جبل الشيخ في قلب الانتخابات الإسرائيلية.. كيف يوظف نتنياهو توغلاته في سوريا؟

عبد الناصر القادري

لم يكن اقتحام رئيس وزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلى تلال جبل الشيخ في الأراضي السورية في 9 أيلول 2026 حدثاً منفصلاً أو مجرد جولة ميدانية قبيل انتخابات مصيرية بالنسبة شخصية مطلوبة لمحكمة الجنايات الدولية، بل جاءت ضمن سلسلة متصاعدة من الانتهاكات الإسرائيلية التي توحي بأن حكومة نتنياهو تسعى إلى تحويل الوجود العسكري الذي نشأ بعد سقوط نظام بشار الأسد من وضع قُدّم في بدايته باعتباره مؤقتاً إلى واقع أمني وسياسي طويل الأمد ليس في سوريا فقط بل بما يشمل لبنان واستراتيجية الاحتلال تجاه المنطقة.

وتكتسب الزيارة دلالة إضافية لأنها جاءت خلال الحملة الانتخابية لنتنياهو في الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول المقبل، ورافق نتنياهو خلالها وزير الدفاع يسرائيل كاتس، إلى جانب أنها متصلة بعملية التفاوض مع الحكومة السورية على الانسحاب إلى ما قبل نقاط تموضع 8 كانون الأول 2024.

توغلات وانتهاكات مغلفة بـ “إنجازات”

ومن قمة جبل الشيخ قدم نتنياهو صورة جغرافية واسعة للمناطق التي تمدد بها جيش الاحتلال، مشيراً إلى دمشق ولبنان والجولان، ومعلناً أن الاحتلال الإسرائيلي بات يسيطر على المنطقة “من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك” وممتدة استراتيجياً باتجاه البحر المتوسط. وبغض النظر عن المبالغة السياسية في توصيف مدى هذه السيطرة في ظل الرفض الشعبي الثابت، فإن اختيار هذا الخطاب من نقطة مرتفعة داخل الأراضي السورية يحمل رسالة سياسية إلى الداخل الإسرائيلي بأن الحدود توسعت، وإلى دمشق بأن العودة البسيطة إلى الوضع الذي سبق كانون الأول 2024 لم تعد هي نقطة انطلاق الاحتلال الإسرائيلي.

والأكثر أهمية انتخابياً أن نتنياهو لم يقدّم الوضع الجديد باعتباره مجرد ضرورة عسكرية ظرفية، بل وصفه باعتباره واحداً من “الإنجازات العظيمة” التي حققتها حكومة الاحتلال في الحرب، وتعهد بعدم السماح لما زعم أنه “جيش إرهابي” بالتمركز على الحدود.

كما ربط المشهد السوري بالمواجهة مع إيران، في محاولة لضم جبل الشيخ إلى سردية إقليمية أوسع تقوم على أن حكومة الاحتلال تحت قيادته، لا تدافع عن حدودها فحسب بل تعيد تشكيل ميزان القوى الممتد من طهران مروراً بسوريا ولبنان.

وشن الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حروباً واسعة مدعوماً من آلة عسكرية دولية ضد غزة ولبنان وسوريا إلى جانب الانتهاكات والعمليات العسكرية اليومية ضد سكان الضفة الغربية المحتلة، ثم شن حرباً بالشراكة مع الولايات المتحدة على إيران، لم تحقق الأهداف المعلنة حتى الآن، كانت معظم التحليلات الأمنية والسياسية تتحدث عن أهداف نتنياهو الشخصية للهروب من المساءلة والمحاكمة عن الفساد والخلل الأمني الذي أحدثه طوفان الأقصى.

كاتس سبق نتنياهو إلى تثبيت الرسالة

وفي الواقع نتنياهو لم يبدأ هذا الخطاب. قبل نحو أسبوعين من اقتحامه، دخل وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس جنوبي سوريا ووجّه من هناك رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع. وفي الاقتحام الحالي كرر كاتس العبارة الأكثر دلالة في الموقف الإسرائيلي: “نحن في المنطقة الأمنية ولن نتحرك من هنا”، مضيفاً أن الشرع موجود في قصره بدمشق على مسافة عشرات الكيلومترات في حين جيش الاحتلال الإسرائيلي متمركز على جبل الشيخ.

هذا التكرار يحمل دلالات أمنية وسياسية ورسائل إلى الداخل والخارج، فحين يعلن وزير الحرب موقفاً كهذا في زيارة أولى ثم يقف بعد أسبوعين إلى جانب رئيس الحكومة الذي يتبنى عملياً الرواية نفسها، يصبح من الصعب اعتبار التصريحات مجرد ضغط تكتيكي صادر عن مسؤول واحد. إنها تقترب من أن تكون سياسة حكومية معلنة تقوم على تثبيت الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري إلى أن تتغير البيئة الأمنية وفق الشروط الإسرائيلية، وربما يشير إلى أنه مهما تغير أسماء الحكومة لن تتغير الاستراتيجية الإسرائيلية المرسومة بالنسبة لسوريا والمنطقة، إنما قد تتغير الأدوات والأساليب فقط.

وتكشف الاقتحامات المتكررة أيضاً أن جبل الشيخ بات جزءاً من المشهد السياسي وساحة انتخابية أمام خصومه السياسيين في الأحزاب الأخرى، فرئيس الحكومة المتهم بارتكاب جرائم حرب في غزة ولبنان دخل الأراضي السورية مرتين على الأقل قبل الاقتحام الأخير: الأول في كانون الأول 2024، بعد فترة قصيرة من توغل الاحتلال في المنطقة العازلة، والثاني في تشرين الثاني 2025.

ماذا يعني هذا التحول بالنسبة إلى سوريا؟

من الجانب السوري، تتجاوز المشكلة مسألة اقتحام مسؤول إسرائيلي إلى موقع عسكري. دمشق تنطلق من القانون الدولي، ولا ترغب في دخول أي حرب مع الاحتلال على المدى المنظور والبعيد بحسب تصريحات المسؤولين فيها، في ظل الوضع الداخلي الصعب وعدم جهوزية المؤسسة العسكرية لأي اختبار من هذا النوع.

 وتعتبر الحكومة السورية أن التوغلات الإسرائيلية بعد كانون الأول 2024 انتهاكاً مباشراً للسيادة السورية، ولذلك دانت زيارة نتنياهو في بيان للخارجية السورية باعتبارها “دخولاً غير شرعي” و”خطوة استفزازية”، محذرة من أن استمرار التوغلات والاعتداءات والاعتقالات الإسرائيلية يهدد أمن المنطقة واستقرارها. كما دعت إلى العودة إلى اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974.

وهنا تكمن عقدة المفاوضات الأساسية. اتفاق 1974 كان يقوم على الفصل بين القوات وإنشاء ترتيبات معروفة في المنطقة العازلة، لكن حكومة الاحتلال أعلنت بعد سقوط النظام المخلوع في 8 كانون الأول 2024 أن الاتفاق فقد مفعوله في الظروف الجديدة، ثم سيطرت على مواقع في المنطقة الحدودية وجبل الشيخ.

لذلك فإن دمشق وحكومة الاحتلال لا تتفاوضان اليوم فقط حول كيفية منع الاحتكاكات العسكرية، بل حول تعريف الوضع الأمني الجديد نفسه. سوريا تريد إعادة الاعتبار إلى مرجعية 1974 والسيادة على الجنوب، وعقد اتفاق أمني قد يكون موسعاً بهوامش معينة، في حين تسعى حكومة الاحتلال إلى الاحتفاظ بمكاسب ميدانية وضمانات تتجاوز الاتفاق القديم، ولا سيما تقييد الانتشار العسكري السوري في الجنوب، والإبقاء على قدرة إسرائيلية عالية على المراقبة والتدخل.

ويزيد هذا التناقض من صعوبة أي اتفاق سريع؛ لأن ما تصفه إسرائيل بـ”المنطقة الأمنية” تنظر إليه دمشق باعتباره أراضي سورية دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط النظام المخلوع ويحمل دلالات على النوايا التوسعية للاحتلال دون إقامة أي اعتبار للاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وأن الجولان السوري المحتل ما زال في السياق الأممي محتلاً ولا يعترف معظم العالم بسيادة الاحتلال عليه.

 

كيف واقع نتنياهو الانتخابي؟

يسعى بنيامين نتنياهو إلى خوض انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول من موقع أصعب بكثير مقارنة بانتخابات 2022، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال تراجع الليكود إلى نحو 20–23 مقعداً وخسارة قرابة ثلث قوته البرلمانية. لذلك تتركز استراتيجيته حالياً على منع تشتت أصوات اليمين وضمان تجاوز الأحزاب الحليفة نسبة الحسم البالغة 3.25%، بما يحافظ على فرصه في تشكيل ائتلاف يمنحه ولاية سابعة.

وقد لخّص نتنياهو هذه الاستراتيجية بقوله لقناة 14: “عندما نتحد نفوز، وعندما نتشرذم نخسر”، مؤكداً أنه يفعل كل ما بوسعه لتوحيد أحزاب اليمين. ونجح جزئياً في دفع حزب “الصهيونية الدينية” بقيادة بتسلئيل سموتريتش إلى الاندماج مع قائمة “زيهوت” بزعامة موشي فيجلن، لكنه أخفق في إقناع إيتمار بن غفير بخوض الانتخابات في قائمة مشتركة. كما يواجه تحدياً إضافياً من الجنرال السابق عوفر وينتر، الذي رفض الاندماج مع الأحزاب الأخرى ويطرح نفسه بديلاً يمينياً احتجاجياً.

ويخشى نتنياهو خصوصاً من أن تبقى أحزاب يمينية صغيرة تحت نسبة الحسم، ما يعني ضياع عشرات آلاف الأصوات التي يحتاج إليها معسكره للوصول إلى أغلبية الـ61 مقعداً. ولهذا حذّر من أن ترشح وينتر منفرداً يضع اليمين في خطر وقد يؤدي إلى إهدار أصوات حاسمة. في المقابل، يرى بن غفير أن الأحزاب اليمينية تستطيع حصد عدد أكبر من المقاعد إذا خاضت الانتخابات بصورة منفصلة، وفق ما ذكرت وكالة “رويترز”.

لكن التحدي الذي يواجهه نتنياهو يتجاوز حسابات القوائم الانتخابية. فقد تضررت صورته كـ”رجل أمن” بفعل الإخفاق في منع عملية طوفان الأقصى عام 2023، في حين لم تنهِ الحروب اللاحقة في غزة ولبنان وإيران الشعور بالأزمة داخل دولة الاحتلال رغم فرضية الإنجازات العسكرية التي حققتها. ويقول المحلل السياسي أموتس أسائيل إن نتنياهو “لم يواجه قط شيئاً مثل ما يواجهه الآن”، وإن الإسرائيليين يعيشون شعوراً بـ”أزمة تاريخية” يرتبط اسمه بجوانب عديدة منها.

كما أثارت التنازلات التي قدمها نتنياهو للأحزاب الحريدية في ملف الإعفاء من الخدمة العسكرية استياء جزء من قاعدته التقليدية، في وقت ارتفعت فيه خسائر جيش الاحتلال التي لا يعلن عنها في الغالب. ويبرز في مواجهته رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي يتقدم حزبه تدريجياً ويعادل الليكود أو يتجاوزه في بعض الاستطلاعات، وإن كان طريقه إلى تشكيل حكومة لا يزال معقداً.

وأظهر آخر استطلاع لهيئة البث الإسرائيلية، نشرته يوم الأحد الماضي، استمرار تراجع حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو إلى 20 مقعداً، في حين بقي معسكره عند 52 مقعداً، أي أقل بتسعة مقاعد من الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة والمحددة بـ61 مقعداً.

وزاد المشهد تعقيداً دخول تحالف جديد بين يوعاز هندل ويارون زليخا إلى الكنيست بـ4 مقاعد من دون انتمائه إلى أي من المعسكرين الرئيسيين. وحتى إذا انضم التحالف إلى نتنياهو، فلن يتجاوز معسكره 56 مقعداً.

في المقابل، حصل معسكر غادي آيزنكوت على 51 مقعداً، متراجعاً من 55 في الاستطلاع السابق. ويشير ذلك إلى استمرار حالة الجمود، مع صعوبة واضحة أمام نتنياهو في بناء ائتلاف حاكم قبل الانتخابات المقررة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى