قيس سعيّد وولادة الشعبوية الفوضوية

رفيق عبد السلام

تعتبر ظاهرة قيس سعيد، في وجه من وجوهها، إحدى ارتدادات الثورة التونسية التي أعلت مفاهيم الشعب والسيادة، ورفعت شعارات الحرية والكرامة والتحرير والإرادة، كما أقحمت الجماهير، بكل فورانها وتناقضاتها وتوتّراتها، في قلب الحياة السياسية بعد غياب أو تغييب طويلَين، فالثورة، بقدر ما فتحت إمكان ديمقراطية جمهورية، بقدر ما فتحت إمكان دكتاتورية شعبوية مغلفة بالثورة ومقولات التحرير والشعب والسيادة. وبهذا المعنى، قيس سعيّد هو إحدى ارتدادات ثورة غير مكتملة، لم تعالج مشكلات القلق الاجتماعي والغضب الشعبي الناتجَيْن عن شعور جماعي بأن الثورة لم تحقق الأهداف المرجوّة منها، سواء على صعيد الاستقرار السياسي أم على صعيد الاقتصاد والتنمية والرفاه العام، فقد راكمت خيبات ما بعد الثورة حضور البعد النفسي-الاجتماعي في شكل شعور عام بالإحباط والضيق والتبرم، ولقي هذا الشعور العام استجابة من طرفٍ محرّض كبير معادٍ للديمقراطية والتوافق والنخبة وكل الأجسام الوسيطة، ومتعطش للاستحواذ والهيمنة.

كان هناك ضجر اجتماعي منذ مرحلة ما قبل الثورة، بل كان ذلك إحدى أهم العوامل المحركة للانتفاضة/ الثورة، وتعمّق هذا الشعور أكثر في مرحلة ما بعد الثورة، تناسباً مع ارتفاع مقدار الطموحات والانتظارات من جهة، وتزايد التعثرات والإخفاقات من جهة أخرى.

لا يوجد تعريف موحد للظاهرة الشعبوية، شأنها في هذا شأن المفاهيم الكبرى التي انتظمت في الفكر السياسي الحديث، وتعود هذه الصعوبة إلى أن الشعبوية غير قابلة للحد والضبط بصورة واضحة. وهي، عند التحقيق، شعبويات متعدّدة وليست على نمط واحد أو صورة واحدة، كما أنها ظاهرة متحرّكة وليست حالة ثابتة يمكن الإمساك بخصائصها “الجوهرية والكلية”. ولكن هذا لا ينفي أنها قابلة للتعريف أو النمذجة المثالية (Ideal Type)، وفق الاستخدام الفيبري (ماكس فيبر) للكلمة، استناداً إلى جملة من الخصائص والسمات المشتركة.

فبالنسبة لأرنست لاكلو، مثلاً، لا يمكن النظر إلى الشعبوية من خلال الأيديولوجيا التي تبشّر بها، هذا إن كانت لها أيديولوجيا أصلاً، أو من خلال الشعارات الصاخبة التي ترفعها، بل باعتبارها استراتيجية خطاب وتحشيد تحت عنوان التعبير عن هوية مشتركة اسمها “الشعب”، في مقابل نخبة موصوفة بالفساد والانحراف وعدم تمثيل الشعب. وجرياً على المنوال نفسه تقريباً، ترى شنتال موف أن الشعبوية، وتقصد هنا تحديداً الشعبوية اليسارية، تقوم على استدعاء ثنائية “الصديق والعدو” وفق رؤية الفيلسوف والحقوقي الموصوف بالنازية كارل شميت. ولذلك تعدها، في وجه من وجوهها، ظاهرة صحية تفتح إمكان التغلب على تشوهات النظام الديمقراطي وجموده، اللذين تحولا، بعامل الوقت، إلى مجرد منافسة شكلية بين الأشباه والنظائر، في غياب الخطوط الفاصلة جدياً بين اليمين واليسار، خصوصاً مع صعود الليبرالية الجديدة؛ أي أن هذا النمط من الشعبوية يحمل في داخله قابلية معالجة أمراض النظام الديمقراطي المنهك، باتجاه إقامة ما تسميها “الديمقراطية الراديكالية”.

وعلى سبيل الجملة، يمكن القول هنا إن الشعبوية ليست مجرد سلوك سياسي طارئ، بل هي إعادة صياغة أخلاقية للسياسة، ولك أن تقول: أخلاقية مخادعة لا تترجم على أرض الواقع، وذلك من خلال تحويل الخلاف الفكري أو الصراع حول المصالح في المجتمع إلى صراع بين معسكري الخير المطلق والشر المطلق. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى المعارض السياسي منافساً أو صاحب رأي مخالف، بل فاسداً وخائناً وعميلاً ومتآمراً، إلى غير ذلك من قاموس القدح والذم. وهو، إلى هذا، يشكل تهديداً لإرادة “الشعب الأخلاقي المتجانس”.

شعبوية سعيّد ثأرية، نشأت وترعرعت في ظلّ مزاج عدواني، مع هشاشة نظام ديمقراطي ناشئ لم يستكمل بناءه

وتحمل هذه اللعبة السياسية اللغوية في طياتها رهاناً على تحصين الشعبوية من النقد الذاتي ورمي إخفاقاتها على الآخرين؛ فكل خلل سياسي أو إخفاق تنموي أو اقتصادي يُعزى فوراً إلى تآمر النخبة “الفاسدة” والخونة والمندسين والمتآمرين، ما يعفي السلطة الشعبوية من المحاسبة والتقييم أو تقديم برامج عقلانية قابلة للتقييم والمحاسبة. وهو المنحى نفسه الذي ينتهجه سعيّد، إلى درجة أن أصبح مكوناً بنيوياً ثابتاً في نظامه السياسي، فمشكلات تونس السابقة تحولت إلى مآزق كبرى في عهد سعيّد، ومن ذلك العجز عن توفير الماء والكهرباء والدواء وأبسط حاجيات الحياة، الذي لا يُعزى إلى فشل في التدبير السياسي والاقتصادي من جهته، بل إلى جيش المتآمرين المخفيين.

قد يتشابه نظام سعيّد في وجوه كثيرة مع الشعبويات السائدة، ولكنه يمثل حالة خاصة تختلط فيها الشعبوية بالفوضوية والاعتباطية، وتجتمع فيه الروح الثأرية بالتسلطية الفجة، فهذا النظام يجمع بين شكلانية رجل القانون والسياسي المتمرّد على القانون، ومن تقديس الشعب وتغييب الشعب، ومن الثناء على الحكم المحلي ومركزة السلطة بين يديه، ومن حديث عن الطهر والنزاهة وارتفاع منسوب الفساد في حقبته أكثر من أي وقت مضى، ومن إدارة الموقع السياسي الأول في البلاد مع سبّ السياسيين وشتمهم، ومن ممارسة الحكم واحتكاره والقيام بدور المعارض في الوقت نفسه.

بلغة أخرى، سعيّد هو مركّب فكري وسياسي غير متجانس، يجمع بين الشيء ونقيضه، حتى إنك لا تستطيع أن تمسك موقفاً واضحاً أو خطاباً منسجماً. نظامه يحمل الكثير من مواصفات الشعبوية “التقليدية”، ولكنها تظل شعبوية ذات بصمة تونسية وعربية خاصة، ذات أبعاد سلطوية. نعم، يلتقي سعيّد مع الشعبوية، سيّما من جهة التغنّي بمقولات السيادة والشعب والأمة وكراهية النخب والأحزاب، ولكنّه يختلف عنها في أنه ليس مجرّد صوت احتجاجي ضد تشوهات النظام الديمقراطي وانحرافاته أو محاولة لإصلاحه من الداخل، بل يحمل تصميماً على نسفه من القواعد، بخلفية تأسيس مشروع عالمي وهمي لتونس وإلى كل العالم ولعموم البشرية، على ما يقول، كما أنه لا يرى مانعاً في استخدام الأدوات العنيفة للدولة للفتك بخصومه ومنافسيه، عبر استخدام القضاء وأدوات الدولة العنيفة وسوقهم إلى السجون. فشعبوية سعيّد ثأرية، نشأت وترعرعت في ظل مزاج عدواني، مع هشاشة نظام ديمقراطي ناشئ لم يستكمل بناءه، ولم يكتسب إجماعاً بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. ديمقراطية بدأت تتلمس طريقها تدريجياً نحو الرسوخ، ولكنّها لم تتوفر على المخالب والأنياب التي تتيح لها الدفاع عن نفسها وحماية وجودها من المهدّدات، ولم يتشكل إجماع من حولها. ولذلك بدا الأمر في البداية وكأنّ الشعب وقواه السياسية والاجتماعية قد استسلموا، طوعاً أو كرهاً، لإرادة شخص واحد وضع نفسه فوق الدستور والمؤسّسات والأعراف السياسية.

النخبة زهدت في الدستور والديمقراطية والمؤسّسات بزعم تشوهها أو “فسادها”، مقابل عرض “شعبوي”، المجهول فيه أكثر من المعلوم

في هذه الأجواء القلقة، صعد نجم “الزعيم المخلص”، بما منحه أدواراً استثنائية في وضع استثنائي، على أنقاض أحزاب وطبقة سياسية منفلتة من عقالها ومتصارعة فيما بينها، ومؤسّسات ضعيفة وهشة، سيّما وأن هذا المشهد المضطرب والقلق قد قوّى الحاجة إلى استقرار مفقود. وقد قابله، على الجهة الأخرى، عرض من شخص ديماغوجي نابذ للأحزاب والأجسام الوسيطة والتوافقات السياسية، وكل ما له صلة بالتجربة الديمقراطية المشيطنة، بل بعالم السياسة وأعرافها المعهودة.

ما حصل هنا أن هذه الأرضية السياسية-الاجتماعية وجدت عرضاً قوياً من “المحرّض الأكبر” أو “المهيّج الأكبر” الذي يستثمر في فورات الغضب والأزمات، وكأنّ المشهد أصبح هنا أشبه ما يكون بحفل هيجان جماعي بين المهيّج الأكبر وجمهوره الهائج، في إطار نظام سياسي يقوم على خليط من الغضب والنقمة والرغبة في التشفي والانتقام ونسف كل ما راكمته الثورة.

والحقيقة أنه لا يمكن تفسير الأمر بمجرّد غياب العقلانية من تفكير الجمهور وسلوكه، ولا تحميله مسؤولية ركوب الموجة الفوضوية، بقدر ما يمكن تحميل المسؤولية في ذلك، بدرجة أولى، للنخب التي لم تترفق بتجربة ديمقراطية ناشئة، ولم تصبر على صعوباتها وأخطائها، بل خيّرت، بدلاً من هذا، انتهاج سياسة إسقاط السقف على رؤوس الجميع، لصالح نموذج مغامر وغامض. ما حصل أن النخبة زهدت في الدستور والديمقراطية والمؤسّسات بزعم تشوهها أو “فسادها”، مقابل عرض “شعبوي”، المجهول فيه أكثر من المعلوم.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى