
مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، تبدأ العائلات في ريف إدلب الجنوبي رحلة تجهيز أبنائها للمدرسة، وسط قائمة من الاحتياجات التي تتجدد مع كل بداية عام، من الحقائب والدفاتر والأقلام إلى الملابس والأحذية وغيرها من المستلزمات.
وتفرض هذه التجهيزات أعباء إضافية على الأسر، خصوصاً تلك التي لديها أكثر من طفل في سن الدراسة، في وقت تواجه فيه مدارس عامة نقصاً في التجهيزات والخدمات، ما يدفع بعض الأهالي إلى التفكير في التعليم الخاص، رغم تكلفته الأعلى.
وبين متطلبات الدراسة وقدرة الأسرة على تأمينها، يحاول الأهالي في ريف إدلب الجنوبي ترتيب أولوياتهم مع بداية عام دراسي جديد.
ثلاثة أطفال وفاتورة تتجاوز القدرة أحياناً
بالنسبة إلى الأسر التي لديها أكثر من طفل في سن الدراسة، تتحول الاستعدادات للمدرسة إلى حسابات دقيقة؛ إذ لا تقتصر النفقات على الدفاتر والأقلام، بل تشمل الحقائب والملابس والأحذية ومستلزمات أخرى، بينما يبقى تأمينها مرتبطاً بإمكانات كل أسرة.
ياسمين النايف، ربة أسرة ومعلمة من بلدة جرجناز في ريف معرة النعمان الشرقي، لديها ثلاثة أطفال، اثنان منهم في المدرسة والثالث في مرحلة الروضة.
تقول لموقع تلفزيون سوريا إنها بدأت، مع اقتراب موعد الدوام، بحساب ما تحتاج إليه لتجهيز أطفالها، لتجد أن تكلفة المستلزمات الأساسية لكل طفل تتراوح بين 22 و25 دولاراً، وفق تقديرها، حتى عند اختيار الأصناف العادية والابتعاد عن الأنواع الأعلى سعراً.
وتوضح أن المصاريف لا تقتصر على مشتريات بداية العام، إذ يضيف غياب الزي المدرسي الموحد بند الملابس إلى النفقات، فضلاً عن المستلزمات التي تنفد أو يحتاج إليها الطفل لاحقاً خلال الدراسة.
وتروي ياسمين أنها توجهت إلى السوق لشراء احتياجات أبنائها، لكنها عادت من دون إتمام الشراء بعدما وجدت الأسعار أعلى مما توقعت، وقررت تأجيل التجهيز في محاولة لترتيب مصاريف الأسرة بحسب الأولويات.
وتزداد الحسابات صعوبة لدى العائلات التي لديها خمسة أو ستة أطفال في المدارس، بحسب النايف، التي ترى أن وجود دخل ثابت لديها بوصفها معلمة يجعل وضعها أفضل من عائلات أخرى، رغم اضطرارها أيضاً إلى المفاضلة بين متطلبات الدراسة ومصاريف المعيشة، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء.
أما التعليم الخاص، الذي قد يبدو خياراً لبعض الأهالي في ظل نقص تجهيزات عدد من المدارس العامة، فتقول ياسمين إنها فكرت في تسجيل أحد أبنائها فيه، لكنها تراجعت بسبب القسط الشهري الذي يبلغ نحو 25 دولاراً، مفضلة توجيه هذا المبلغ إلى احتياجات أخرى تراها أكثر إلحاحاً.
قائمة المستلزمات تطول.. والأرخص خيار لكثير من الأسر
في الأسواق، لم تعد المشتريات المدرسية تقتصر على الحقيبة والدفاتر والأقلام، إذ توسعت قائمة الأدوات التي يطلبها الطلاب خلال السنوات الأخيرة، وتختلف بحسب المرحلة الدراسية.
ومع تعدد الأبناء، يصبح فارق الأسعار أكثر وضوحاً، ما يدفع كثيراً من الأهالي إلى الاكتفاء بالضروري أو اختيار الأصناف الأقل سعراً لتخفيف الفاتورة.
محمد نصر الدين، صاحب مكتبة العهد الجديد في مدينة معرة النعمان، يقول لموقع تلفزيون سوريا إن أسعار القرطاسية تغيرت مقارنة بالعام الماضي، وإن الفارق قد يبدو محدوداً عند شراء مستلزمات طفل واحد، لكنه يصبح أكثر وضوحاً لدى الأسرة التي لديها عدة طلاب.
ويوضح أن سعر الحقيبة يتراوح وسطياً بين 6 و7 دولارات، فيما تبدأ أسعار بعض الدفاتر من نحو 60 إلى 85 سنتاً، وترتفع أسعار دفاتر المرحلتين الإعدادية والثانوية، وكذلك الدفاتر الجامعية، إلى ثلاثة دولارات وأكثر.
ويشير نصر الدين إلى أن قائمة احتياجات الطفل باتت تشمل، إلى جانب الحقيبة والدفاتر والأقلام، أدوات التلوين والمقلمات وعلب الطعام وزجاجات المياه وأدوات الرسم وغيرها، فضلاً عن الملابس التي يشتريها الأهل خلال العام في ظل عدم وجود زي مدرسي موحد حتى الآن.
وبحسب تقديره، يحتاج الطفل بين السادسة والعاشرة من العمر إلى نحو 15 إلى 20 دولاراً لتأمين المستلزمات، من دون احتساب الملابس.
ويضيف أن سلوك الأهالي تغير مع ارتفاع الأسعار؛ إذ أصبح بعضهم يكتفي بالضروري، بينما يتجه آخرون إلى الأنواع الأرخص لتقليل الإنفاق.
أيمن عثمان، متعهد من بلدة البارة في ريف إدلب الجنوبي، لديه ثلاث بنات صغيرات، ويقدر أن تجهيز الطفلة الواحدة يكلفه بين 60 و70 دولاراً، تشمل الحقيبة والملابس والقرطاسية.
ويقول لموقع تلفزيون سوريا إن هذا المبلغ ليس قليلاً بالنسبة إلى الأسرة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الحقائب والملابس مقارنة بالعام الماضي.
ويشير عثمان إلى أن غياب الزي المدرسي الموحد يمثل عبئاً إضافياً على الأهالي، إذ تختلف الملابس المطلوبة من مدرسة إلى أخرى، ولا سيما في المدارس الخاصة، ما قد يضيف مصاريف أخرى خلال العام الدراسي.
وفي المدارس العامة، تعمل الجهات التربوية على استكمال التجهيزات وفق الإمكانات المتاحة، مع تفاوت مستوى الجاهزية من مدرسة إلى أخرى بحسب حجم الأضرار والكثافة الطلابية.
مدارس تستعد للطلاب رغم نقص الخدمات
ولا ترتبط العودة إلى المدرسة بقدرة الأهالي على شراء المستلزمات وحدها، إذ ما تزال بعض مدارس ريف إدلب الجنوبي بحاجة إلى استكمال تجهيزاتها وخدماتها، في ظل الأضرار التي خلفتها سنوات حرب النظام المخلوع على السوريين، وارتفاع أعداد الطلاب في الأبنية القادرة على استقبالهم.
ويضع هذا الواقع إدارات المدارس أمام تحديات تتعلق بتأمين المستلزمات الأساسية واستيعاب الطلاب ضمن الإمكانات المتاحة.
ويشير حمود محمد ديب، مدير مدرسة في بلدة معرشمشة بريف إدلب الجنوبي، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن مدرسته جاهزة لاستقبال الطلاب، لكنها تحتاج إلى عدد من المستلزمات اللوجستية، بينها القرطاسية، إلى جانب نواقص خدمية، في مقدمتها المياه.
ويوضح أن المشكلة لا تتوقف عند التجهيزات، إذ تواجه المدرسة صعوبة في استيعاب أعداد إضافية من الطلاب، في وقت ما تزال فيه المدرسة الإعدادية في البلدة مهدمة، ما يزيد الضغط على المدرسة القائمة.
ويقول ديب إن المدرسة تضم 15 شعبة صفية، ومع ذلك تبقى قدرتها على استقبال مزيد من الطلاب محدودة، في ظل نقص التجهيزات والخدمات اللازمة، مشيراً إلى أن الدوام سيبدأ بالتزامن مع استمرار العمل على معالجة ما أمكن من هذه النواقص.
التربية في إدلب.. الأولوية للتجهيز وتخفيف الاكتظاظ
وتوضح جميلة الزير، معاون مدير التربية في إدلب، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، أن الأولويات تتركز على تأمين المقاعد والسبورات والقرطاسية والكتب المدرسية، إلى جانب أعمال الصيانة والترميم وتأمين المياه والمرافق الصحية، ومعالجة احتياجات التدفئة والخدمات الأساسية، فضلاً عن سد النقص في الكوادر التعليمية والإدارية حيثما أمكن.
وتشير الزير إلى توقع أعداد كبيرة من الطلاب مع انطلاق العام الدراسي، موضحة أن الكثافة الصفية تشكل تحدياً في بعض المناطق، لذلك تعمل المديرية على توزيع الطلاب وفق الطاقة الاستيعابية للمدارس المتاحة، والاستفادة من الأبنية المدرسية الموجودة، وتنظيم الشعب الصفية بما يخفف الضغط.
أما توجه بعض الأهالي نحو المدارس الخاصة، فترى الزير أنه خيار يبحثون من خلاله عن ظروف تعليمية مناسبة لأبنائهم، مؤكدة أن التعليم العام يبقى الأساس، وأن تحسين البيئة المدرسية وتخفيف الاكتظاظ وتأمين المستلزمات والكوادر تمثل أولويات لرفع جودة التعليم وتوفير بيئة أكثر استقراراً للطلاب.
ومع كل دفتر وحقيبة وقطعة لباس، تحاول العائلات تأمين بداية دراسية مستقرة لأبنائها، رغم ضيق الخيارات وارتفاع النفقات، فيما يبقى تحسن ظروف المدارس وقدرتها على تلبية احتياجات الطلاب عاملاً أساسياً في تخفيف جزء من العبء عن الأسر.
المصدر: تلفزيون سوريا






