صيف لبنان رمادي والحرب قد تستمرّ أكثر

  يقظان التقي

      

قد يكون الصيف على نهايته في لبنان، لكنّه فقد شيئاً من سحره بين طقوس السياحة والمهرجانات والأعراس التي تتواصل بكثافة في مناطق تحاول استعادة الأفضلية لعيش لحظات من السعادة والرفاهية، وبين أشياء دموية في مناطق أخرى جرّاء الحرب الإسرائيلية على الجنوب التي يمكن أن تستمرّ وتتصاعد أكثر. ولا شعورَ واضحاً بأنّ الوقائع المؤلمة ستنتهي، ولا ضمانات بألّا تنتقل النيران من تلة إلى أخرى خارج الخطوط الرمادية، ما ينعكس على حياة اللبنانيين التي وصلت إلى طريق مسدود، وهم لا يحصلون على تفسير لعدم استقرار الأمور بعد فترة طويلة من التكيّف مع أوضاع متناقضة بين الحرب والسلم، وبسبب حساسية القضايا الأخرى التي يعيشونها، ولا تجعلهم مطمئنين تماماً إلى السلطة، وسط توقّعات متشائمة لجهة الحلول الممكنة للعودة إلى أوضاعهم الطبيعية.

تدرك إسرائيل أنّ أيّ اتفاق مع لبنان لن يكون تحقيقه ممكناً بواسطة الدولة غير القادرة على نزع سلاح حزب الله

لم تحصل الحكومة اللبنانية على أيّ مكاسب بمطالبها الرئيسة بوقف إطلاق النار، مقابل إعادة ضبط الأوضاع العسكرية في الجنوب. وكان السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى واضحاً جدّاً في تحديد الأولوية في نزع سلاح حزب الله وضمان تنفيذ ذلك، فيما السلطة في موقف لا تُحسد عليه. فهي لا تملك وسائل وقف الحرب، ولا وسائل النهوض باقتصاد البلاد من أزمات تسببت بها فوضى عمل المؤسّسات والتسويات المالية والطائفية، إذ يصعب تحقيق تقدّم في خطوة تفاوضية بمعزل عن الأخرى، وترى فيها إسرائيل فرصةً لزيادة عملياتها العسكرية، وسط استجابة إسرائيلية فاترة للجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية الرسمية لسيطرة الجيش اللبناني على مناطق جنوبية من دون الخضوع لإرادة العدو، ثمّ أعلنت الدولة المراحل التالية للسيطرة على ثلاث مناطق تجريبية وفقاً لشروط الاتفاق الإطاري (أضيفت إليها النبطية).
لذلك؛ يستمرّ الخوف من مستقبل غير معلوم، ويبقى المسار التفاوضي في دائرة الغموض، وتبقى الأرض ساحة لاختبارات أصعب، حيث يرفض حزب الله أيّ منطق لتسليم سلاحه، ويتمسّك بمواقفه الأكثر تشدّداً، في وقت تبدو فيه إسرائيل مصمّمةً على السيطرة، ولا استجابات لمطلب الانسحاب قبل إنهاء ملفّ السلاح في مسار جدّي، سواء في المناطق التجريبية أو خارجها. فتستمر الحرب ضدّ المجتمعات المرهقة، ولا تضع أيّ حدود توقف تفكيك العيش الطبيعي لأهالي المنطقة، وهم يشعرون بأنّ الجميع تخلّى عنهم، وبأنّهم يائسون على نحوٍ متزايد ليس من فكرة شنّ حزب الله الحرب، بل من العجز عن إيقافها. وتنتقل آثار الحرب إرثاً، فيعاني الحزب ولبنان كما لم يعانيا من قبل، ولم تعد الأرقام تقول شيئاً، وليس هناك مجرّد وعد لما بعد الحرب، بل شرط للمستقبل.
والأسوأ أنّ هناك فريقاً لبنانياً يتطلّع إلى مزيد من التصعيد والفوضى الداخلية، ما يعني مزيداً من النزوح، من دون تقييم دقيق لمشاكل البلد، أو التوقّف عند المستويَين الوطني والأخلاقي عندما يتعلّق الأمر بلبنانيين آخرين اختاروا مواجهة إرهاب الدولة في إسرائيل الذي يمعن في تفتيت المنطقة. فتحاول حكومة نواف سلام ما تستطيع فعله لمنع الكارثة والحفاظ على وحدة البلد الداخلية، فيما تبدو بعض خطواتها المحدّدة حذرةً بوضوح في مسار السلام التفاوضي الذي يرعاه جوزاف عون منذ أن أصبح رئيساً للجمهورية، مع استمرار الضربات والهجمات الإسرائيلية.
هناك خوف كثيرٌ ممّا هو قادم مع إعلان تأجيل مفاوضات الإطار الثنائية بوساطة أميركية. فالمجتمعات المحلّية في خطر، والصور الأخيرة التي التقطتها الأقمار الصناعية لجنوب لبنان تظهر كيف تغيّر المشهد إلى درجة يصعب معها العودة إلى الحياة الممكنة التي سبقت الحرب أخيراً، فسقطت المنطقة بكاملها في جرائم حرب مستمرّة تدمّر الأرض والحجر والشجر والمعالم التاريخية حتى لا يبقى شيء مرئياً. ويتمثّل الفشل في ردع بنيامين نتنياهو وأعضاء حكومته عن سياسات تبحث عن طرائق جديدة لتصعيد الصراع مع حزب الله وقواعده العسكرية، ولأسباب قد تكون داخلية في الانتخابات المقبلة، كأنّها فصل ديمقراطي ما بعد نظام الإبادة والتطرّف العرقي والعنصري في فلسطين المحتلّة.
غياب الشعور بالمستقبل وبنهاية الحرب، في وقت يتلمّس الجنوبيون طريق العودة، جعل مزاجهم يزداد سوءاً مع فقدان خيرة شبابهم وقراهم وبلداتهم ومواردهم الاقتصادية، على الرغم من قدرتهم على المواجهة وتحمل أوزارها تاريخياً، وعلى الرغم من انتشار القوى الأمنية الشرعية لإنجاز المهمّة والقيام بشيء في المناطق التجريبية. لكنّ الخطر في عملية الإطباق الأمني للعدو على المنطقة، بما يشمل جزّين وصور وصيدا وأقساماً من البقاع الغربي، وفي خطر النزوح مجدّداً.
فمجرّد الاستمرار في الحرب لم يعد حلّاً، وكذلك لا تكفي تحفّظات الحكومة الحذرة غير المفيدة على نزع سلاح حزب الله، بدءاً بالمناطق التجريبية، وإسرائيل تكثّف الحرب في وقت يعلن فيه الحزب رفضه التراجع عن سياساته وتسليم سلاحه للجيش اللبناني، وربّما يخطّط لتصعيد مواجهته، ربطاً برهانه على رؤيته في ورقة التفاهم الإقليمية الباكستانية، التي قد تؤدّي إلى وقف الحرب الأميركية على إيران. لكن لا توجد حالة موثوقة لوقف آلة القتل والدمار الإسرائيلية.

يصطدم حزب الله اليوم بواقع سياسي وديموغرافي وعمراني واقتصادي أكثر سوءاً بكثير من الحروب الماضية

ازداد في الآونة الأخيرة قلق البيئة الشيعية بشأن الاتّجاه الذي يسلكه الحزب، وما إذا كان قد وصل إلى نفق مسدود. وهو مصرّ على أن يسلك طريقه الخاصّة بعد ثلاث سنوات من الحرب، بوصفه محوراً للمقاومة بمعزل عن إرادة الدولة، ولا يزال يقدّم نفسه بديلاً منها. وهو لا يحافظ على ما يمكن إنقاذه، بل يواصل نهجاً تكشف خسائره حدود قدرته في حرب غير متكافئة عسكرياً وتكنولوجياً، ممّا يجعل رصدها وتحييدها أمراً صعباً، مع عدو مستعدّ للذهاب إلى أقصى حدود الإبادة لاستمرار سيطرته على مناطق كان ينسحب منها تقليدياً فور إنهاء المواجهات. وهو ما يعني إظهار أكبر قدر من القدرة على الإيذاء والتسبب بالأسوأ للبنى التحتية والمنازل والسكّان. فإسرائيل تدرك أنّ أيّ اتفاق مع لبنان لن يكون تحقيقه ممكناً فعلياً بواسطة الدولة غير القادرة على نزع سلاح الحزب، ولا يحمل الحديث عن السلام الذي يُرسم مع لبنان بالنسبة إليها سوى عنوان المناورة الدبلوماسية. في المقابل، الخيار الممكن عملياً بالنسبة إلى الدولة اللبنانية هو الإقرار بفشل جهودها في استئناف مسار التفاوض من دون التحكّم بقرارها السلمي والعسكري، والاكتفاء بالتحوّط لحماية المناطق وإدارتها. إنّه الإقرار الواقعي بمأزق الصراع، والوضع المستحيل الذي يجد لبنان نفسه فيه اليوم، ولا تفتح المقاربات الحالية أفقاً لأيّ ديناميات جديدة من دون وقف الحرب والتمتّع باستقرار حقيقي.
وهذا يستلزم اعتراف الحزب بالمسؤولية، وهي فرصة لاستراحة المحارب، والمراجعة الدقيقة للحرب ولعواملها وافتراضاتها القائمة على وهم السيطرة والقدرة على التحكّم بها. وهو ما عبّر عنه نداء ثانٍ صادر عن أهالي النبطية يطالب بانتشار الجيش، متهماً الحزب بالانجرار إلى حرب لم تعد محلّ إجماع شيعي. ويصطدم الحزب اليوم بواقع سياسي وديموغرافي وعمراني واقتصادي أكثر سوءاً بكثير من الحروب الماضية. ويتجاوز النموذج المقلق قدرة الحزب على السيطرة على بيئته وأصواتها المرتفعة ضدّ زعماء الحرب، فيما يعتقد أنّه قادر على احتواء نتائج حرب تتجاوز قدراته، ويرى كاتب هذه السطور أنّ جزءاً منها فُرض عليه بحسابات إيرانية. ولم يعد السؤال عمّا إذا كان يسيطر على هذه الحرب، بل عن كيفية التعايش مع نتائجها.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى