
يستعيد العالم في 11 سبتمبر/ أيلول من كل عام ذكرى الهجمات التي تعرّضت لها الولايات المتحدة عام 2001، بينما تمرّ ذكرى أخرى أكثر قِدَماً وأقل ضجيجاً في الوعي العالمي. إنها ذكرى الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور ألليندي في 11 سبتمبر/ أيلول 1973، حين اجتاح الجنرال أوغستو بينوشيه القصر الرئاسي في سانتياغو بدعم من قوى داخلية وخارجية، وأدخل البلاد في واحدة من أكثر الحِقَب ظلاماً في تاريخ أميركا اللاتينية.
لم يكن الأمر يومها مجرّد تغيير للحكم، بل كان انتصاراً للفاشية العسكرية على تجربة ديمقراطية حاولت أن تشق طريقاً سلمياً نحو العدالة الاجتماعية. تحوّلت تشيلي إلى معتقل كبير، وامتلأت السجون والملاعب بالمعتقلين السياسيين، واختفى آلاف المعارضين بعد تعذيبهم، وأُلقيت جثث كثيرين منهم في البحر كي تُمحى آثار الجرائم. كانت تلك السنوات درساً قاسياً في قدرة الاستبداد على تحويل الدولة إلى آلة منظمة للرعب.
لكن الزمن لا يتوقف عند الطغاة. فقد تمكّن التشيليون، بعد سنوات طويلة من النضال، من التخلص من حكم بينوشيه واستعادة الديمقراطية عام 1990. وتعاقبت على إدارة البلاد حكوماتٌ من اليسار المعتدل واليمين الوسطي، ضمن نظام سياسي نجح، رغم عثراته، في الحفاظ على التداول السلمي للسلطة وعلى قدر من التوافق الوطني حول رفض العودة إلى الديكتاتورية.
الذاكرة ليست ترفاً أخلاقياً، بل شرط أساسي لحماية المستقبل من عودة الاستبداد بأقنعة جديدة وصناديق اقتراع جديدة
لكن العقود الأخيرة حملت مفاجآت لم يتوقعها كثيرون، فمع صعود الموجة الشعبوية العالمية، وخصوصاً بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، شهدت أميركا اللاتينية تحولاً لافتاً. تلك القارة التي عرفت في مطلع الألفية الثالثة ما سُمّي “المد الوردي” وصعود حكومات يسارية في بلدان عديدة، بدأت تنزلق تدريجياً نحو اليمين المتطرف. ففي الأرجنتين وصل خافيير ميلي بخطابه الشعبوي. وفي السلفادور أصبح نجيب بوكيلي نموذجاً لحاكم يخلط بين الشعبوية والتركيز المفرط للسلطة. وفي البرازيل كاد بولسونارو أن يرسخ مشروعاً يمينياً متطرفاً لولا عودة لولا دا سيلفا إلى الحكم، مع بقاء شبح اليمين حاضراً بقوة واحتمال عودته قائماً في أي استحقاق انتخابي مقبل. أما تشيلي نفسها، فقد شهدت صعود شخصيات سياسية تتبنّى خطاباً قومياً متشدّداً وتتعامل بخفة مع إرث الديكتاتورية. خرج بعضهم بخطاباتٍ شعبويةٍ نجحت في استقطاب جمهور واسع، إلى درجة أن قطاعات من الناخبين بدت كأنها نسيت جرائم النظام العسكري الذي لم يتردّد هؤلاء في تبرير بعض ممارساته أو التقليل من فظاعتها. وفي الأرجنتين أيضاً، عاد الجدل حول إرث العسكر والانقلابيين، وبدأت ترتفع أصوات تسعى إلى إعادة كتابة التاريخ أو التشكيك بأحكام العدالة الانتقالية التي أُقرّت بعد سقوط الديكتاتورية.
اللافت أن هؤلاء المتطرفين لم يصلوا إلى السلطة عبر الدبابات أو الانقلابات أو المؤامرات التقليدية، بل عبر صناديق الاقتراع نفسها. وهنا يبرز سؤالٌ يطرحه كثيرون: كيف يمكن لمن يؤمن بالديمقراطية أن يدين خياراً اتخذه جزءٌ من الشعب بحرية؟ … في الظاهر يبدو الأمر تناقضاً، لكنّه في الحقيقة ليس كذلك. فالديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع. الديمقراطية منظومة قيم ومؤسّسات وثقافة سياسية. وهي تقوم على احترام الحقوق والحريات، وعلى استقلال القضاء، وعلى التعددية، وعلى حماية الأقليات.
كما أن الديمقراطية الحقيقية تحارب الشعبوية التي تبني نفوذها على الخوف والكراهية والسرديات المبسطة والحلول السحرية. وهي تعتمد على الوعي والتثقيف والمشاركة والإدماج، لا على الخطابات الرنانة التي تعد المواطنين بكل شيء ثم لا تقدم لهم سوى المزيد من الانقسام.
يحتاج السوريون اليوم إلى ذاكرة حيّة لا تتحول أداة للانتقام، ولا تسمح، في الوقت نفسه، بتبييض الجرائم أو نسيان أسباب الثورة
قد يقول قائل إنّ تلك الجرائم وقعت قبل أربعين أو خمسين عاماً، وإن الأجيال الجديدة لم تعش تلك المراحل، فمن الطبيعي أن تصوت بناءً على همومها الاقتصادية والمعيشية الراهنة. وقد يكون في هذا الكلام شيء من الصحة، لكنه لا يصلح تبريراً كاملاً. ففي تشيلي والأرجنتين وغيرها من بلدان أميركا اللاتينية تنتشر متاحف الذاكرة، والنصب التذكارية، والوثائق، والشهادات، والكتب التي توثق ما جرى. التاريخ ليس سرّاً مخفياً في الأدراج. إنه حاضر في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام. لكن الشعبوية تمتلك قدرة هائلة على تحويل الذاكرة إلى عبء، وعلى إقناع الناس بأن المستقبل أهم من الماضي، حتى عندما يكون الماضي مليئاً بالدروس التي لا يجوز تجاهلها.
أما في سورية، فالصورة مختلفة وأكثر تعقيداً. فلا ديمقراطية بعد، ولا عدالة انتقالية حقيقية، ولا توافقاً وطنياً على كيفية مواجهة إرث الاستبداد. وفي المقابل، يتسع حضور الخطاب الشعبوي على ألسنة بعض الممجّدين، أو ما بات يُطلق عليهم شعبياً اسم “المطبلين”، الذين يحاولون اختزال المأساة السورية في شعارات وهتافات ومواقف انفعالية. … يحتاج السوريون اليوم إلى ذاكرة حيّة لا تتحول أداة للانتقام، ولا تسمح، في الوقت نفسه، بتبييض الجرائم أو نسيان أسباب الثورة. فالشعب لم يخرج إلى الشوارع من أجل زعيم جديد أو شعار جديد أو دعاية جديدة. خرج من أجل الحرية والكرامة والعيش الكريم. وهذه الأهداف لا تزال صالحة اليوم كما كانت يوم انطلقت الثورة.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس أن يُهزم مرة، بل أن ينسى لماذا ناضل أصلاً. وبين تشيلي الأمس وسورية اليوم، يبقى الدرس واحداً: الذاكرة ليست ترفاً أخلاقياً، بل شرط أساسي لحماية المستقبل من عودة الاستبداد بأقنعة جديدة وصناديق اقتراع جديدة وخطابات أكثر براعة في الخداع.
المصدر: العربي الجديد






