المحاكمة الغيابية ضد بشار وماهر الأسد: المعايير القانونية للمساءلة الانتقالية في سوريا

دمشق، 8 أيلول/ سبتمبر 2026. أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم تقريرًا بعنوان «المحاكمة الغيابية ضد بشار وماهر الأسد: المعايير القانونية للمساءلة الانتقالية في سوريا». ويتناول التقرير المعايير القانونية الواجب تطبيقها على الإجراءات الغيابية أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، التي بدأت في 26 نيسان/أبريل 2026، وكذلك على الإجراءات الموازية في فرنسا. ويحدّد التقرير أربعة ضمانات إجرائية مستمدة من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتعليق العام رقم 32، والاجتهادات القضائية المقارنة. كما يقترح فئة تحليلية أطلق عليها «الغياب البنيوي»، تنطبق على الحالات التي تنهار فيها، مجتمعةً وعلى نحو بنيوي لا عرضي، الافتراضات التي يقوم عليها الإطار التقليدي.

وتتمثل الضمانات الأربعة في الإخطار الفعّال، والتنازل عن الحق في الحضور أو ثبوت التهرّب بعد إخطار كافٍ، والتمثيل القانوني الفعّال، وإعادة المحاكمة أو إجراء مراجعة جديدة لموضوع الدعوى عندما يشوب الإخطار أو التنازل عيب. ويحدّد التقرير افتراضين أساسيين، هما إمكان الوصول إلى المتهم وإمكان إعادة محاكمته من الناحيتين القانونية والعملية، ويعرّف «الغياب البنيوي» بأنَّه الوضع الذي يفشل فيه الافتراضان معًا. ووفقًا للإطار التحليلي الذي يعتمده التقرير والسجل العلني المتاح، تندرج حالة بشار الأسد بوضوح ضمن هذه الفئة. لا سيما وأنَّ بشار الأسد فرَّ إلى موسكو برفقة أسرته بعدما منحتهم روسيا اللجوء “الإنساني”.

ومن ثمّ، يفشل افتراض إمكان الوصول إليه بسبب استمرار تمتعه بحماية دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، استخدمت حق النقض ضد مشروع القرار S/2014/348، وليست طرفًا في نظام روما الأساسي. وتنظّم المادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري إجراءات المحاكمة الغيابية، فيما تنص المادتان 328 و329 على الإلغاء التلقائي للحكم الغيابي عند تسليم المتهم نفسه أو إلقاء القبض عليه، وإعادة محاكمته محاكمة كاملة بحضوره. وبذلك، يكون افتراض إعادة المحاكمة متحققًا من الناحية القانونية، لكنَّه غير متحقق عمليًا ضمن الإطار الزمني للإجراءات.

وفي حكم صادر عن هيئتها العامة بتاريخ 25 تموز/ يوليو 2025، نقضت محكمة النقض الفرنسية مذكرة التوقيف الصادرة بحق بشار الأسد في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، معتبرةً أنَّه كان يتمتع بالحصانة الشخصية بصفته رئيسًا للدولة وقت صدور المذكرة. كما قضت، في حكم أصدرته في اليوم نفسه في قضية المسؤول السوري السابق أديب ميالة، بأنَّ الحصانة الوظيفية لا تحول دون ملاحقة المحاكم الفرنسية لجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، مع مراعاة القواعد التعاهدية الواجبة التطبيق. وتشير تقارير علنية استند إليها التقرير إلى أنَّ قضاة التحقيق الفرنسيين وقّعوا، في 29 تموز/يوليو 2025، مذكرة توقيف جديدة في ملف الأسلحة الكيميائية المتعلق بهجمات آب/ أغسطس 2013 في الغوطة الشرقية ودوما، وإلى صدور مذكرة منفصلة في 21 كانون الثاني/يناير 2025 على صلة بمقتل المواطن الفرنسي السوري صلاح أبو نبوت في درعا بتاريخ 7 حزيران/يونيو 2017.

وتمثل حالة ماهر الأسد شكلًا قريبًا ومؤقتًا من أشكال الغياب البنيوي، يفشل فيه افتراض إمكان الوصول إليه بسبب عدم اليقين بشأن مكان وجوده الحالي. إذ تطرح تقارير علنية احتمالات تتعلق بتحركاته في العراق أو بوجوده في الاتحاد الروسي، لكنَّها لا تثبت مكان وجوده وفق معيار إثبات كافٍ. وتشير وثائق الادعاء المدني في الإجراءات الفرنسية إلى أنَّه مستهدف بموجب مذكرة التوقيف الصادرة في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بصفته القائد الفعلي المزعوم للفرقة الرابعة المدرعة في الجيش العربي السوري، على خلفية ادعاءات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية التي وقعت في آب/أغسطس 2013 في الغوطة الشرقية ودوما. وتنطبق الضمانات الأربعة كاملةً على الحالتين.

وفي جلسة 26 نيسان/أبريل 2026، طبّقت محكمة الجنايات الرابعة الإجراءات المنصوص عليها في المادة 322، فتلت أسماء المتهمين الغائبين، وأصدرت قرارات تتعلق بمواعيد التبليغ. وفي جلسة 10 أيار/مايو 2026، قررت المحكمة أنَّ مذكرات الدعوة أُبلِغت أصولًا في آخر محل إقامة معروف للمتهمين، وأثبتت عدم حضورهما، وأعلنتهما فارَّين، وأمرت باتخاذ تدابير تتعلق بأموالهما. ويحدّد التحليل القانوني السابق للشبكة السورية لحقوق الإنسان فجوتين في السجل العلني: تتمثل الأولى في غياب سجل شامل للإخطارات يوثّق أساليب كل محاولة إخطار وقنواتها ونتائجها، والثانية في غياب ما يؤكد، ضمن السجل العلني، أنَّ المحكمة عيّنت محاميًا مستقلًا لتمثيل المصالح الإجرائية للمتهمين الغائبين.

يقول فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان: «تنطبق ضمانات المحاكمة العادلة الأربعة كاملةً على الإجراءات أمام محكمة الجنايات الرابعة، ولا ينتقص من مضمونها وجود عقبات عملية تحول دون الوصول إلى بشار وماهر الأسد. كما أنَّ الالتزام الكامل بها ضروري لصون النزاهة الإجرائية لهذه المحاكمات».

 ويضيف: «في ظروف الغياب البنيوي، ينبغي التعامل مع أي حكم غيابي باعتباره حكمًا مشروطًا بموجب المادتين 328 و329 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري. وقد تتمثل قيمته العملية في إنشاء سجل علني للوقائع والأسس القانونية، ودعم الإجراءات اللاحقة وملفات الولاية القضائية العالمية، وتزويد آليات الأمم المتحدة بالأدلة، ضمن حدود ولاية كل منها».

ويتألف الإطار القانوني الواجب التطبيق من القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الجنائي الدولي. ويستند التقرير أساسًا إلى المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه سوريا في 21 نيسان/أبريل 1969، وإلى التعليق العام رقم 32 الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان. وعندما تندرج الأفعال المزعومة ضمن سياق نزاع مسلح، يستند التقرير أيضًا إلى المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف، وإلى القانون الدولي الإنساني العرفي، بما في ذلك القاعدة 153 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر المتعلقة بمسؤولية القادة وغيرهم من الرؤساء عن جرائم الحرب التي يرتكبها مرؤوسوهم. كما تُستَخدم الاجتهادات القضائية المقارنة الصادرة عن المحكمة الخاصة بلبنان، والمحكمة الجنائية الدولية، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بوصفها مراجع استرشادية إلى جانب هذه المتطلبات.

وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان السلطات السورية ومحكمة الجنايات الرابعة إلى تطبيق الضمانات الأربعة بوصفها الحد الأدنى لمعايير المحاكمة العادلة في جميع الإجراءات الغيابية، والاحتفاظ بسجل شامل للإخطارات الخاصة بكل متهم غائب، وتعيين محامين مستقلين مزودين بالموارد الكافية لتمثيل المصالح الإجرائية للمتهمين الغائبين. كما تدعوهما إلى أن يتضمن تسبيب أي حكم غيابي معالجة صريحة للظروف البنيوية، والضمانات المطبقة، والدلالة الإجرائية للحكم، والآليات التي تُبقيه خاضعًا لإعادة النظر بموجب المادتين 328 و329. وعندما تستند التهم إلى مسؤولية القيادة، يجب أن يحدّد قرار الاتهام أساسًا صحيحًا في القانون السوري أو مصدرًا واضحًا في القانون الدولي، وأن يبيّن عناصر القيادة والسيطرة الفعليتين، والعلم، والتدابير الضرورية والمعقولة، استنادًا إلى أدلة خاصة بكل حالة.

وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان السلطتين التشريعية والدستورية في سوريا إلى اعتماد تشريعات تعرّف صراحةً الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وصور المسؤولية التي يجوز للمحاكم السورية الاستناد إليها، بما يتفق مع المادتين 14 و15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 12 من الإعلان الدستوري الانتقالي الصادر في 13 آذار/مارس 2025.

وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان السلطات القضائية وسلطات الادعاء العام الفرنسية، ضمن حدود ولايتها ومع احترام استقلال القضاء، إلى الحفاظ على قنوات قانونية للتواصل وتبادل المساعدة القانونية مع السلطات الانتقالية السورية، مع إيلاء الاعتبار الواجب لحماية الشهود والأدلة وضمان السرية.

وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان لجنة التحقيق الدولية المستقلة، المنشأة بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان S-17/1 المؤرخ في 22 آب/أغسطس 2011، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، المنشأة بموجب قرار الجمعية العامة 71/248 المؤرخ في 21 كانون الأول/ديسمبر 2016، إلى أن تقيّما، كلٌّ ضمن نطاق ولايتها، المواد الناتجة عن الإجراءات السورية وفق معاييرهما الإثباتية الخاصة، وألا تعتبرا الإجراءات القابلة لإعادة الفتح أو الإلغاء بموجب القانون السوري أحكام إدانة جنائية نهائية أو عائقًا أمام عملهما التحقيقي والتحليلي.

المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى