
خلف كل مفقود حكاية بحث مريرة، وغالباً ما تكون امرأة في قلبها، هذه الرحلة التي خاضتها آلاف الأمهات والزوجات والأخوات في سوريا على مدى سنوات طويلة، باتت تحظى اليوم باعتراف دولي، بعدما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع مشروع قرار تقدمت به سوريا لإعلان 19 كانون الأول يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين.
أم عبد الله واحدة من الأمهات السوريات اللواتي حملن سنوات طويلة عبء الانتظار والبحث عن مصير أبنائهن المفقودين. سنوات طويلة قضتها في البحث عن ابنها عبد الله مازن السعود، الذي اعتقلته أجهزة نظام الأسد الأمنية في حلب للمرة الثانية في شباط 2012، قبل أن يصل خبر وفاته إلى عائلته عام 2019، بعد أعوام من الانتظار والمطالبة بمعرفة مصيره.
وحين تتحدث أم عبد الله عن ابنها، فإنها لا تستعيد سيرة الغائب فحسب، بل تستحضر تفاصيل شاب كان يحلم بالتغيير ويقف خلف الكاميرا لتوثيق المظاهرات، قبل أن يصبح هو نفسه واحداً ممن تبحث عنهم الأمهات.
ومن هذه المسافة بين ابنٍ يقف خلف الكاميرا، وأمٍّ تقف في الشارع باحثة عنه، تبدأ حكاية عبد الله.
من شاشة الكمبيوتر إلى الشارع
وُلد عبد الله في مدينة معرة النعمان بريف إدلب، في تموز 1989. وكان طالباً في السنة الثانية بقسم علم الاجتماع في جامعة حلب، حين بدأت الدول العربية تشهد موجة من الاحتجاجات التي أطاحت بنظامين في تونس ومصر.
قبل اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، كان عبد الله واحداً من الشباب الذين يتابعون تلك الأحداث ويتناقشون بشأن إمكانية حدوث تغيير في سوريا.
ورغم حجب وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها شكّلت مساحة لنقاشات الشباب بشأن الحريات والتعبير والصحافة والاستبداد والفساد. وكان عبد الله ورفاقه يتحايلون على الحجب للوصول إلى هذه المواقع والتواصل فيما بينهم، ومناقشة ما يجري في المنطقة وما قد يحدث في سوريا.
في المنزل، كان والده يحاول الحد من حماسه، محذراً إياه من ثمن المواجهة. فقد عاش الأب سنوات الثمانينيات، وكان يعرف معنى أن يواجه السوريون نظاماً أمنياً مجرماً.
كان يقول لعبد الله إن سوريا ليست كغيرها من البلدان، وإن الطريق الذي يتحدث عنه قد يقوده إلى الاعتقال والقتل. لكن عبد الله كان يرى المستقبل بطريقة مختلفة.
تتذكر والدته أنه كان يقول لها بثقة: “نحن رح نقوم والثورة رح تنجح وبكرة تشوفوا“. لم تكن تعلم آنذاك أن ثمن تلك الكلمات سيكون سنوات طويلة من البحث عنه.
“ماما.. 15 آذار العرس“
في شباط 2011، بدأ عبد الله ورفاقه التحرك في حلب. وكان يعود من معرة النعمان إلى الجامعة بعد انتهاء العطلة، ويلتقي شباناً آخرين يتحدثون عن مظاهرات مرتقبة في المدينة.
وفي الخامس من آذار، ذهب إلى الجامعة والتقى رفاقه، وكانوا يتحدثون عن الخامس عشر من الشهر نفسه بوصفه موعداً لانطلاق الثورة.
اتصل عبد الله بوالدته من الجامعة، وقال لها: “ماما، ماما، الحمد لله 15 آذار! 15 آذار العرس!”، كان فرحاً بالموعد الذي تخيله بداية لحدث كبير، لكن الليلة نفسها حملت بداية مسار مختلف في حياته.
