السويداء قبيل عام على خارطة الطريق.. ما الذي تحقق وما الذي بقي معلّقاً؟

سامية صهيوني

تقترب خارطة الطريق الخاصة بالسويداء من إكمال عامها الأول، بحصيلة تجمع بين خطوات انتقلت إلى التنفيذ وتسوية لم تكتمل. فقد بدأت محاكمات متهمين بالانتهاكات، وأُطلق محتجزون، وتقدمت تفاهمات لإعادة ربط المؤسسات والبلديات بالدولة، في حين بقيت ملفات الأمن والمفقودين وعودة المهجرين من أبرز القضايا المفتوحة.

وخلال عام من الاتصالات والتجاذبات، لم تعد الأزمة مقتصرة على العلاقة بين الحكومة والقوى المسيطرة على المحافظة، بل امتدت إلى خلاف داخلي حول تمثيل السويداء ومستقبلها وحدود الرهان على إسرائيل، بالتزامن مع عودة تدريجية لبعض قنوات الاتصال مع مؤسسات الدولة.

16 أيلول 2025.. خارطة طريق لاستعادة المؤسسات وبناء الثقة

أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين، عبر معرفاتها الرسمية، اعتماد “خارطة طريق لحل الأزمة في السويداء واستقرار جنوب سوريا”، عقب اجتماع جمع وزير الخارجية أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي توماس باراك.

وانطلقت الوثيقة من التأكيد أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن أبناءها متساوون في الحقوق والواجبات، مع الإقرار بأن تجاوز آثار أحداث تموز يحتاج إلى إجراءات تدريجية لإعادة بناء الثقة وإعادة دمج المحافظة في مؤسسات الدولة.

وجمعت بنود الخارطة بين التحقيق والمحاسبة، وإطلاق المحتجزين وكشف مصير المفقودين، واستمرار المساعدات، وإعادة الخدمات والإعمار، وتأمين طريق السويداء – دمشق، وسحب المقاتلين المدنيين من الحدود الإدارية للمحافظة، وتسهيل عودة السكان إلى قراهم.

كما تضمنت إنشاء شرطة محلية تضم مختلف المكونات وترتبط بوزارة الداخلية، وتفعيل المؤسسات المدنية وتشكيل مجلس محافظة يمثل مكونات المجتمع المحلي، إلى جانب اجتماعات للمصالحة برعاية أردنية وآلية سورية – أردنية – أميركية لمراقبة التنفيذ.

أما إسرائيل، فحضرت في مسار منفصل ضمن البند الثاني عشر، الذي نص على عمل الولايات المتحدة، بالتشاور مع الحكومة السورية، للتوصل إلى تفاهمات أمنية بشأن جنوب سوريا، مع التأكيد على سيادة البلاد وسلامة أراضيها.

أيلول – كانون الأول 2025.. خلاف على وجهة الحل

واجهت الخارطة رفضاً مبكراً من “اللجنة القانونية العليا في السويداء” التي شكّلها حكمت الهجري، والتي شككت في ضمانات المحاسبة أمام القضاء السوري وطالبت بتحقيق وآليات مساءلة دولية مستقلة، كما طرحت حق تقرير المصير وخيارات تشمل الإدارة الذاتية أو الانفصال.

وتوسع الخلاف لاحقاً عندما أعلن الهجري أن رؤيته تقوم على الاستقلال التام للسويداء، ليتجاوز التباين آليات تنفيذ الاتفاق إلى وجهة الحل نفسها: إعادة دمج المحافظة تدريجياً في الدولة من جهة، وطرح مشروع سياسي منفصل من جهة أخرى.

وفي المقابل، واصلت الحكومة تقديم التحقيق والمحاسبة بوصفهما جزءاً من معالجة الأزمة، بالتوازي مع استمرار المساعدات وبعض الإجراءات الخدمية وأعمال الترميم.

وفي نهاية العام، عاد الدور الإسرائيلي إلى الواجهة بعد معلومات نشرتها “واشنطن بوست” عن دعم مالي وعسكري إسرائيلي لمجموعات مسلحة في السويداء. وأظهرت تلك المعطيات استمرار تأثير إسرائيل في المحافظة، لكنها لم تقدم دليلاً على التزام معلن بضمان كيان سياسي مستقل.

شباط – آذار 2026.. إطلاق محتجزين وتحقيقات في الانتهاكات

سجل ملف المحتجزين إحدى أبرز الخطوات العملية، مع تسهيل اللجنة الدولية للصليب الأحمر إطلاق 86 شخصاً، نُقل 61 منهم إلى السويداء و25 إلى دمشق.

لكن العملية لم تغلق ملف المحتجزين والمفقودين، إذ بقيت عائلات تنتظر معلومات عن مصير أبنائها، في حين استمرت الدعوات إلى استكمال عمليات الإفراج والكشف عن المفقودين.

وفي آذار، أعلنت لجنة التحقيق الوطنية نتائج تحقيقاتها في أحداث تموز، ونسبت انتهاكات إلى أطراف متعددة، بينها عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية ومجموعات مسلحة محلية ومسلحون من البدو والعشائر، وأوصت بالمحاسبة وجبر ضرر الضحايا.

كما أقرت اللجنة بعدم قدرتها على الوصول إلى حصيلة نهائية للمفقودين بسبب نقص المعلومات وتعذر دخول مدينة السويداء خلال فترة التحقيق.

وجاء التقرير الدولي بشأن الأحداث ليؤكد بدوره وقوع انتهاكات جسيمة ارتكبتها أطراف متعددة، وأن بعض الأفعال قد يرقى إلى جرائم حرب، مع الحاجة إلى مزيد من التحقيق بشأن المسؤوليات.

نيسان – حزيران 2026.. تغيير الإدارة وأزمة التعليم والعودة

شهد المشهد المحلي تغييراً في البنية الإدارية المرتبطة بالهجري، مع حل “اللجنة القانونية” وتشكيل مجلس إدارة بديل، لكن ذلك لم يحسم شكل العلاقة مع مؤسسات الدولة.

وسرعان ما ظهر أثر الخلاف في قطاع التعليم، بعدما نُقلت امتحانات الشهادات إلى دمشق وريفها، في حين أصر الهجري على إجرائها داخل المحافظة.

وجد الطلاب أنفسهم أمام مخاوف تتعلق بالطريق وتكاليف الإقامة والاعتراف بالشهادات والضغوط الاجتماعية. وأظهرت شهادات جمعها تلفزيون سوريا أن الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل امتدت إلى حق الطلاب في التعليم ومستقبلهم الدراسي.

وفي الوقت نفسه، تصاعدت احتجاجات النازحين من قرى الريفين الغربي والشمالي، مطالبين بالعودة إلى منازلهم بعدما طالت فترة النزوح وارتفعت تكاليف المعيشة وتراجعت المساعدات.

واتهم محتجون قيادات في “الحرس الوطني” بعرقلة العودة وربطها بوعود عن تفاهمات مع إسرائيل وفتح معابر جديدة، في حين تعهدت وزارة الداخلية بتأمين العودة وحماية الممتلكات. وبقي مطلب النازحين الانتقال من التصريحات إلى خطوات فعلية تعيدهم إلى قراهم.

تموز 2026.. بدء المحاكمات وتقدم بطيء في الإعمار

انتقل ملف المساءلة من التحقيق إلى القضاء، مع بدء محكمة الجنايات العسكرية النظر في بعض القضايا المرتبطة بانتهاكات أحداث السويداء، وإعلان لجنة التحقيق استمرار ملاحقة كل من تثبت مسؤوليته أياً كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.

لكن بدء المحاكمات لم يعنِ اكتمال العدالة، إذ استمرت المطالب بأن تشمل المساءلة المسؤولين على مختلف المستويات، وألا تقتصر على المنفذين المباشرين.

وفي الجانب الخدمي، أُعلنت خطط لتأهيل عشرات القرى والبلدات ومئات المنازل، مع عودة تدريجية لبعض العائلات، لكن نقص التمويل واتساع الدمار والتوترات الأمنية أبقت الإعمار والعودة أبطأ من المطلوب.

 

16 آب 2026.. المؤسسات تتقدم والسلاح يتأخر

شهدت التفاهمات بين الحكومة وفعاليات محلية تقدماً أوضح في الجانب الإداري. وقال نجيب أبو فخر، الذي شارك في النقاشات، إن ملف البلديات أصبح “شبه منتهٍ”، مع بقاء أربع بلديات قيد التنسيق، وإن المؤسسات بدأت استعادة ارتباطها بالوزارات والخطط والميزانيات.

كما تحدث عن تقدم في إعادة تفعيل جهاز الشرطة وربطه بوزارة الداخلية، مع اختيار عناصره من طلبات الانتساب السابقة، في مقابل بقاء ملف “الحرس الوطني” مؤجلاً ويتقدم ببطء شديد.

وأظهرت التفاهمات أن المسار الذي تقدم أكثر كان إعادة وصل الخدمات والمؤسسات بالدولة، في حين بقيت الملفات الأكثر حساسية، ولا سيما السلاح ومجلس المحافظة والمفقودين والعودة، بحاجة إلى ترتيبات إضافية.

27 آب 2026.. السويداء خارج أجندة المباحثات مع إسرائيل

في هذه المرحلة، كشف تلفزيون سوريا، نقلاً عن مصادر مطلعة على الاتصالات السورية الإسرائيلية، أن ملف السويداء لم يكن بنداً حاضراً في الجلسات التي عُقدت خلال الأشهر السابقة، باستثناء إشارة عابرة إلى فكرة ممر إنساني لم تتجاوز الطرح الأولي.

اكتسبت المعلومة أهميتها من الفارق بين الوعود التي تداولتها بعض القوى داخل المحافظة عن تفاهمات ومعابر ومشروع سياسي جديد، وبين ما كان مطروحاً فعلياً في المباحثات التي تناولتها مصادر الموقع.

فغياب السويداء عن أجندة تلك الجولات لا يعني انتهاء التدخل الإسرائيلي أو توقف صلاته بقوى محلية، لكنه لا يوفر أيضاً سنداً لاعتبار إسرائيل ضامناً لمشروع استقلال أو كيان منفصل.

حتى فكرة الممر الإنساني، وفق المعلومات المنشورة، بقيت في مستوى الطرح الأولي، وهي تختلف بطبيعتها عن الاعتراف بوضع سياسي خاص للمحافظة.

وجاء ذلك بالتزامن مع اعتراضات محلية على حديث الهجري عن “علاقة تاريخية وأخوية” بين الدروز وإسرائيل، إذ رفضت شخصيات من السويداء والجولان السوري المحتل ولبنان تعميم هذا الموقف على الدروز.

وبذلك ظهر بشكل أوضح أن السويداء لا تتحرك خلف خيار واحد، بل تشهد تنافساً بين من يدفع نحو تسوية تدريجية مع الدولة، ومن يراهن على الضغط الخارجي والدعم الإسرائيلي لفرض واقع سياسي مختلف.

 

نهاية آب – مطلع أيلول 2026.. الامتحانات وهنيدي يعيدان كشف هشاشة المشهد

واجهت الدورة الاستثنائية للامتحانات عراقيل جديدة، مع تقارير عن حواجز ومنع طلاب من الوصول إلى مراكزهم واعتداءات نُسبت إلى عناصر من “الحرس الوطني”، في وقت أكدت الجهات الرسمية تأمين النقل والطريق.

وأظهرت الأزمة أن التفاهمات الإدارية لم تكن كافية بعد لضمان حرية الحركة أو منع القوى المسلحة من التأثير في الحياة اليومية للسكان.

ثم برزت قضية الوجيه الاجتماعي عاطف هنيدي، بعد إصداره بياناً رفض فيه اعتبار الدروز جزءاً من إسرائيل وانتقد مشروع “باشان” واحتكار الحديث باسم الطائفة.

وبعد اقتحام منزله في بلدة المجدل، قالت مصادر محلية إن مسلحين من “الحرس الوطني” اقتادوه وأجبروه على مغادرة المحافظة، في حين قدم التشكيل رواية مغايرة قال فيها إنه أمّن خروجه بناء على طلبه. كما دانت عائلته الهجوم وتمسكت بالمسار القانوني والسلمي.

وأعادت الواقعة طرح سؤال آخر داخل السويداء: ليس فقط من يمثل المحافظة في التفاوض، بل أيضاً مقدار المساحة المتاحة للأصوات التي تعارض مشاريع الانفصال أو الارتباط بإسرائيل.

5 – 9 أيلول 2026.. واشنطن تعيد تثبيت خارطة الطريق

عاد باراك إلى الملف بعد قضية هنيدي، واعتبر أن غياب الدولة أفسح المجال أمام “العصابات”، وجدد التأكيد على خارطة الطريق وإعادة دمج السويداء في الدولة السورية.

وفي الوقت نفسه، شدد على محاسبة مرتكبي الانتهاكات، بمن فيهم عناصر تابعة للحكومة، ودعا إلى الحوار وضبط النفس وعودة النازحين والإعمار، بما أبقى استعادة المؤسسات مرتبطة بالمساءلة وليس بديلاً عنها.

ثم أكد الشيباني أمام المجلس الوزاري للجامعة العربية استمرار تنفيذ الخارطة بالتعاون مع الأردن، وحصرية السلاح بيد الدولة، في وقت تحدث فيه عن مفاوضات بوساطة أميركية لإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024.

وفي أنقرة، التقى الشيباني وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وباراك، واستمر البحث في التطورات الإقليمية وخفض التوتر، من دون إعلان تسوية جديدة خاصة بالسويداء أو إجراءات تنفيذية نهائية.

قبيل عام على الاتفاق.. ماذا تحقق وماذا بقي؟

بعد نحو عام، يمكن رصد تقدم واضح في بعض الملفات: تحقيقات ومحاكمات، عمليات لإطلاق محتجزين، إعادة ربط مؤسسات وبلديات بالدولة، وبدء ترتيبات لإعادة تفعيل الشرطة.

لكن الملفات الأثقل بقيت مفتوحة، وفي مقدمتها كشف مصير جميع المفقودين، واستكمال عودة المهجرين، وحسم وضع التشكيلات المسلحة، وتشكيل ترتيبات إدارية مستقرة، وتحويل مشاريع الإعمار إلى نتائج ملموسة.

كذلك لم تتوقف الخلافات على تمثيل السويداء ومستقبلها، في حين أظهرت المعلومات المتعلقة بالمباحثات مع إسرائيل أن الدعم أو النفوذ الخارجي شيء، وضمان مشروع سياسي منفصل شيء آخر.

قبيل حلول الذكرى الأولى، تبدو خارطة الطريق ما تزال المرجعية السياسية الأكثر وضوحاً لمعالجة الأزمة، لكنها لم تتحول بعد إلى تسوية مكتملة. وبين ما تحقق وما تأجل، يبقى معيار نجاحها في قدرة السكان على لمس نتائجها فعلياً: أمن يضمن الحركة، مؤسسات تعمل، مهجرون يعودون، مفقودون يُكشف مصيرهم، ومحاسبة لا تستثني أحداً.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى