
لم تكن تصريحات زعيم منظمة بدر، هادي العامري، مجرّد زلّة لسان، عندما قال إنّ سلاح الفصائل والمليشيات العراقية هو ما حمى الدولة والنظام ممّا وصفها “فتنة تشرين”، بل كان اعترافاً بمَن تصدّى، وربّما بمَن خطّط للتصدّي، لشباب عراقيين خرجوا في تظاهرات لم يجتمع العراقيون على مثلها طوال مائة عام مضت. تظاهرات طالبت بدولة، بوطن يحفظ كرامة الإنسان، ويعيد للعراقيين ما ظلّ مفقوداً منذ لحظة الغزو الأميركي الكارثي للعراق عام 2003.
اعتراف العامري صادر عن واحد ممَّن أداروا عملية التصدّي لتلك الانتفاضة (أو الثورة، سمّها ما شئت)، بأنّ الفصائل المسلّحة التي ترفض اليوم تسليم سلاحها للدولة كانت حاضرةً في مواجهة أولئك المنتفضين في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، يعيد إلى الواجهة ذلك “الطرف الثالث” الذي طالما جرى حديثٌ عنه، باعتباره من يقف وراء عمليات قتل واغتيال طاولت عشرات من الشباب العراقيين الذين خرجوا عُزّلاً، إلّا من يافطة وهتاف، بحثاً عن وطن غائب.
المفارقة الأكثر إيلاماً في “تشرين” أنّ شابّاً عراقياً خرج مطالباً بوطن، فوجد نفسه في مواجهة سلاح عراقي يُفترض أنّه لحماية الوطن
هنا لا تعود المسألة مجرّد رواية سياسية متقابلة، ولا مجرّد خلاف على توصيف ما جرى، فالعامري، وهو أحد أبرز قادة “الإطار التنسيقي”، لم يتحدّث عن الفصائل بوصفها قوّة بعيدة من المشهد، وإنّما باعتبارها الطرف الذي تصدّى لـ”تشرين”. وهذا التصريح، وإن أراد به صاحبه الدفاع عن الفصائل وتبرير وجود سلاحها، يفتح الباب أمام سؤالٍ يطرحه العراقيون منذ ستّ سنوات: من قتل أولادنا؟ ولماذا؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن كان يدير المشهد؟
لم تكن “تشرين” تنظيماً مسلّحاً، ولا جيشاً أجنبياً، ولم تكن قوّةً حاولت احتلال العراق أو إسقاط الدولة بقوّة السلاح. كانت، في جانبها الأكبر، تظاهرات شبابية خرج فيها عراقيون يطالبون بوطن، وفرص عمل، وخدمات، ومحاربة الفساد، وإنهاء هيمنة الأحزاب والسلاح على الدولة. والأهمّ أنّ معظم هؤلاء الشباب كانوا من أبناء المحافظات التي تتحدّث القوى السياسية والفصائل عن تمثيلها والدفاع عنها؛ كانوا شيعة في معظمهم، خرجوا ضدّ نظام سياسي تديره أحزاب شيعية، وضدّ الفساد الذي صنعته الطبقة السياسية التي حكمت العراق سنوات. ولهذا كانت المفارقة الأكثر إيلاماً في “تشرين” أنّ شابّاً عراقياً خرج مطالباً بوطن، فوجد نفسه في مواجهة سلاح عراقي يُفترض أنّه لحماية الوطن.
وثّقت الأمم المتحدة والمنظّمات الحقوقية عمليات قتل واستخداماً مفرطاً للقوّة في تلك الاحتجاجات، إلى جانب عمليات اختطاف وإخفاء واغتيال طاولت متظاهرين وناشطين، وسقط مئات القتلى وآلاف الجرحى، فيما ظلّت قضية محاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات أقلّ بكثير من مستوى الجريمة وحجمها. ولكنّ كلام العامري يضيف شيئاً مهمّاً إلى ذلك كلّه، فهو لا يتحدّث عن دور الفصائل في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولا عن وجودها في المنظومة الأمنية، وإنّما عن تصدّيها لتلك الانتفاضة التي خرج فيها شباب عراقيون بكلّ نقائهم، وبكلّ براءتهم وعفويتهم، وهم يتصدّون لسلاح ظلّوا يعتقدون أنّه لن يوجَّه إلى نحورهم، لكنّه وُجّه إليهم، وقتل منهم من قتل، وأصاب من أصاب.
وبدلاً من أن تتحوّل تلك الدماء إلى قضية عدالة ومحاسبة، طاردت السلطات والفصائل كثيراً من الضحايا والناشطين، فهُجّر من هُجّر، واعتُقل من اعتُقل، وغُيّب من غُيّب، لتبقى تشرين الناصعة وصمة عار في جبين النظام السياسي في العراق. كان العراقيون يرون بأعينهم بعض مَن تصدّوا للاحتجاجات، وكانت المقاطع المصوّرة والصور المتداولة توثّق جانباً من المشهد، فضلاً عن مقاطع فيديو وصور ظهر فيها قادة فصائل عراقية مسلّحة إلى جانب قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني الذي اغتيل لاحقاً بغارة أميركية مطلع عام 2020، في اجتماعات ومشاهد من داخل غرفة إدارة الأزمة ومواجهة الاحتجاجات.
أعاد العامري، من حيث يدري أو لا يدري، “تشرين” إلى الواجهة، وأعاد طرح الأسئلة المسكوت عنها سنوات. اعتقد أنّه يدافع عن الفصائل وسلاحها منعاً لنزعه وحصره في يد الدولة، قدّم، حين أراد الدفاع عن تلك الفصائل وسلاحها، ما يعيد تسليط الضوء على دورها الإجرامي في مواجهة “تشرين”، ويفتح الباب مجدّداً للسؤال عن مسؤوليتها عمّا جرى: من كان يتّخذ القرار؟ ومن كان ينفّذه؟ ومن كان يعرف، ثمّ صمت؟
وهنا لا يمكن أن نمرّ على جرائم “تشرين” وننسى ما سبقها وما لحقها، فملفّات الانتهاكات والاختفاء القسري والتهجير والقتل التي رافقت سنوات الحرب على “داعش”، ولا سيّما في المناطق التي دخلتها فصائل مسلّحة، ما تزال من أكثر الملفّات إيلاماً وغموضاً في العراق، ولا تزال بحاجة إلى تحقيقات مستقلّة لكشف الحقيقة.
يحتاج العراق اليوم إلى أن يعيد تعريف نظامه السياسي وطبيعة العلاقة بين الدولة والسلاح
ليست “تشرين” مجرّد ذكرى في التقويم العراقي؛ إنّها قضية دماء لم تجفّ، وأمّهات لم يعرفن بعد من قتل أبناءهن، وشباب خرجوا يطالبون بوطن فعاد بعضهم إلى أهله محمولاً على الأكتاف. ولهذا يعيد كلام العامري فتح الملفّ، ويعيد محاسبة النظام السياسي برمّته، هذا النظام الذي ظلّ (ولا يزال) رهينةً في يد أحزاب السلطة التي تملك مليشيات خارج نطاق الدولة، وتفضّل ألّا تتخلّى عنها، على الرغم من أنّ هذه الأحزاب هي مَن تدير هذا النظام السياسي والدولة بنفسها منذ الغزو الأميركي.
يحتاج العراق، المطالب اليوم بحصر سلاح الفصائل في يد الدولة، قبل ذلك إلى أن يعيد تعريف نظامه السياسي، وأن يعيد تعريف طبيعة العلاقة بين الدولة والسلاح، وأن يعيد للسلطة القضائية دورها بعيداً من تأثير الأحزاب والمليشيات. العراق مطالب بفتح تلك الملفّات التي ستبقى غائرةً في جسد الدولة.
لقد خرج الفتية الحالمون يحدوهم الأمل في نهاية أبشع الفترات التاريخية في عمر العراق الحديث، تتقدّمهم أطياف ذكرى وطن يحتويهم، لكنّ الموت كان بالانتظار. واليوم، وفي مواجهة هذا الاعتراف الصريح من زعيم منظّمة لديها مليشيات مسلّحة، لم يعد ملفّ حصر السلاح مطلباً أميركياً، بل هو مطلب كلّ عراقي لا يريد أن يشهد الوطن مأساةً أخرى كالتي جرت في “تشرين” وقبلها وبعدها، يوم شُرِّعت أسلحة المليشيات لتغتال الوطن قبل أن تغتال شبابه.
المصدر: العربي الجديد






