
لم يكن اعتراف رئيس كولومبيا الجديد أبيلاردو دي لاإسبيريلا بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل مفاجئاً تماماً، فانتخابه، في جزءٍ كبير منه، كان نتيجة حملة أميركية بقيادة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ضد التيار اليساري التقدّمي الذي ينتمي إليه رئيس كولومبيا السابق، غوستافو بيترو، المعروف بدفاعه عن حقوق الشعب الفلسطيني وإدانته المشروع الاستعماري الصهيوني الساعي إلى فرض الهيمنة على شعوب المنطقة، فمواقف لاإسبيريلا اليميني المتطرّف المحابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى درجة التذلل والذيلية المفضوحة، أدّت إلى إطلاق لقبه الساخر “نمر ترامب”، فهو على استعداد لفعل كل ما يرضي ترامب، وممثله في حربه على اليسار في أميركا الوسطى والجنوبية ماركو روبيو.
لن يكون اعتراف العهد اليميني في كولومبيا بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان المحتلة منذ 1967، آخر المواقف المشابهة المتماهية تماماً مع الترامبية، فقد كان تعيين ماركو روبيو وزيراً للخارجية فور تولي ترامب ولايته الثانية عام 2025 بهدف واضح منذ البداية، فهو معروف بعلاقاته الواسعة مع أحزاب (وتيارات) اليمين في أميركا اللاتينية وعدائه الرؤساء فيها المعادين لإسرائيل والمناصرين للقضية الفلسطينية. عليه، جاء تعييته بداية لمعركة لإعادة فرض هيمنة أميركية كاملة على أميركا الوسطى واللاتينية.
من وجهة ترامب وروبيو وفريق البيت الأبيض، يضرّ صعودُ اليسار ومناوأته لإسرائيل وتمرّده على الإملاءات الأميركية بهيبة أميركا ويفتح ثغرات لاختراق الصين للأميركيتين الوسطى والجنوبية. أي عملياً؛ أعاد ترامب العمل بـ”مبدأ (الرئيس الأميركي جيمس) مونرو، الذي يعتبر أي نفوذ لقوة أخرى في أميركا اللاتينية عملاً عدائياً، يبيح التدخل في البلدان جنوب الولايات المتحدة. ثم جاء الرئيس دوايت أيزنهاور وطوّر المفهوم إلى مبدأ يتيح التدخل بأي طريقة في هذه الدول لمنع خروجها عن سياسة واشنطن ومصالحها. ولكن الترامبية ليست منفصلة عن تاريخ التدخل الدموي وتمويل حملات انتخابية لإسقاط مرشحين ورؤساء يسعون إلى سياسات مستقلة عن واشنطن، فمن الانقلاب على رئيس تشيلي المنتخب سلفادور أليندي عام 1973، وتمويل “كتائب الموت” في أميركا الوسطى في عهد الرئيس رونالد ريغان في الثمانينيات، وصولاً إلى خطف ترامب رئيس فنزويلا المنتخب نيكولاس مادورو في يناير/ كانون الثاني الماضي، ما أدّى إلى إدارة أميركية للبلد وثرواتها بتعاون وخضوع جزء من فريق مادورو الذين كانوا على تنسيق مسبق ومباشر مع روبيو، أو قدّموا مصالحهم الشخصية على المصالح الوطنية.
واضحٌ أن ترامب أراد بطريقته الاستعراضية بخطف مادورو وإدارة فنزويلا كأنها ملكية لواشنطن وملكية له بعْث رسالة إلى رؤساء أميركا اللاتينية وشعوبها أن مستقبلهم مرهون بخضوعهم للسياسة الأميركية، بما في ذلك دعم واشنطن إسرائيل.
موقف لاإسبيريلا لا يتلخص بالموقف من سيادة سورية، بل هو موقف من القضية الفلسطينية وتأييد صارخ لإسرائيل
وهنا لا بد من التذكير والتوضيح أن هناك ربطاً واضحاً بين الالتزام بالقضية الفلسطينية ودفاع زعماء في أميركا اللاتينية عن سيادة بلادهم ورفضهم استباحة أميركا ثروات بلادهم، وهذه ليست صفة لاتينية، بل صفات من يلتزم بقضايا السيادة والتحرّر الوطني بالتضامن الأممي ضد استعمار الشعوب، مساندة لتحرّرها.
أسوق ما تقدّم مع الإقرار بأن غياب الحريات وحقوق المواطنة الحقيقية دائماً ما تتيح أو تعطي ذريعة للتدخل الأجنبي، وهذا ما حدث في فنزويلا، ومع أن هذه الحقيقة ليست موضوع هذا المقال، لا بد من الاعتراف بها وفهمها والاستفادة من عبرتها.. فلا تحرّر وطنياً صلباً ومستداماً بدون إتاحة الحريات وإرساء أسس حقوق المواطنة والمساواة. وليس المقصود هنا تبرير خطف مادورو أو حملة التهديدات الأميركية المكشوفة التي نجحت في إسقاط تيارغوستافو بيترو من رئاسة كولومبياـ مع فارق واضح لمستوى الحريات في فنزويلا مادورو وكولومبيا بيترو، لكن الرسالة إلى الجميع في أميركا اللاتينية أو أبعد.
عودةً إلى اعتراف كولومبيا بـ”سيادة إسرائيل” على هضبة الجولان السورية، جاء في لحظة يبدو أن واشنطن أرادت بعث رسالة إلى الرئاسة والشعب السوريين أن التخلي عن الجولان كاملاً هو الشرط الأساس لأي اتفاق “قد يمنع” الاعتداءات ضد سورية أو استباحة أراضيها، فكما العادة في اختراق إسرائيل سيادة الدول المحيطة أو استمرارها في مشروعها الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، لن يكون هناك التزام أميركي بكبح سعي إسرائيل إلى الهيمنة أو التوسع بحجة “حماية” أمنها كما تحدده هي وحدها. حتى لو قبلت سورية، وهو أمر غير مقبول، بالتخلي عن الجولان، فلا يعني هذا انسحابات إسرائيلية من المناطق التي غزتها منذ الأسبوع الأول بعد إسقاط نظام الأسد، فرؤيتها الأمنية المتجددة جدّية في إقامة مناطق عازلة وجعل سورية تحت وصايتها، كما تفعل في لبنان وتستمر هي وأميركا بفرض شروط على الأردن لحماية المصالح الأميركية والإسرائيلية، بالرغم من معاهدة وادي عربة الموقعة بين إسرائيل والأردن عام 1994.
الرهان على سلام مع إسرائيل يعني المضي نحو الخضوع لوصاية دولة استعمارية لم تعُد تعرف أي حدود لتمدّدها ووحشيتها
المهم هنا أن “نمر ترامب” الكولومبي لاإسبيريلا سارع إلى الاعتراف بالجولان “جزءاً من إسرائيل”، في تبعية فاضحة لواشنطن، وهذه مجرد بداية، إذ أعلن في يوليو/ تموز الماضي إلغاء خطط إنشاء سفارة فلسطينية في كولومبيا. وكما نشاهد في فنزويلا، فإن وجود الأمن وخبراء الجيش الإسرائيلي وظهورهم بطريقة علنية مقصودة في كاراكاس يعني أن فنزويلا أضحت ساحة أميركية مستباحة وتابعة لواشنطن وتل أبيب، فموقف لاإسبيريلا لا يتلخص بالموقف من سيادة سورية، بل هو موقف من القضية الفلسطينية وتأييد صارخ لإسرائيل من كولومبيا التي واجهت سابقاً بشجاعة الإبادة الصهيونية ضد أهل غزّة والفلسطينيين، إلى كولومبيا تسعى، بل في الطريق إلى الانضمام لمنظومة أمنية عسكرية أميركية إسرائيلية في أميركا اللاتينية.
قد تكون شخصية لاإسبيريلا تجعله أكثر فجاجة في ذيليته لترامب، فهو شخصية وقحة إلى حدّ أنه أنهى مفاوضات مع مجموعات كولومبية مسلحة تعود جذورها إلى حركة قوات الجيش الشعبي الثوري لكولومبيا (حركة الفارك) لمقاومة الاستغلال والتبعية، ولم يكتف باستئناف عمليات عسكرية ضدها، فنشر صوره مع جثث لمقاتلين من الحركة، كما يتباهى الصيادون بصورهم مع فرائسهم، فلا حدود لاستعراضه وقيمه الفاشية. واتضح أن مؤسسة مبادرة السلام، التي أسسها، وبالأدلة التي عرضت في محكمة في كولومبيا عام 2011، لا علاقة لها بالسلام، بل بتأسيس مليشيات يمينية مسلحة متورطة في عمليات خطف وتعذيب لمن يعارضها من الكولومبيين، لكن نفوذ لاإسبيريلا وأمواله نجحا في وقف التحقيق الذي اقترب من كشف الجرائم كاملة.
اختارت واشنطن شبيهاً بالقادة الصهاينة من حيث إيمانه باستعمال القوة وتوجهه الفاشي نحو الشعب الكولومبي خدمةً لمصالح فئات ترى في واشنطن مركزاً لدعمها والتستر على فضائحها وجرائمها، وليس هذا جديداً في تاريخ الولايات المتحدة، لكنه تحول إلى صعود يمين يدعم إسرائيل بلا حدود في أميركا اللاتينية. لكن الرسالة الأهم إلى القيادة السورية والأنظمة العربية أن من يراهن على دعم أميركا يخسر، وأن الدعم الحقيقي يأتي من بناء مجتمعاتٍ ديمقراطيةٍ تضمن الحرّيات والحقوق. أما الرهان على سلام مع إسرائيل فيعني المضي نحو الخضوع لوصاية دولة استعمارية لم تعُد تعرف أي حدود لتمدّدها ووحشيتها.
المصدر: العربي الجديد






