محددات تحويل رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب إلى فرصة

  عبد الله تركماني

بعد رفع سوريا من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وكذلك رفع العقوبات الأوروبية، تتفكك منظومة قانونية لتسهيل تعامل المؤسسات والشركات الغربية مع سوريا، مما يفتح في المجال لطمأنة المصارف والمستثمرين للمساهمة في إعادة الإعمار، بعد التحقق من المستفيدين بحيث لا يكونون مشمولين بقوائم الإرهاب، من خلال تأكُّد المصارف من الأطراف المرتبطة بأي استثمار، بما لا يعني أنّ رفع العقوبات يضمن إزالة الرقابة.

لقد عطّل وجود سوريا على القائمة، منذ سنة 1979، اندماجها الاقتصادي في المنظومة الدولية، من بنوك وشركات ومصدّرين ليس في أميركا فقط بل من دول أخرى. مع العلم أنّ اتصال سوريا بشبكة سويفت، التي تنقل الرسائل المالية، لا يكفي للاندماج المصرفي، إلا بعد التحقق من ملكية المتعاملين ومصادر أموالهم، بهدف مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، بهدف توفير الثقة المصرفية.

إنّ إعادة العلاقات المصرفية الدولية مؤجلة ريثما تزول العقبات الداخلية، خاصة التأكد من تسهيل إجراءات التراخيص، وتوحيد نافذة الاستثمار، وضمان تحويل الأرباح، ومعالجة المخاطر والحوكمة الرشيدة.

وقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية “أوضح ترامب أنه يتوقع أن يعقب تخفيف القيود تحرك سريع من جانب الحكومة السورية بشأن أولويات سياسية مهمة كانت قد التزمت بها، وأنّ واشنطن تحتفظ بخيارات عدة، بما فيها صلاحيات عودة فرض العقوبات إذا تراجعت دمشق عن مسارها”. وقد وصف مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توماس باراك قرار الرفع بأنه “علامة تاريخية فارقة”، يمثل خطوة جديدة في انتقال سوريا “من العزلة إلى الشراكة”.

ومن الجدير بالذكر ما قاله الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي “إن قيمة مجموعة من الأحكام الصادرة ضد الجمهورية العربية السورية – في عهد النظام البائد – تتجاوز 2.58 مليار دولار، وتشمل قضايا مرتبطة بمقتل عدد من المواطنين الأميركيين، إضافة إلى قضايا أخرى. إنّ شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يؤدي تلقائيًا إلى إسقاط هذه الأحكام، وبالتالي تبقى مسألة تنفيذها ومعالجة آثارها القانونية قائمة بعد رفع التصنيف”. أي أنّ سوريا لم تخرج بعد من القائمة الرمادية للرقابة المالية الأميركية.

والسؤال هو: كيف يمكن أن تتحول الفرصة إلى استثمارات حقيقية؟

ليس فقط بتوقيع مذكرات تفاهم لا تمثل استثمارًا للتنفيذ، وإنما من خلال توحيد المرجعية الوطنية، التي تحدد المعاملات التجارية بشفافية للتحقق من ملكية المتعاملين في السوق، وأصول المصارف العاملة في سوريا. وأيضًا ضرورة إجراء وجود مؤسسات شفافة، تخضع لمعايير الحوكمة الرشيدة، في مجمل الحياة الاقتصادية، خاصة وضوح التشريعات في المصارف والجمارك والضرائب، وإخضاعها للمساءلة القضائية والرقابة الشعبية، إضافة إلى الاستقرار السياسي والأمني.

بحيث يمكن قبول التحويلات المالية ولكن يصعب تنفيذ الاستثمارات التي تساعد على تشييد البنى التحتية لإعادة الإعمار. إذ إنّ المستثمرين يطلبون قوانين واضحة وإدارة شفافة، والمواطن ينتظر تلبية حاجاته الأساسية في الواقع وليس في إعلانات السلطة الانتقالية فقط. وفي هذا السياق، تكتسب عملية الإصلاح المؤسسي أهمية كبيرة لإحداث انتعاش اقتصادي حقيقي.

ومن جانب آخر فإنّ إعادة العلاقات المصرفية الدولية مؤجلة لريثما تزول العقبات الداخلية، خاصة التأكد من تسهيل إجراءات التراخيص، وتوحيد نافذة الاستثمار، وضمان تحويل الأرباح، ومعالجة المخاطر والحوكمة الرشيدة. كي لا يؤجل اقتناص الفرصة لتحسين بيئة الاستثمار وتوسيع حركة الصادرات والواردات، من خلال سهولة تعامل المؤسسات السورية مع البنوك والمؤسسات الدولية.

 سوريا الجديدة أمام اختبار اقتصادي وأمني، فهل تستجيب السلطة الانتقالية لمتطلبات اقتناص الفرصة لجذب مزيد من الاستثمارات وإعادة التموضع في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو المصالح الاقتصادية.

ليس ذلك فحسب، بل التعاطي مع تحديات البنية التحتية في مجالات التعليم والصحة والنقل والسكن، إضافة إلى تضخم عدد الفقراء وخطف النساء، والمخاطر الأمنية، ومصادرة الحريات العامة من قبل بعض مشايخ السلفية الجهادية. ويخطئ من يعتقد أنّ التحديات الداخلية السابقة الذكر، وضرورة إجراء إصلاحات عميقة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، لا علاقة مباشرة لها بتعظيم فرص الاستثمار وإعادة الإعمار، وصولًا إلى نهضة اقتصادية حقيقية.

ويبدو أنّ المرسوم الذي وقّعه الرئيس المؤقت أحمد الشرع، في شهر حزيران/يونيو الماضي، لطمأنة المستثمرين بتنازلات ضريبية وجمركية، وعدم تقييد تحويل أرباحهم إلى بلدانهم. ويركز المرسوم على دور السلطة في منح تراخيص الاستثمار من المؤسسات المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالرئيس، الأمر الذي يمنحه سلطة كبيرة لتحديد من يمكنه الاستثمار في الاقتصاد السوري. مما يؤدي إلى إعادة إنتاج أسلوب العهد البائد، حين كان فتح أبواب الاقتصاد أمام أطراف بعينها مكافأة على الولاء السياسي. وهكذا، فإنّ رفع العقوبات الأميركية وإزالة العوائق القانونية والسياسية لا تضمن استعادة العلاقات المصرفية وتدفق الاستثمارات، وإنما تتوقف على العمل المؤسسي لاستعادة الثقة.

إننا في سوريا الجديدة أمام اختبار اقتصادي وأمني، فهل تستجيب السلطة الانتقالية إلى متطلبات اقتناص الفرصة لجذب مزيد من الاستثمارات وإعادة التموضع في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو المصالح الاقتصادية.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى