الخمسينات، مقاربة عامة ومقتضبة: تأسس حزب البعث في 7 نيسان 1946، وهو أحدث الأحزاب السورية عمراً، ولم يمض عقد من الزمان حتى أصبح اقوى الأحزاب في سورية، وليس في سورية فقط فقد انتشر على مدى الساحة العربية قاطبة، وكان له دوراً مهماً في اسقاط النظام الديكتاتوري الشيشكلي 1954.. كما تمتع ما بين 1954 – 1958 بدور مؤثر على مستوى الحياة السياسة السورية، معارضاً حيناً وحيناً مشاركا في الوزارة حسب ظروف التطورات السياسة في سورية، وكان له الدور الريادي في انجاز الوحدة المصرية السورية، ومن أجل الوحدة أعلنت قيادة الحزب عن حل تنظيمه في سورية استجابة لشروط عبد الناصر الذي أراد الدولة بلا أحزاب سياسية واستجاب الجميع.. وتلكم هي الوقفة السلبية، التي أسهم بها الجميع..

في حقيقة الأمر، أن الكتل العسكرية الوطنية السورية بحماسها العاطفي واندفاعها العفوي هو ما دفع الأحزاب لحل تنظيماتها، على أن يكون الاتحاد القومي هو البديل للجميع..

وكما أعلم، كان لدى حزب البعث منظورا فيدراليا كنظام للوحدة المنشودة، بيد أن الكتل العسكرية السورية، والزخم الشعبي الجارف جعل من الاستحالة بمكان بعرض المشروع الفيدرالي.. مما بنى دولة الوحدة على أرضية رخوة.. وسهل مرور مؤامرة الانفصال..

 🛑

من سؤال إلى تساؤل: ما مدى تأثير النتائج التاريخية المترتبة على مجمل قضايانا العربية عندما فشلت تجربة الوحدة، أما كان ممكناً أن يتغير مسار التاريخ العربي لو أن سلطتها وبُناتها وحماتها صانوها من الوقوع في مأزقها وسقوطها فريسة أعدائها…! أجل أنها لحظة تاريخية هاربة، تطل برأسها علينا مرة أخرى..

فيما يشبه اليقين لدي، لو أقدم عبد الناصر على رفض الانفصال، وأعلن عن مشروع تعديل النظام السياسي للجمهورية العربية المتحدةـ.. لكان بوسع الثورة الشعبية العارمة وبمساعدة القوى الوطنية الوحدوية في الجيش، في اجهاض حركة النحلاوي، وتم انقاذ الوحدة بشروط جديدة.. وها هنا في مرة أخرى، خذلنا اللحظة التاريخية على وقع من حضورها..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى