خطط قديمة بالية   

محمد أبو رمان

 

نشر موقع أكسيوس الأميركي، في الرابع من سبتمبر/ أيلول الجاري، تقريراً حصرياً للصحافي باراك رافيد بعنوان “إدارة ترامب تعدّ خطّةً للشرق الأوسط لما بعد الحرب”، استند فيه إلى مسؤولين أميركيين ومصادر مطلّعة على النقاشات الجارية داخل الإدارة. تكمن أهمّيته في أنّه يتحدّث عن بداية صياغة استراتيجية يفترض أن توجّه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب مع إيران، وخلال العامَيْن الأخيرَيْن من ولاية ترامب، وهو ما يمنحه أهمّيةً تتجاوز تفاصيل التسريب نفسه إلى الطريقة التي تفكّر بها واشنطن في إعادة بناء النظام الإقليمي بعد الحرب.
لا تبدو الخطط (التي كشفها التقرير) جديدةً بقدر ما تبدو محاولةً لإعادة تدوير تصوّرات سابقة ووضعها في ثوب جديد، وكأنّ الحروب والتحوّلات الهائلة التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الماضية لم تغيّر شيئاً في المعادلات السياسية والاستراتيجية. فالعودة إلى نظرية الاتفاقات الإبراهيمية، ووضع التطبيع السعودي – الإسرائيلي مرّة أخرى في قلب المشروع الأميركي، يكشفان قدراً واضحاً من الجمود، ليس في السياسات فقط، بل حتّى في الخيال السياسي الأميركي تجاه المنطقة.

كشف قرارات الكنيست، والقوانين والمواقف السياسية المتراكمة، عن اتجاه عام يقوم على تجاوز مشروع الدولة الفلسطينية، وليس البحث عن شروط العودة إليه

المشكلة الأولى في أنّ إدارة ترامب تعود إلى النقطة نفسها التي توقّفت عندها قبل الحرب، متجاهلةً العقدة التي حالت أصلاً دون انضمام السعودية إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وهي القضية الفلسطينية. فالشرط السعودي لم يعد غامضاً، ويتمثّل في وجود مسار سياسي واضح وذي مصداقية يقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية، بينما لا يوجد، في المقابل، أيّ مؤشّر حقيقي إلى استعداد إسرائيلي للعودة إلى مثل هذا المسار، ومن هنا يبدو ترامب كأنّه يدور حول نفسه: يريد اتفاقاً سعودياً – إسرائيلياً من دون توفير الشرط السياسي الذي يجعل هذا الاتفاق ممكناً.
تقودنا هذه المفارقة إلى معضلة ثانية أكثر عمقاً، لأنّ المشكلة لم تعد مرتبطةً ببنيامين نتنياهو وحده، ولا يمكن اختزالها في انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أو الرهان على حكومة جديدة، فقد حدث تحوّل كبير في إسرائيل نفسها تجاه القضية الفلسطينية، يتجاوز شخصية رئيس الوزراء الحالي ومستقبله السياسي. وتكشف قرارات الكنيست، والقوانين والمواقف السياسية المتراكمة، عن اتجاه عام يقوم على تجاوز مشروع الدولة الفلسطينية، وليس البحث عن شروط العودة إليه. لذلك، لو غادر نتنياهو وجاءت المعارضة أو تشكّل ائتلاف جديد، لا يستند الافتراض بأنّ إسرائيل ستعود تلقائياً إلى مسار الدولتَيْن إلى تحوّلات السياسة الإسرائيلية خلال المرحلة الماضية.
تتبدّى هنا المفارقة الأميركية بصورة أكثر وضوحاً: تتمسّك واشنطن بالتطبيع السعودي – الإسرائيلي مفتاحاً للنظام الإقليمي الجديد، بينما تتمسّك السعودية بشرط يتعلّق بالدولة الفلسطينية، في وقت تتحرّك إسرائيل في الاتجاه المعاكس تماماً، لا يكشف التصوّر الأميركي المسرّب عن إجابة حقيقية عن كيفية التوفيق بين هذه المتناقضات؛ بل يبدو أنّ الخطّة تقفز عنها، وكأنّ بالإمكان استعادة اللحظة السياسية التي سبقت 7 أكتوبر (2023) وحرب غزّة وما تلاهما.
ما تقفز عنه التسريبات الأميركية أنّ المنطقة نفسها لم تعد إلى تلك اللحظة، فقد فرضت حرب غزّة، قبل الحرب على إيران أخيراً، ديناميكيات مختلفة تماماً، إذ لم يكن التحوّل الأهم فيها متعلّقاً فقط بحجم الكارثة الإنسانية والسياسية التي أصابت الفلسطينيين، بل أيضاً بطبيعة العقيدة الإسرائيلية التي برزت خلالها، فقد انتقلت إسرائيل بصورة متزايدة من البحث عن الاندماج في النظام الإقليمي إلى محاولة فرض هيمنة عسكرية إقليمية، تقوم على حرّية استخدام القوّة، وتوسيع مفهوم الأمن الإسرائيلي إلى المجال الإقليمي، ومنع تشكّل مصادر تهديد محتملة قبل تحوّلها إلى أخطار مباشرة، ما أثار القلق والتساؤلات لدى دول المنطقة، بما فيها الدول الحليفة للولايات المتحدة التي لا تنظر إلى إيران شريكاً استراتيجياً.
المعضلة الرئيسية لدول الخليج العربي اليوم، ولدول عربية أخرى مثل الأردن ومصر، لم تعد الاختيار البسيط بين إيران وإسرائيل، بل كيفية بناء توازن إقليمي يمنع هيمنة أيّ منهما، ما أدّى إلى التطوّر الذي تكاد الخطط الأميركية المسرّبة تتجاهله، أي اتفاقية مكّة بين السعودية وتركيا وباكستان. إذ لا يمكن قراءة هذه الاتفاقية تحالفاً ضدّ الولايات المتحدة، ولا مشروعاً بديلاً كاملاً من المظلّة الأميركية، لكنّ دلالتها الاستراتيجية في مكان آخر، فهي تعكس محاولةً من ثلاث قوى إقليمية وسطى، حليفة بدرجات متفاوتة لواشنطن، لبناء قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية وإعادة تشكيل توازن القوى بعيداً من ثنائية إيران وإسرائيل.
في هذا الإطار تحديداً، من الضروري قراءة اتفاقية مكّة بوصفها أكبر من مجرّد اتفاقية دفاعية؛ لأنّها تمثّل، من حيث المبدأ، تحدّياً للفكرة التي قامت عليها النسخة الأولى من المشروع الإبراهيمي: إدماج الدول العربية، وفي مقدّمتها السعودية، في منظومة إقليمية تصبح إسرائيل أحد مراكزها الأمنية الرئيسة.
ذلك كلّه يقودنا إلى السؤال الرئيس: إذا كانت السعودية تتحرّك باتجاه بناء توازن إقليمي مستقلّ نسبياً مع تركيا وباكستان، فلماذا تفترض واشنطن أنّ الرياض ستعود ببساطة إلى المشروع السابق بالشروط نفسها؟ من زاويةٍ أخرى، بدأت الحرب بخطاب أميركي – إسرائيلي رفع سقف الأهداف إلى مستويات كبيرة، من تدمير القدرات الاستراتيجية الإيرانية إلى الحديث عن تغيير النظام أو خلق الظروف المؤدّية إليه، لكنّ الخطّة التي يكشفها “أكسيوس” تتحدّث عن احتواء إيران في مرحلة ما بعد الحرب. فالاحتواء هو، في جوهره، السياسة التي كانت قائمةً قبل الحرب أصلاً، وإذا انتهت الحرب بالعودة إلى فكرة التعايش مع إيران بوصفها قوّةً إقليميةً ينبغي ردعها واحتواؤها والتفاوض معها عند الضرورة، فإنّ السؤال المشروع يصبح: ماذا حقّقت الحرب استراتيجياً؟ وهل أدّت فعلاً إلى تغيير موقع إيران في النظام الإقليمي أم أعادت إنتاج المشكلة نفسها بكلفة أكبر؟

يريد ترامب اتفاقاً سعودياً – إسرائيلياً من دون توفير الشرط السياسي الذي يجعل هذا الاتفاق ممكناً

منحت الحربُ إيران ورقةً إقليميةً أكثر حساسيةً ممّا كانت تمتلكه سابقاً؛ فبعد تراجع كثير من أدوات نفوذها التقليدية في المشرق العربي، برز مضيق هرمز بوصفه مركزاً جديداً للنفوذ والضغط الإيرانيين، ولم تعد طهران تعتمد فقط على شبكات الحلفاء والقوى المسلّحة في العراق ولبنان واليمن وسورية، بل أصبحت قدرتها على التأثير في أمن الملاحة والطاقة والمصالح الاقتصادية الخليجية جزءاً مباشراً من معادلة الأمن الإقليمي.
تتبدّى هنا مفارقة أخرى في الخطط الأميركية؛ فالحرب التي كان يُفترض أن تُخرج إيران، أو تُضعف موقعها بصورة حاسمة في المعادلة الإقليمية، انتهت عملياً إلى تكريس ضرورة التعامل معها، وأصبحت دول الخليج، أكثر من أيّ وقت مضى، معنية بإيجاد صيغة مستقرّة للعلاقة معها، ليس حبّاً بإيران ولا قبولاً بسياساتها، بل دفاعاً عن مصالحها الاقتصادية والأمنية وأمن الملاحة والطاقة.
في الخلاصة، تبدو المشكلة في التصوّر الأميركي المسرّب أنّه يبدأ من فرضيات قديمة بينما تغيّرت البيئة التي أنتجتها: ربما تستطيع إدارة ترامب أن تعيد تغليف هذه الأفكار بمفردات جديدة وأن تقدّمها بوصفها “استراتيجية ما بعد الحرب”، لكنّ المشكلة ليست في التغليف، لذلك، فإنّ السؤال الحقيقي ليس كيف تعيد الولايات المتحدة المنطقة إلى مشروع ما قبل الحرب، بل ما إذا كانت قادرة أصلاً على إدراك أنّ ما بعد الحرب لا يمكن بناؤه بخطط ما قبلها؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى