
بعد الانتخابات التشريعية في ولاية ساكسن أنهالت الألمانية في 6 سبتمبر/ أيلول الجاري، أصبح السؤال، ماذا يحدث عندما يصبح الحزب الذي ظل النظام السياسي الألماني يعزله قادراً على الفوز بنحو نصف أصوات الناخبين في ولاية كاملة؟ حقق البديل من أجل ألمانيا (AFD) فوزاً تاريخيّاً حاصداً نحو 44% من الأصوات، وأكثر من ضعف النتيجة التي حققها في انتخابات 2021. وحصل على 39 مقعداً في البرلمان المحلي المؤلف من 83 مقعداً، أي ثلاثة مقاعد فقط من دون الأغلبية المطلقة. في المقابل، انهارت حصة الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، حزب المستشار فريدريش ميرز، إلى نحو 17%، في واحدة من أسوأ نتائجه في الولاية منذ إعادة توحيد ألمانيا. كما فاز مرشّحو “البديل” بـ 38 من أصل 41 دائرة انتخابية مباشرة، فيما لم يحصل “الديمقراطي المسيحي” على أي مقعد مباشر تقريباً بعد أن كان قد فاز بـ 40 من أصل 41 دائرة في انتخابات 2021.
إنها لحظة تكشف أن جدار العزل الذي أقامته الأحزاب الألمانية التقليدية حول اليمين المتطرّف لم يعد كافياً لمنع تحوله إلى القوة السياسية الأكبر في أجزاء واسعة من البلاد. صحيحٌ أنّ “البديل” لم يحصل بعد على الأغلبية اللازمة للحكم منفرداً، وأنّ الأحزاب الأخرى ما زالت ترفض رسميّاً تشكيل ائتلاف معه. لكن المسألة لم تعد تتعلق بإمكان إبقائه خارج السلطة إلى الأبد، بل بكيفية إدارة نظام سياسي أصبح فيه الحزب صاحب أكبر كتلة في البرلمان المحلي، وقريباً جداً من امتلاك الأغلبية. وهنا تعود المفارقة التي تستحق التوقف عندها، لماذا يزداد التصويت لحزب قد تكون بعض سياساته الاقتصادية مكلفة بصورة خاصة للناخبين الذين يصوتون له؟
لا تزال الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الشرق والغرب حاضرة في الوعي العام
قبل الانتخابات، كانت الدراسات الاقتصادية قد كشفت مفارقة لافتة في ساكسن أنهالت، فالمعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (DIW) قدّر أن تطبيق مجموعة من السياسات التي يدعو إليها “البديل” يمكن أن يؤدّي إلى انخفاض الدخل الحقيقي المتاح للفرد في الولاية بنحو 6.2%، أي ما يعادل نحو 1600 يورو سنويّاً، إضافة إلى خسارة نحو عشرة آلاف وظيفة. ولا تعني هذه الأرقام أن كل ناخب سيخسر هذا المبلغ فعلاً، فهي نتائج محاكاة اقتصادية تعتمد على افتراضات محدّدة، وليست توقعاً حتميّاً للمستقبل. لكنها تكشف تناقضاً مهمّاً، المناطق التي يبدو فيها الحزب أكثر شعبية هي أيضاً من المناطق التي يمكن أن تكون أكثر هشاشة أمام بعض آثار سياساته الاقتصادية، فالولاية تعاني من الشيخوخة السكانية، وهجرة الشباب، ونقص العمالة، وتعتمد قطاعات أساسية فيها على العمّال الأجانب، خصوصاً في الصحة والرعاية. ولذلك لا تواجه سياسة تقوم على تشديد الهجرة وإبعاد العمال الأجانب مشكلة أخلاقية أو إنسانية فحسب، وإنما تواجه أيضاً سؤالاً اقتصاديّاً مباشراً. ومع هذا، صوّت الناخبون لصالح حزب البديل بأكبر نسبة في تاريخه في الولاية. إذن، ربما المشكلة في السؤال نفسه، فالناخب لا يصوّت دائماً لمحفظته.
من السهل أن نقول إنّ الناخب الذي يصوّت ضد مصلحته الاقتصادية لا يفهم الاقتصاد. لكن هذا التفسير، إلى جانب أنه متعالٍ على الناخب، لا يفسر شيئاً، فالناس لا يعيشون في جداول الناتج المحلي ولا في نماذج الاقتصاد القياسي. إنهم يعيشون في أماكن محدّدة، ويتعاملون مع ارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، والهجرة، والشيخوخة، وإغلاق المدارس، ونقص الأطباء، وشعور أبنائهم بأن مستقبلهم سيكون خارج المنطقة. وعندما يشعر الإنسان أن حياته تتغيّر من دون أن يكون له تأثير في اتجاه هذا التغيير، تصبح السياسة وسيلة لاستعادة شيءٍ آخر غير المال، الإحساس بالسيطرة. وهنا تتحوّل الانتخابات من عملية لاختيار البرنامج الاقتصادي الأفضل إلى عملية تعبير عن الغضب. في كتابه “المؤمن الصادق” استطاع إيريك هوفر اختزال الظاهرة في مقاربة بين مفهومي العقلانية واللاعقلانية، فهو لم يبحث عن تفسير الحركات الجماهيرية في مصالح أتباعها المادية فقط، وإنما في حاجتهم إلى التغيير، والانتماء، والشعور بأنهم جزءٌ من قوة تستطيع أن تصنع المستقبل. تساعد هذه الفكرة على فهم ما يحدث في ألمانيا الشرقية، فحين يفقد المواطن الثقة في الأحزاب التقليدية، وفي المؤسّسات، وفي قدرة النظام السياسي على تحسين حياته، قد لا يصبح أكثر براغماتية، بل أكثر استعداداً للمغامرة السياسية. وهنا يمكن أن يصبح التصويت لحزب راديكالي أقلّ ارتباطاً بسؤال، على ماذا سأحصل، وأكثر ارتباطاً بسؤال ماذا سأغيّر، أو كيف سأعاقب السياسيين؟
لا يمكن تفسير صعود حزب البديل في الشرق الألماني بالفقر وحده، فناخبون كثيرون ليسوا من أفقر الألمان
لا يمكن تفسير صعود حزب البديل في الشرق الألماني بالفقر وحده، فناخبون كثيرون ليسوا من أفقر الألمان. تتعلق المسألة بما يمكن تسميته الحرمان النسبي، الشعور بأن المكان الذي يعيش فيه الإنسان لم يحصل على ما يستحقّه، وأن مناطق أخرى، أو فئات أخرى، أو مهاجرين، أو نخباً سياسية، استفادوا من النظام أكثر منه. ولهذا الشعور جذور تاريخية في شرق ألمانيا. بعد أكثر من ثلاثة عقود على الوحدة، لا تزال الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الشرق والغرب حاضرة في الوعي العام. وفي بعض المناطق، تحولت ذكرى التهميش إلى جزء من الهوية السياسية. وهنا نجح “البديل” في تحويل شعور اقتصادي واجتماعي معقد إلى سردية سياسية بسيطة، أنتم لم تخسروا لأن العالم تغير، وإنما لأن برلين تجاهلتكم. وأنتم لم تخسروا لأن الاقتصاد الألماني يمرّ بتحولات هيكلية، وإنما لأن النخب سمحت للمهاجرين والمنافسة الخارجية والاتحاد الأوروبي بأن يأخذوا منكم. لا يحتاج هذا التفسير إلى أن يكون صحيحاً بالكامل كي يكون سياسيّاً فعالاً. يكفي أن يكون مفهوماً ومقنعاً لمن يشعر بأن شيئاً ما في حياته لم يعد كما كان.
ليس المهاجرون وحدهم من يشعرون بالخوف من فوز اليمين المتطرّف في انتخابات شرق ألمانيا، ولا النخب السياسية والاقتصادية والثقافية وحدها، وليست بقية الولايات الغربية أيضاً، بل أوروبا كلها تنظر إلى ما حصل بعين الترقب. ألمانيا، بما تحمله من تجربة صعود هتلر والنازية من خلال صناديق الاقتراع قبل أقل من قرن بقليل تشكّل حجر الزاوية في الاستقرار الأوروبي، فكلتا الحربين العالميتين كانت ألمانيا طرفاً فيهما، وأشدّ القوميات تطرفاً جاءت منها. لذلك علينا أن ننتظر استكمال الولايات الأخرى انتخاباتها المحلية لنرى كيف ستكون التداعيات السياسية الداخلية أولاً، ثم وإثر هذا ننتظر تأثيراتها الأوروبية القريبة. وإلى ذلك الحين، علينا ألا ننسى أنّ الناخب قد يصوّت ضدّ مصالحه أحياناً إذا شعر بالتهميش، وعلى مبدأ المثل السوري الدارج “جكارة بالطهارة…”.
المصدر: العربي الجديد






