فتحت نهاية حكم الأسد الباب أمام تغيّر واسع في البيئة الإعلامية، وعادت وسائل إعلام كانت تعمل من المنفى أو من مناطق سيطرة المعارضة إلى واجهة المشهد، واستأنفت وكالات دولية عملها من دمشق، في حين وصفت “مراسلون بلا حدود” سقوط الأسد بأنه “أنهى خمسة عقود من القمع العنيف للصحافة”.
وانعكس التحول على مؤشر حرية الصحافة فعلا، ففي تصنيف 2025 جاءت سوريا في المرتبة 177 من أصل 180 دولة، قبل أن تقفز في تصنيف 2026 إلى المرتبة 141، متقدمة 36 مرتبة، في أكبر تحسن سجله المؤشر في ذلك العام، لكن مع ذلك، بقيت المنظمة تصنف وضع حرية الصحافة في سوريا ضمن الفئة “الخطيرة للغاية”، ولا تزال حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
في 13 آذار 2025، نص الإعلان الدستوري على حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة، وفق ما أعلنته لجنة صياغته، وهو ما نقلته وسائل إعلام حكومية حينذاك، منها “الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)“
ثم بدأت وزارة الإعلام العمل على مدونة للسلوك المهني والأخلاقي، وقالت الوزارة في أيلول من العام نفسه، إن النسخة التي كانت قيد النقاش حينذاك تحمل صفة الالتزام الطوعي وغير الملزم بإجراء قانوني، وإنها تستند في جانب حرية الإعلام إلى المادة 13 من الإعلان الدستوري لعام 2025.
لكن في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تضع قواعد عامة للممارسة الإعلامية، بدأت تظهر في الميدان آليات أخرى لتنظيم العلاقة بين الصحفيين والمؤسسات الحكومية، أبرزها المكاتب والمديريات الإعلامية وقنوات التنسيق بين الجهات الحكومية ووسائل الإعلام.
“التنسيق”.. مفهوم بلا تعريف
الحالات التي جمعتها هذه المادة لم تقد إلى “سياسة تنسيق إعلامي” واحدة منشورة تحدد بالتفصيل الحالات التي يتعين فيها على الصحفي التنسيق، والجهة التي يجب أن ينسق معها، وما الذي يشمله التنسيق، ومتى يتحول إلى شرط مسبق للتغطية.
في المقابل، توجد إجراءات حكومية معلنة تتعلق بتنظيم العمل الإعلامي. ففي كانون الثاني 2025، أصدرت وزارة الإعلام تعميماً يقضي بالتنسيق المسبق معها قبل تنظيم أي فعالية إعلامية للحصول على موافقة رسمية. وفي كانون الثاني 2026، أعلنت الوزارة أن الصحفيين الراغبين في دخول سوريا أو ممارسة العمل الصحفي يحتاجون إلى التصاريح الرسمية المطلوبة، ووصفت التنسيق مع الجهات المعنية وتوفير الحماية للصحفيين ضمن أهداف هذه الإجراءات.
لكن هذه الإجراءات لا تجيب بالضرورة عن السؤال الذي يواجه الصحفي في أثناء عمله اليومي، ويحوم حول فكرة هل يحتاج إلى التنسيق لمجرد إجراء مقابلة أو تصوير مكان عام أو الوصول إلى مصدر، أم أن التنسيق يقتصر على الحالات التي تفرضها طبيعة المكان أو المهمة؟
“عنب بلدي”.. محاولات لـ”كسر القشور”
الصحفي ومدير تحرير جريدة “عنب بلدي” علي عيد قال لموقع تلفزيون سوريا إن الصحافة لا تملك دائماً خيار رفض قنوات التنسيق مع السلطات، لأن المعلومة قد لا تكون متاحة إلا عبر “ممر محدد”، ولذلك يحاول الصحفيون، حسب قوله، الوصول إلى المعلومة بشتى الطرق، حتى عندما تفرض بعض الوزارات أو الجهات مرور المعلومات عبر وزارة الإعلام أو موظفين فيها أو عبر العلاقات العامة.
وأضاف أن “عنب بلدي” تنصح كوادرها بالتواصل المباشر مع الوزارات والجهات المعنية، حتى في حال عدم استجابتها، معتبراً أن ذلك ضروري لـ”تكسير القشرة الصلبة التي قد تحيط بالمعلومة”.
وفي حديثه عن المكاتب الصحفية، قال عيد إن المشكلة تظهر عندما تتعامل هذه المكاتب مع المعلومات من منظور ما “يحقق مصلحة المؤسسة” فقط، في حين أن بعض المكاتب لا تجيب عن الأسئلة التي ترى أنها قد تضر بصورة المؤسسة أو الوزارة، مثل الأسئلة المتعلقة بتقييم الخدمات أو المشاريع غير الواضحة للجمهور أو التي تتضمن استفسارات حول انتهاكات محتملة، بينما تستجيب للأسئلة التي ترى أن الإجابة عنها تروّج للمؤسسة التي تمثلها.
غياب التنسيق سبب لإجراء بحق الصحفي
في مدينة سلمية بريف حماة الشرقي، نشأت “جريدة سلمية” كوسيلة إعلام مستقلة بفريق صغير من الصحفيين الشباب لتغطية الأخبار المحلية في المدينة، وهناك اتخذت المسألة شكلاً أكثر مباشرة، إذ قال علي زهرة، وهو مدير تحرير “الجريدة”، إن فريقه لم يحصل على ترخيص من وزارة الإعلام بسبب عدم قدرته على دفع الرسوم المطلوبة، وهو ما جعل العمل الصحفي أكثر عرضة للقيود.
وفي أحدث الوقائع التي حصلت مع فريق “جريدة سلمية”، استُدعيت إحدى مراسلات “الجريدة” إلى مكتب الشؤون الصحفية في حماة، بعد تصويرها مقطعاً عن مدرسة متضررة شرقي حماة، تضمن مقابلة مع مديرة المدرسة نفسها.
يقول زهرة إن سبب الاستدعاء لم يكن وجود خطأ مهني أو معلومة خاطئة في المادة، وإنما غياب التنسيق مع الجهة المعنية في مديرية التربية.
وعُقد اجتماع ضم مسؤولين في المكتب، وآخرين في القطاع الإعلامي بمديرية التربية في حماة، إلى جانب مراسلة الجريدة، ويقول زهرة إن التعامل كان جيداً ومحترماً، لكن الاجتماع انتهى بحرمان “جريدة سلمية” من التنسيق الإعلامي مع الجهات الحكومية لمدة أسبوع، بسبب إجراء المقابلة مع مديرة المدرسة من دون التنسيق مع إدارة التربية.
وتكتسب هذه الحالة أهميتها من طبيعة الواقعة نفسها فالمقابلة، وفق رواية مدير التحرير، لم تتضمن خطأ مهنياً، ولم يكن سبب الإجراء وجود معلومة خاطئة، وإنما عدم التنسيق قبل إجراء المقابلة، أي أن الخلاف لم يكن حول مضمون المادة، بل حول الإجراء الذي سبق إنتاجها.
ما “التنسيق الإعلامي”؟
يُستخدم مصطلح “التنسيق الإعلامي” لوصف إجراءات تنظّم وصول الصحفيين إلى المعلومات والمسؤولين والمواقع الحكومية، عبر مكاتب ومديريات متخصصة، وتشمل طلبات التغطية والمقابلات وتنظيم الدخول والتواصل مع الجهات الرسمية، لكن الحالات التي وثقها معد التقرير تشير إلى اختلاف في تطبيق هذه الإجراءات وحدودها، خصوصاً بين تنظيم الوصول واشتراط الموافقة المسبقة على التغطية.
“تأكد”: التنسيق يُطلب ولا يشترط
تعمل منصة تأكد في مجال التحقق من المعلومات، وهو عمل يجعل سرعة الوصول إلى المصادر الرسمية عاملاً مهماً في التحقق من الادعاءات المتداولة.
الصحفي ومدير منصة “تأكد”، أحمد بريمو، قال لموقع تلفزيون سوريا إن المنصة لم تواجه سابقاً اشتراط التنسيق المسبق باعتباره عائقاً مباشراً، لأن تواصلها يتم غالباً عبر تطبيقات المراسلة، لكن المشكلة، بحسبه، تكمن في صعوبة الوصول إلى بعض المصادر الرسمية، لدرجة الاضطرار أحياناً إلى اللجوء لأصدقاء وزملاء ومجموعات في تطبيقات المراسلة للحصول على رقم مسؤول أو جهة حكومية.
ويرى بريمو أن المطلوب آلية أوضح، تحدد مسؤولين أو مكاتب إعلامية أو أرقاماً مخصصة ومفتوحة للصحفيين، لأن ذلك يضمن حق الصحفي في الوصول إلى المعلومة، وبالتالي حق المواطن في الوصول إليها.
لكن بريمو يضع فاصلاً واضحاً بين طلب التنسيق واشتراطه، إذ قال: “يمكن أن تطلب التنسيق قبل التغطية، لكن لا يحق لها أن تشترط التنسيق.. والفرق كبير بين الأمرين”.
وبحسب هذا التصور، يمكن أن يشمل التنسيق ترتيب مقابلة مع مسؤول، أو الدخول إلى موقع حكومي أو منطقة تخضع لقيود أمنية، أو الحصول على وثائق ومستندات، أما اشتراط موافقة حكومية مسبقة قبل تناول قضية عامة، أو طلب معرفة ما سينشر والموافقة عليه، أو تحديد الأشخاص الذين يمكن مقابلتهم والأسئلة التي يمكن طرحها، فينقل الأمر، بحسب بريمو، من التنسيق إلى “التدخل في الاستقلال التحريري، ويرقى إلى شكل من أشكال الرقابة المسبقة”.
وتظهر مشكلة أخرى في تجربة “تأكد” وهي تأخر رد بعض المصادر الرسمية، أو عدم تلقي رد أصلاً على أسئلة تتعلق بادعاءات أو معلومات متداولة، وقد يرتبط التأخير أحياناً بانتظار موافقة جهة أعلى، وهو ما يدفع بريمو للاعتقاد أن غياب سرعة الاستجابة والشفافية يترك مساحة أكبر لانتشار المعلومات الخاطئة والمضللة، ويعطل عمل الصحفيين ومدققي المعلومات، وفق ما قاله لتلفزيون سوريا.
ولهذا، يرى أن النموذج الأكثر توازناً هو أن يقتصر دور الجهة العامة على تنظيم الوصول إلى مؤسساتها، وتسهيل التواصل مع المسؤولين والمصادر والوثائق، من دون أن يتحول ذلك إلى شرط مسبق للتغطية أو تدخل في العمل التحريري.
“نون بوست”: التنظيم شيء والتدخل شيء آخر
أحمد حذيفة، مدير تحرير “نون بوست”، قال لموقع تلفزيون سوريا إن تعامل الجهات الحكومية مع فريق المؤسسة جيد بصورة عامة، وإن الموقع نادراً ما واجه “عرقلة متعمدة” للتغطية، لكن ذلك لا يعني غياب المشكلات، فبعض المسؤولين لا يستجيبون لطلبات اللقاء، وقد يكون السبب السفر أو ضغط العمل، بينما يتعقد التواصل أحياناً بسبب اعتماد المنسقين الحكوميين على تطبيقات “واتساب” و”تلغرام”، بما يؤدي إلى تجاهل الرسائل أو رؤيتها بعد انتهاء الحاجة إلى التواصل.
كما واجه مراسلو الموقع، بحسب حذيفة، حالات استثناء من مؤتمرات صحفية أو فعاليات من دون معرفة الأسباب، وهو ما يرى فيه غياباً للشفافية حتى إذا كانت الأسباب تنظيمية، أما الحالات الأشد، فيقول إن مسؤولين في وزارات طلبوا من الموقع حذف مواد منشورة، أو طلبوا عدم بث مقابلات أُجريت معهم في اللحظة الأخيرة، وهو ما يمكن النظر له على أنه محاولة تحكم بالمحتوى.
في المقابل، لا يرى حذيفة أن كل إجراء حكومي يتعلق بالصحفي يمثل تدخلاً، فهو يتفهم التحقق من الهوية، والاعتماد، والتفتيش الأمني، وتحديد أوقات الدخول والخروج، وحماية الوثائق السرية، ومنع التصوير في نقاط أمنية محددة، وتنظيم أعداد الصحفيين في الفعاليات، شرط أن تتم هذه الإجراءات بصورة متناسبة ومعقولة، أما الحد الفاصل بين التنظيم والتقييد، فيضعه حذيفة عند طريقة إنتاج المادة الصحفية.
فبحسب حذيفة، ينبغي أن يبقى للصحفي الحق في اختيار من يحاوره، والأسئلة التي يطرحها، والمعلومات التي يتحقق منها، والمصادر البديلة التي يستعين بها، والزوايا التي يتناول منها القصة، والمصطلحات التي يستخدمها، وقرار النشر أو عدمه، ويشمل ذلك أيضاً حق الصحفي في الوصول إلى مصادر مستقلة وغير رسمية وموظفين وخبراء وشهود ووثائق، وعدم اشتراط تقديم الأسئلة مسبقاً أو عرض المادة على المسؤول قبل نشرها.
“المدن”: المشكلة تبدأ عندما يتحول التنسيق إلى شرط
من جهته، لا يرى واصل حميدي، مراسل جريدة المدن في دمشق، أن مفهوم التنسيق الإعلامي يمثل مشكلة بحد ذاته.
بل يعتبره ضرورياً ومفيداً في بعض الحالات، خصوصاً عندما يتعلق بتسهيل وصول الصحفي إلى المعلومات، أو ترتيب دخوله إلى مؤسسة أو موقع يتطلب إجراءات أمنية أو تنظيمات خاصة.
لكن المشكلة تبدأ، بحسب حميدي، عندما ينتقل التنسيق من كونه وسيلة لتسهيل العمل إلى “شرط لممارسة العمل الصحفي”.
ويشرح الفرق بين الحالتين: “أن تقول الجهة الحكومية للصحفي نسق معنا حتى نساعدك على الوصول إلى المسؤول أو الوثيقة أو المكان، يختلف عن أن تقول له لا يمكنك تغطية هذا الموضوع أو التواصل مع هذا الشخص قبل الحصول على موافقتنا”.
في الحالة الثانية، يرى حميدي أننا لم نعد أمام تنسيق بالمعنى المهني، وإنما أمام موافقة مسبقة يمكن أن تتحول مع الوقت إلى أداة للسيطرة على الأجندة الصحفية. ولذلك يرى أن أي تنظيم يجب أن يكون واضحاً جداً في تعريفه للتنسيق، حتى لا يصبح المفهوم أداة تسمح للجهة الحكومية بتفسيره وفق تقديراتها ومصالحها الخاصة.
وبالنسبة إليه، تستطيع الجهة الحكومية تنظيم الدخول إلى مبانيها، خصوصاً عندما تكون هناك اعتبارات أمنية أو تتعلق بخصوصية الموظفين وطبيعة العمل، كما يمكنها تحديد الأشخاص المخولين بالدخول أو التصريح باسم المؤسسة.
لكن ذلك، بحسب حميدي، لا يعني أن تصبح الجهة نفسها صاحبة القرار في تحديد ما إذا كان الموضوع يستحق التغطية، أو الأسئلة التي يمكن طرحها، أو ما يمكن نشره.
فالصحافة، كما يقول، تقوم على البحث والسؤال والتحقق من أكثر من مصدر، ولذلك يجب أن تكون حرية الوصول إلى المعلومات والتواصل مع المصادر متاحة ضمن القانون، بالتوازي مع تنظيم الوصول إلى الأماكن والموظفين عندما تقتضي الضرورة.
“التنسيق” قد يكون مفيداً
تقدم تجربة الصحفي الاستقصائي أحمد حاج بكري زاوية أخرى للمسألة، إذ يرى أن التواصل الحكومي الذي يحتاج إليه الصحفي يتمثل أساساً في أن تطلب الجهات الرسمية من المسؤولين الرد على الأسئلة المتعلقة بعمل مؤسسات الدولة، خصوصاً عندما تكون هناك معلومات قد تكون أطراف معينة معنية بإخفائها عن الجمهور، وفق ما قاله لموقع تلفزيون سوريا.
لكن حاج بكري يقول إن عمله الاستقصائي لا يحصل دائماً على هذا الدعم، وإن بعض التحقيقات تُنجز من دون رد الجهات الرسمية عليها.
وأضاف حاج بكري لموقع تلفزيون سوريا أنه يلجأ لمديرية الإعلام في بعض الحالات للوصول إلى مسؤول أو جهة محددة، وقد يرسل إليها الأسئلة في الملفات المعقدة لتحديد الشخص المناسب للرد.
السلطة “التقديرية”
يطرح الإطار التنظيمي الحالي، بما يتضمنه من مدونة سلوك ومشروع قانون جديد للإعلام، سؤالاً حول وضوح الحدود بين التنظيم الإداري والاستقلال المهني، وفق ما يراه مراسل جريدة “المدن” في دمشق واصل حميدي، خصوصاً عندما تحتوي النصوص على مصطلحات قابلة لأكثر من تفسير، ويرى أن المشكلة ليست في وجود تنظيم للعمل الإعلامي، وإنما في معرفة من يملك صلاحية تفسيره وتحديد حدوده وكيف يستطيع الصحفي الاعتراض على قرار يمنعه من الوصول إلى معلومة أو مكان.
واقترح حميدي ألا يكون الحل في إلغاء التنظيم، وإنما في تقنين ما وصفه بـ”السلطة التقديرية للجهات الإدارية”، بحيث يعرف الصحفي مسبقاً ما له وما عليه، وتعرف المؤسسة الحكومية حدود صلاحياتها.
اختبار العلاقة بين الدولة والصحافة
بالنسبة للصحفي ومدير منصة “تأكد”، أحمد بريمو، يجب أن تقتصر وظيفة الجهة العامة على تنظيم الوصول وتسهيله، مع الحفاظ على استقلال الصحفي في اختيار الموضوع والتغطية وصياغة الأسئلة ونشر النتائج، ضمن المعايير المهنية، مع منح الجهة المعنية حق الرد عندما تكون موضوعاً لادعاءات أو انتقادات.
أما تجربة “جريدة سلمية”، فيطرح علي زهرة السؤال بصورة عملية في حين إذا كان عدم التنسيق سبباً لاستدعاء صحفية وحرمان وسيلة إعلامية من التنسيق مع الجهات الحكومية.
مدير التحرير في جريدة “عنب بلدي”، علي عيد، قال أيضا إن معالجة المشكلة لا تتعلق بالقانون وحده، بل تحتاج أيضاً إلى تدريب العاملين في المكاتب الصحفية على طبيعة دورهم، ووضع معايير واضحة لعلاقتهم بالمسؤولين والمعلومات داخل المؤسسة التي يمثلونها، وكذلك بعلاقتهم بوسائل الإعلام والجمهور والمواطنين، إضافة إلى تحديد المسارات القضائية ذات الصلة.
وأضاف أن الانطباع الناتج عن التعامل اليومي مع بعض هذه المكاتب هو أنه “لا توجد معايير” أو “أسس واضحة لأدوار هذه المكاتب”، معتبراً أن بناء هذه المعايير يجب أن يسير بالتوازي مع قانون الإعلام، بحيث يضمن القانون حق الصحفيين في الحصول على المعلومات، لا أن يؤدي إلى تقييد هذا الحق.
تدخل يطول المحتوى
هناك حالات متعلقة بالأحداث الأمنية، وما يتعلق بالتربية والتعليم، وأيضاً الزراعة والثروة الحيوانية واجهها مراسلو تلفزيون سوريا خلال عملهم في الميدان، وذلك وفق ما قاله المشرف على قسم المراسلين في غرفة أخبار تلفزيون سوريا، طارق الدعاس، لموقع تلفزيون سوريا، وأعطى أمثلة على ذلك، مشيرا لأحدث مشكلة واجهتها مراسلة عندما كانت تعمل على إنجاز تقرير حول مرض طفيلي يصيب قطعان الماشية ويسبب خسائر للمربين، حينذاك تعرض المراسل لـ”كثير من المضايقات”، وتواصلت أيضا وزارة الزراعة مع القسم مطالبة بحذف التقرير، لأنه، وبنظر الحكومة، “يضر بالاقتصاد والتصدير”، علما أن المسؤولين عن المقابلات في التلفزيون كانوا قد طالبوا الوزارة بتعليق حول الموضوع عند إعداد المادة، ولم يلقوا تجاوبا حينذاك.
وفي حادثة منفصلة كانت مراسلة تلفزيون سوريا في درعا قد استخرجت موافقة لتصوير تقرير تلفزيوني عن البنية التحتية بريف درعا والأضرار التي لحقت بالقطاع بسبب الدمار، إلا أن قوى الأمن في المنطقة منعوا المراسلة من التغطية، وأخبروها أن تراجع إدارة الشؤون الصحفية في دمشق، وتحدثوا حينذاك عن أن تلفزيون سوريا ممنوع من التغطية هناك.
الدعاس قال أيضا إنه في كثير من الحالات كانت التدخلات تصل حتى إلى زاوية المعالجة، وقد يعمل المسؤولون عن التنسيق الإعلامي على محاولة قلب زاوية تناول المادة لما يتوافق مع أفكارهم، وفي كثير من الأحيان يُطلب من المراسل أن يضيء على الجانب الإيجابي فقط، وهو ما يعرقل عمل المراسل والصحفي ويدخله في دوامة بين إرضاء الجهة الحكومية، وإنجاز المادة بمهنية.
متى يصطدم حق الحكومة بحق الصحفي؟
التنظيم المسبق، أو الإذن المسبق، يعتبر من الخطوات المهمة في تعاطي الحكومة مع الميدان الصحفي، وفق ما يراه المدرب الدولي في الصحافة والحوكمة ومدير المركز الصحفي السوري أكرم الأحمد، معتبرا أن تنظيم دخول المؤسسات الحكومية مهم، بشرط أن يكون هذا الإجراء واضحاً وسريعاً وغير تمييزي ومحدداً بزمن، ومقرونا بشرط ألا يمس استقلالية الصحفي أو حق الجمهور في المعرفة، وهذا ينسجم مع كل القواعد المهنية للعمل الصحفي، واعتبر الأحمد أن هذا التنظيم يجب أن لا يمس حرية الرأي، وألا يمس حق الجمهور في المعرفة أو حتى قيام الصحفي بواجبه الأخلاقي.
أكرم الأحمد اعتبر أن التنظيم أو التنسيق المسبق من الضروري أن لا يكون مقيداً لحرية الرأي والتعبير، ويجب أن يكون التقييد واضحاً محالة تنظيم مكان التصوير، بهدف حماية الوثائق، وحماية المرضى، وحقوق الأطفال، وحقوق الفئات الهشة، فهذه جوانب من حق الدولة أو الحكومة حمايتها، وهو تنظيم طبيعي وموجود في كل التجارب الدولية، وفق الأحمد.
وفي الوقت نفسه اعتبر أنه من الضروري على الجهات الحكومية أن لا تطلب من صحفي أو مراسل عدم تغطية موضوع ما من دون مبرر، وخاصة الموضوعات العامة، كما أنه ليس من حق الجهات الحكومية أن تتحكم بمحتوى التغطية “كأن تقول لا تسأل هذا السؤال، ولا تأخذ من هذا المصدر، بل خذ من هذا المصدر، ولا تنشر هذه الزاوية لأنها محرجة”.
وأضاف: “المعلومة التي لا تجرّمها الأدبيات العالمية في العمل الصحفي لا يمكن للسلطات أن تتدخل وتمنعها، وبالمقابل يمكنها منع ما يخالف ذلك، كتلك التغطيات التي تهدد السلم الأهلي مثلا، فهي تغطيات تتفق الأدبيات العالمية للعمل الصحفي على أنها غير إيجابية”
رابطة الصحفيين: التنسيق إيجابي لكن بشروط
اعتبرت رئيسة رابطة الصحفيين السوريين، مزن مرشد، أن التنسيق الإعلامي ينظر له بإيجابية، باعتباره أداة تنظيمية مشروعة، وخصوصاً في هذه المرحلة الانتقالية التي تعمل فيها مؤسسات الدولة على إعادة بناء آلياتها وأطرها الإدارية بعد سنوات من الاضطراب.
وقالت مرشد لموقع تلفزيون سوريا إنه من الطبيعي أن تحتاج المؤسسات إلى تنظيم دخول الصحفيين وترتيب مقابلات المسؤولين، بما يساعد على انسيابية العمل ويحافظ على انتظام المؤسسة، لكن يبقى المعيار الأساسي لنجاح التنسيق هو أن يسهل وصول الصحفي إلى المعلومة، لا أن يتحول إلى عائق أمامها، مشيرة إلى أن رابطة الصحفيين لمست خلال الفترة الماضية انفتاحاً واستجابة أكبر من عدد من المؤسسات الحكومية، واصفة ذلك بـ”الأمر الإيجابي”.
وتابعت: “نحن نتفهم حق أي مؤسسة حكومية في تنظيم الدخول إلى منشآتها وترتيب مواعيد مسؤوليها، وهذا أمر طبيعي في أي عمل مؤسسي، لكن في الوقت نفسه، من المهم ألا نخلط بين تنظيم الوصول إلى المكان أو المسؤول وبين حق الصحفي في الوصول إلى المعلومة”.
ورأت أن التنظيم الإداري مشروع، لكن ينبغي ألا يصبح سبباً في تعطيل التغطية أو الحصول على المعلومات العامة، كما أن للصحفي، في إطار مسؤوليته المهنية، مساحة طبيعية لاختيار موضوعه وزاوية معالجته وأسئلته ومصادره، واعتبرت مزن مرشد أن وجود قواعد واضحة ومعلنة لآليات التنسيق هذه سيجعل العلاقة بين وسائل الإعلام والجهات الحكومية أكثر سهولة، وسيزيل كثيرا من الالتباس الذي قد ينشأ أحياناً من اختلاف الإجراءات بين مؤسسة وأخرى.
“العلاقة الجيدة” تثير الشبهات
خلال العمل على إعداد هذه المادة، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع كبرى وسائل الإعلام السورية للاستماع لتجاربهم في هذا الخصوص، في حين أن مديري تحرير، ورؤساء تحرير أيضا رفضوا التعليق حتى لا يثيروا حساسيات مع أطراف حكومية تعرقل عملهم أو نشاط مراسليهم في الميدان.
من بين من رفضوا التعليق كان مدير تحرير وسيلة إعلام محلية سورية عريقة، تحدث لموقع تلفزيون سوريا مطولا عن مواقف واجهها فريق العمل، ورؤية الخط التحريري في مؤسسته لآليات التنسيق المفروضة، لكنه اختتم حديثه بأن لموقع تلفزيون سوريا حرية ذكر المعلومات، من دون ذكر اسمه أو اسم وسيلة الإعلام، حتى يتجنب عرقلة عمل فريقه.
مدير التحرير نفسه قال لموقع تلفزيون سوريا إن المشكلة القائمة بين الجهات الحكومية ووسائل الإعلام تكمن في أن المكاتب أو المديريات المسؤولة عن إدارة التنسيق، تحولت في معظمها إلى أداة للتحكم في تدفق المعلومات إلى وسائل الإعلام وإلى الفضاء العام في سوريا، بدل كونها مسؤولة عن تسهيل عمل الصحفيين.
وأضاف أن أي معلومة أصبحت تمر عبر هذه المكاتب، حتى تلك الصادرة عن مسؤولين أعلى منها، ودائماً ما تكون هناك توجيهات داخلية بالعودة إلى المكتب الإعلامي أو المكتب الصحفي المسؤول عن تقديم هذه التصريحات، وبالتالي أصبح لديهم نوع من الفلترة لأي معلومات تمر، مشيرا إلى أن هذه المكاتب الصحفية، تعتمد في طريقة تعاونها وتعاملها مع وسائل الإعلام على المزاجية، وليس على معايير واضحة تحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع في تدفق المعلومات من الجهة الحكومية، مشيرا في نهاية حديثه إلى أن التجارب لا تعمم على كل المكاتب.
واعتبر مدير التحرير نفسه، أنه حتى لو كانت العلاقة ودية أو غير متوترة، فإن وسائل الإعلام تنظر للود بعين الريبة إذا تجاوز حداً معيناً، وقد يؤدي إلى مشكلة بين الصحفي والجهة المعنية، لأنه قد يعني وجود تضارب في المصالح أو علاقة تتجاوز إطار العمل.
اتحاد الصحفيين: تلقينا شكاوى وناقشناها مع الوزارة
لم يقف الصحفيون العاملون في الميداني السوري أمام ما اعتبروه محاولات لتقييد عملهم، إذ توجهوا بالشكوى لجهات عديدة أمام تلك الحالات، لكن الواقع لم يتغير جذريا وفقا للشهادات التي جمعها موقع تلفزيون سوريا.
ويرى أمين الشؤون المهنية في اتحاد الصحفيين السوريين، محمود أبو راس، أن وزارة الإعلام عملت خلال الفترة الماضية على تحديث المكاتب الصحفية التابعة للوزارات والهيئات وربطها بصورة مرنة بمكاتب العلاقات التابعة للوزارة، معتبراً أن هذه الخطوة أسهمت إلى حدّ ما في تسهيل الوصول إلى المعلومات بصورة أسرع وأكثر مرونة عبر قنوات التنسيق المتاحة.
لكن أبو راس يقول إن الاتحاد وثّق خلال الأشهر الماضية عدداً من الشكاوى المتعلقة بالدعوات إلى الفعاليات التي تنظمها المؤسسات الحكومية، بما فيها فعاليات تقام في قصر الشعب، إذ اشتكى صحفيون من عدم دعوتهم إلى بعض الفعاليات مقارنة بغيرهم.
وأضاف أن الاتحاد ناقش هذه المسألة مع وزارة الإعلام، معرباً عن أمله في أن تُعالج مع صدور قانون الإعلام الجديد، الذي بحسب رأيه، يوكد حق الجميع في الوصول إلى المعلومات وتكافؤ الفرص، ويعتبر أبو راس أنه على مستوى استقلالية العمل الصحفي، أن اختيار الصحفي لموضوعه يمثل إحدى أهم النقاط التي يدافع عنها اتحاد الصحفيين، ولا ينبغي المساس بها من أي طرف، ما دام الصحفي يعمل ضمن إطار مهني ويراعي أخلاقيات المهنة المتعارف عليها دولياً.
وينظر محمود أبو راس إلى الإجراءات التنظيمية التي تتخذها أي مؤسسة باعتبارها يجب ألا تؤثر في استقلالية الصحفي، بل أن تسهّل عمله ما دام الموضوع يقع ضمن الأطر الصحفية المهنية، مشيراً إلى أن قانون الإعلام الجديد يؤكد هذه الحقوق ويحفظها.
وعن الضمانات المتاحة للصحفيين في المرحلة الانتقالية، يقول أبو راس إن القانون يمثل الضمان الوحيد والأقوى بالنسبة إلى اتحاد الصحفيين في هذه المرحلة، وباعتبار الاتحاد جزءاً من لجنة صياغة مسودة قانون الإعلام، يرى أن إقرار القانون يمثل فرصة ليكون الضامن الأساسي لحماية الصحفيين وحقهم في ممارسة العمل الصحفي، بما في ذلك الإجراءات المرتبطة بهذه الممارسة، معتبرا أن انتماء الصحفي إلى الاتحاد وإيمانه بدور جسمه النقابي يمكن أن يشكلا ضمانة وحماية إضافية للدفاع عنه في حال تعرضه لأي طارئ.
وزارة الإعلام.. بين التسهيل والتعقيد
أعاد وزير الإعلام السوري خالد زعرور، في حديث إلى قناة “الشرق” في أيلول الحالي طرح ملامح قانون الإعلام الجديد الذي قالت الوزارة إنها أنجزته، موضحاً أن القانون يهدف إلى تهيئة بيئة تتيح ممارسة الإعلام بحرية، ويلغي عقوبة السجن في القضايا الإعلامية ويستبدل بها الغرامات المالية، كما يضمن للصحفي حق الوصول إلى المعلومة والحفاظ على مصادره، معتبراً أن الوصول إلى المعلومات يمثل عاملاً أساسياً في بناء الثقة بين المؤسسات والجمهور.
ولفهم موقف وزارة الإعلام من الشكاوى المتراكمة حول آليات التنسيق ومكاتب الشؤون الصحفية، تواصلنا أولاً مع عدد من المسؤولين في الوزارة، إلا أنهم اعتذروا عن التعليق، معتبرين أن الموضوع ذو طابع تخصصي، وفق تعبيرهم، فطرح معد التقرير عددا من الأسئلة على مكتب الشؤون الصحفية في الوزارة، تتعلق بتعريف التنسيق الإعلامي، وحدوده، وعلاقته باستقلالية العمل الصحفي، والآليات المتاحة للصحفيين في حال نشوء خلاف حوله، وما السند التنظيمي أو القانوني الذي يستند إليه، والآلية المعتمدة لحل الإشكالات بين الصحفيين ومكاتب التنسيق، ومضى أكثر من عشرة أيام على إرسال الأسئلة، مع تذكير مكتب الشؤون الصحفية بها أكثر من مرة، من دون أن نتلقى إجابات عليها حتى لحظة نشر هذا التقرير، ويبقى من واجب موقع تلفزيون سوريا نشر إجابات وزارة الإعلام في حال وصلت، وإيرادها كإشارة في خاتمة هذه المادة.
المصدر: تلفزيون سوريا