اعتقلت أجهزة النظام المخلوع عبد الله وصديقه أدهم بيطار، الطالب في كلية الهندسة المدنية، واقتادتهما من حلب إلى إدلب، قبل نقلهما إلى الفرع 248 في دمشق.
حدث ذلك مطلع آذار 2011، أي قبل اندلاع الثورة السورية بأيام، بقي عبد الله معتقلاً نحو شهرين، في حين كانت رقعة الاحتجاجات تتسع في الخارج، أما في المنزل، فلم تكن والدته تعرف مكان احتجازه.
أمّ تنتظر خلف الباب
لم تكن أم عبد الله تملك كثيراً من المعلومات. كانت تعلم أن ابنها في قبضة الأجهزة الأمنية، لكنها لم تكن تعرف شيئاً عن مصيره.
ولم يكن الخوف من الاختفاء مجهولاً لدى العائلات السورية، فقد كانت تتذكر قصص معتقلي الثمانينيات الذين اختفوا ولم يعودوا إلى ذويهم.
وتقول أم عبدالله إنها خسرت نحو عشرة كيلوغرامات من وزنها خلال الشهرين اللذين أمضاهما عبد الله في الاعتقال.
كان الخوف ينهشها من الداخل: ماذا لو لم يعد؟
بعد جهود ووساطات، أُفرج عن عبد الله، ونُقل إلى إدلب قبل أن يعود إلى عائلته في معرة النعمان، لكن أكثر ما بقي في ذاكرة أمه من ذلك اليوم لم يكن الحديث عن السجن وحده، بل أن أول ما اشتهى تناوله كان الملوخية.
“اطبخي لي ملوخية“
في الطريق من دمشق إلى إدلب، تمكن عبد الله من الحصول على هاتف لبضع دقائق واتصل بوالدته.
لم تكن تعلم أن ذلك الاتصال سيصبح، بعد سنوات، واحداً من أكثر الذكريات التصاقاً بذاكرتها.
أخبرها أنه في الطريق، وطلب منها أن تطبخ له الملوخية، وأن تشتري له حلوى شعبية محشوة بالفستق الحلبي.
فعلت ما طلبه منها، وانتظرته في المنزل وأعدّت له الطعام، في حين تأخر الإفراج عنه حتى ساعات بعد الظهر.
وعندما وصل أخيراً، كان جسده يحمل آثار الشهرين اللذين أمضاهما في المعتقل، كان يرتدي الطقم نفسه الذي اعتُقل به.
وتقول والدته إن ملابسه تهالكت خلال فترة احتجازه، وإنه كان يعاني أمراضاً جلدية، أرادت التخلص من الطقم، لكن عبد الله رفض.
قال لها: “لا تكبيه، خليه.. هاد ذكرى“
احتفظ بالملابس لأنها أصبحت، بالنسبة إليه، شاهداً على ما مرّ به.
أما والدته، فاحتفظت بذاكرة أخرى: ابن عاد إلى المنزل، وجلس بين أهله وجيرانه، وأكل الملوخية، لكن لم أكن أعلم أن عودته تلك ستكون مؤقتة.
أم عبد الله في الوقفات
مع اتساع الاحتجاجات، لم يبقَ عبد الله وحده في مواجهة الخوف، إذ بدأ شقيقاه أيضاً بالمشاركة في المظاهرات. كان عمر وعبد الرحمن مترددين في البداية تجاه الثورة، ويريدان إكمال دراستهما بعيداً عن هذا الحدث الكبير، لكن اعتقال عبد الله غيّر موقفهما.
نزلا إلى المظاهرات في معرة النعمان للمطالبة بالإفراج عن شقيقهما وسائر المعتقلين. أما والدته، فكانت جزءاً من المشهد الآخر للثورة، مشهد العائلات التي تحمل صور أبنائها وتطالب بمعرفة مصيرهم.
وتتذكر أم عبد الله أنها كانت تشارك في الوقفات التي تُنظم سنوياً في ذكرى الاختفاء القسري، وترفع مع آخرين صور المعتقلين للمطالبة بالكشف عن مصيرهم. وفي السنوات التالية، أصبح البحث عن المعتقلين والمفقودين جزءاً من حياتها العامة، وصولاً إلى انضمامها إلى تجمع “عائلات من أجل الحرية”.
عبد الله خلف الكاميرا
بعد خروجه الأول من المعتقل، لم يتراجع عبد الله، على العكس، انخرط أكثر في النشاط الثوري والإعلامي، تعلم كيفية تنفيذ البث المباشر، وبدأ بتوثيق المظاهرات في معرة النعمان وريفها، كان يؤمّن هواتف وأجهزة ومستلزمات للعمل الإعلامي، ويساعد في نقل صور الاحتجاجات إلى وسائل الإعلام.
تقول والدته إن عبد الله، رغم وجوده في قلب المظاهرات، لم تكن له سوى صورة واحدة تقريباً بينها، لأنه كان في الغالب خلف الكاميرا، ينسق ويصور وينقل ما يحدث.
ظهر صوت عبد الله في وسائل إعلامية بصفته شاهداً على الأحداث، مستخدماً اسمين حركيين: “أوس البنا” و”أبو محمد المعراوي”.
وكان نشاطه يتوسع مع اتساع رقعة الاحتجاجات، كما شارك في التواصل بين تنسيقيات مناطق مختلفة، وأسس صفحة “الصنديد” لمعرة النعمان وريفها، ثم أسهم مع رفاقه في تأسيس مكتب إعلامي للمنطقة.
خرج أيضاً إلى تركيا في إحدى المرات، وعاد بمستلزمات قال إنه يحتاجها للعمل في ظل تصاعد العنف، بينها أكياس دم وهواتف وأجهزة حاسوب.
لم يعد عبد الله، الشاب الذي كان يدرس علم الاجتماع، مجرد طالب جامعي، بل أصبح واحداً من الذين يوثقون ما يجري.
حين أصبح هو الخبر
مع تصاعد العمليات العسكرية والمداهمات، اضطر عبد الله ورفاقه إلى مغادرة معرة النعمان والتنقل بين مناطق ريف إدلب، استمر في التظاهر والتوثيق والعمل الإعلامي.
كان يذهب إلى المظاهرات، يصورها، ثم يهرب مع رفاقه عندما تبدأ قوات النظام المخلوع بإطلاق النار أو ملاحقة المشاركين، وفي تلك الفترة، أصبح اسمه معروفاً لدى الأجهزة الأمنية، فكان يتجنب الحواجز، ويتنقل بطرق فرعية، ويواصل نشاطه.
لكن في 21 شباط 2012، انتهت رحلة الهروب، اعتُقل عبد الله للمرة الثانية برفقة شقيقه عبد الرحمن، في أثناء توجههما من معرة النعمان إلى حلب، وقبل وصولهما، كانا قد تعرضا لعملية سلب على الطريق، استولى خلالها مسلحون على هواتفهما وأموالهما، قبل أن يطلقوا النار على إطارات السيارة.
وحين وصلا إلى حلب وتوقفا قرب “كازية الأهرام” لإصلاح الإطارات، دهمتهما دورية تابعة للأمن العسكري. وبعد التدقيق في هويتيهما، اعتُقل عبد الله لوجود تقارير أمنية بحقه.
هذه المرة، لم يكن انتظار الأم عودته من المعتقل مسألة أيام أو أسابيع، كان ذلك بداية انتظار من نوع آخر.
صيدنايا.. والسنوات التي بلا جواب
خرج عبد الرحمن بعد نحو ثلاثة أشهر من الاعتقال، عقب جهود ووساطات، لكن عبد الله بقي في المعتقل، وتنقل بين عدد من الفروع والسجون، وفق ما تمكنت العائلة من معرفته، من بينها الشرطة العسكرية، والبالوني في حمص، والقابون، والفرع 215، والفرع 291، وفرع فلسطين، وصولاً إلى سجن صيدنايا.
كان كل اسم من هذه المعتقلات يعني بالنسبة إلى والدته احتمالاً جديداً:
ربما هو هنا.
ربما ما يزال حياً.
ربما سيخرج.
ربما يصل خبر.
لكن السنوات مرّت من دون أن يعود.
ولم يكن الغياب خلال تلك السنوات مجرد غياب شخص عن المنزل، بل كان غياباً عن التفاصيل اليومية، عن مقعده وصوته وطعامه المفضل، وعن ذلك الطقم الذي أراد الاحتفاظ به بوصفه “ذكرى”. كانت الأم تعيش بين صورتين: ابن عاد مرة من المعتقل، وابن لم يعد في المرة الثانية.
2019.. الخبر الذي أنهى الانتظار ولم يُنهِ الحكاية
في عام 2019، تلقت العائلة نبأ مقتل عبد الله تحت التعذيب، عبر صديق له كان قد خرج من معتقلات نظام الأسد المخلوع. جاء الخبر بعد سنوات طويلة من البحث والانتظار، ومحاولات لم تنقطع لمعرفة مصيره.
بالنسبة إلى عائلة انتظرت سنوات، لا يشبه خبر الموت نهاية الغياب تماماً، فالمفقود الذي لا يعرف أهله مصيره يبقى حاضراً في الاحتمالات.
هل سيعود؟
هل سيظهر؟
هل يصل اتصال؟
هل يأتي أحد بخبر؟
وعندما يأتي خبر الموت، ينتهي سؤال واحد، لكن تبدأ أسئلة أخرى
ماذا حدث له؟
متى مات؟
وكيف؟
أسئلة لم تجد أم عبد الله كلها أجوبة لها، لكنها وجدت طريقة أخرى لحفظ ابنها: رواية حكايته.
أمّ تحمل ذاكرة ابنها
تعمل أم عبد الله اليوم مديرة مدرسة، وتواصل نشاطها ضمن تجمع “عائلات من أجل الحرية”، وهو حركة حقوقية سورية تقودها نساء، وتتكون من عائلات فقدت أحباءها بسبب الاعتقال التعسفي أو الإخفاء القسري في سجون النظام السوري وأطراف النزاع الأخرى.
حين تتحدث أم عبد الله عن ابنها، لا تبدأ من نهاية قصته، بل من اللحظة التي اختار فيها المشاركة في الثورة، تبدأ من شاب كان يدرس علم الاجتماع، ومن جهاز كمبيوتر قديم كان يجلس أمامه برفقة والديه، ومن حماسه للحرية والحلم بوطن يليق بأبنائه، من دون أن يدرك أن هذا الحلم سيقوده إلى أيدي جلادين لا يعرفون سوى القمع والتعذيب.
من تبحث عن المفقودين
تأتي قصة أم عبد الله اليوم في لحظة تحظى فيها قضية النساء الباحثات عن المفقودين باعتراف دولي. لكن هذا الاعتراف، بالنسبة إليها، لم يبدأ بقرار أممي، بل في منزل انتظر ابناً لم يعد، وفي شوارع وساحات وقفت فيها أم تحمل صورة معتقل وتسأل: أين عبد الله؟
لذلك، فإن اعتماد 19 كانون الأول يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين ليس مناسبة رمزية بالنسبة إلى أم عبد الله، بل اعتراف بقصة عاشتها هي ونساء كثيرات مثلها، نساء لم يملكن سوى الذاكرة والصورة والسؤال، وواصلن البحث حين لم يبقَ لهن شيء آخر.
ووثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وجود ما لا يقل عن 177,021 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 امرأة، ما يزالون في عداد المختفين قسرياً في سوريا منذ آذار 2011.
المصدر: تلفزيون سوريا






