
في عام 1994، وبعد إسقاط طائرة الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا، انفجرت رواندا في واحدة من أكثر المآسي دموية في التاريخ الحديث. خلال نحو مئة يوم، قتل ما يقارب ثمانمئة ألف شخص، كان معظمهم من التوتسي، إلى جانب هوتو معارضين ومعتدلين.
كانت البلاد تعيش منذ سنوات انقساما حادا بين الهوتو والتوتسي، وتحولت الخلافات السياسية والاجتماعية إلى صراع دموي تغذيه الكراهية والتحريض والرغبة في الانتقام. ومع انهيار مؤسسات الدولة، أصبح الإنسان مهددا بسبب هويته، وتحولت البلاد إلى مسرح للقتل الجماعي.
لكن رواندا أدركت، بعد الكارثة، أن استمرار منطق الثأر لن يؤدي إلا إلى كارثة جديدة. لذلك اتجهت إلى مسار مختلف: وقف الانتقام، وإشراك مختلف المكونات في الحياة السياسية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وتشجيع ثقافة الاعتراف بالذنب والعفو والمصالحة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ثم التوجه تدريجيا نحو نظام سياسي يقوم على الانتخابات.
لم تكن المصالحة سهلة، ولم تختف آثار المجازر بمجرد انتهاء القتال. لكنها قامت على فكرة أساسية: لا يمكن بناء وطن إذا بقي كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره عدوا دائما، ولا يمكن للدولة أن تستعيد عافيتها إذا بقي السلاح بديلا عن القانون.
وهنا تبدو التجربة الرواندية جديرة بالتأمل في الحالة السورية.
سوريا لا تحتاج إلى جولة جديدة من الانتقام، ولا إلى تحويل المكونات السورية إلى جماعات تتربص ببعضها. تحتاج إلى دولة يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، وإلى سلطة تضم مختلف المكونات ولا تقوم على إقصاء أحد، وإلى وقف الثأر والعقاب الجماعي، ومحاسبة كل من ارتكب جريمة باعتباره فردا مسؤولا أمام القضاء، لا باعتباره ممثلا لطائفة أو قومية أو منطقة.
والخطوة الأهم هي أن تعود السياسة إلى مكانها الطبيعي: المؤسسات، والقانون، والحكومة، والانتخابات. فالسلاح لا يستطيع أن يصنع وطنا، والثأر لا يبني دولة، وإقصاء مكون كامل لا يؤدي إلا إلى إنتاج مآس جديدة.
ربما لا يمكن نقل تجربة رواندا إلى سوريا كما هي، فلكل بلد تاريخه وتركيبته وظروفه. لكن هناك درسا واحدا يصلح للجميع: حين يتحول الوطن إلى ساحة للانتقام، يخسر الجميع، وحين تصبح الدولة والقانون فوق الجميع، تبدأ إمكانية النجاة.






