فيلم صيني يروي حكايتنا

  سامر خير أحمد

في دار سينما بمدينة تشونغتشينغ الصينية، التي أكتب منها هذا المقال، وجدتُ نفسي جالساً وسط جمهور صيني أتابع فيلماً أحداثه في مدينة عربية تعصف بها الحرب، تحاكي قصّة احتلال الجيش الأميركي بغداد عام 2003، ويشارك في بطولته ممثّلون عرب يتكلّمون العربية في الشاشة، فيما تتكفّل الترجمة الإنكليزية بإيصال الحوار الصيني إليّ. عنوان الفيلم “مرحباً بكم في مطعم التنّين”، الحدث السينمائي الأبرز في الصين هذا الصيف، وقد حصد في يوم عرضه الأوّل إيرادات تجاوزت مائتي مليون يوان (نحو 30 مليون دولار)، وصُوّرت معظم مشاهده في استوديوهات أقيمت في مدينة تشنغدو الصينية لتحاكي منطقتنا، مع مشاهد واقعية أخرى صُوّرت في مصر والأردن.

الفيلم، في ظاهره، قصّة بسيطة حدّ الخداع. طاهٍ صيني يدعى شيوي فو يسافر إلى بلد عربي لسداد ديونه، فيشارك في إدارة مطعم صيني صغير، وما إن تندلع الحرب في المدينة حتّى يتحوّل المطعم المتواضع إلى ملاذ يحتمي به النازحون من السكّان المحلّيين، تحت شعار يلخّص روح الفيلم: “في مطعم التنّين، لا يوجد سوى السلام والطعام الجيّد”. والقصّة، على ما تقول التقارير الصينية، مستلهمة من حكايات حقيقية لتجّار صينيين أسّسوا مشاريعهم في مناطق الصراع في الشرق الأوسط، وبقوا فيها حين غادر غيرهم. وفي العمق، الفيلم أبعد ما يكون عن البساطة، لأنّه يقدّم للمشاهد الصيني، وللمشاهد العربي إن أتيحت له مشاهدته، سرديةً عن الحرب والسلام تختلف جوهرياً عمّا اعتدناه من السينما العالمية.

ولكي تتّضح هذه النقطة، لا بدّ من استحضار السؤال الذي طالما أرّق المثقّفين العرب: من يروي حكايتنا للعالم؟ فطوال قرن، كانت “هوليوود” هي التي تصوغ صورة العربي في المخيال العالمي، وكانت تلك الصورة تتأرجح بين الإرهابي والثري الساذج والكومبارس الصامت في خلفية المشهد، حتّى صار العرب أمّةً تُروى ولا تَروي، ويعرفها العالم بعيون غيرها. أمّا هذا الفيلم فيقدّم شيئاً مختلفاً: العربي فيه جار وشريك وصديق، إنسان يحبّ الحياة ويتشبّث بها وسط الخراب، والحرب ليست ديكوراً لبطولة منقذ أبيض يهبط من السماء، بل مأساة يتقاسم البشر، صينيين وعرباً، البحث عن النجاة منها حول موقد مطبخ. وليس تفصيلاً عابراً أنّ البطل الصيني هنا طاهٍ لا جندي، ورجل أعمال صغير لا ضابط مخابرات؛ ففي هذا الاختيار تكمن الصورة التي تحبّ الصين أن تقدّمها عن نفسها في منطقتنا: أمّة جاءت إلى الشرق الأوسط بالتجارة والطعام لا بالقواعد العسكرية.

جهودنا في صناعة صورتنا لدى شعوب آسيا، وفي مقدّمتها الشعب الصيني، أقلّ ممّا تستحقه قضايانا ومآسينا وأحلامنا

أبلغ ما في الفيلم معالجته قضية الإرهاب، وهي التهمة التي لاحقت العرب في السينما الغربية عقوداً. ففي واحد من أكثر مشاهد الفيلم كثافةً ودلالةً، يقول جندي أميركي عن أطفال المدينة العربية المحتلّة إنّهم “يولدون إرهابيين بطبيعتهم”، فيردّ عليه الطاهي الصيني بلغته الصينية، التي يعرف أنّ الأميركي لا يفهمها، ما معناه: أنتم سبب الإرهاب، فلولا احتلالكم لما استعمل هؤلاء الناس العنف الذي تسمّونه إرهاباً. وفي هذا المشهد تختصر السينما الصينية فرقاً جوهرياً بين نظرتَين إلى منطقتنا: واحدة غربية عنصرية ترى في العربي شرّاً فطرياً يُولَد مع ولادته، فلا تكلّف نفسها البحث عن أسباب العنف، لأنّها حسمت أنّ العلة في الجينات لا في التاريخ، وثانية صينية موضوعية ترى الظاهرة في أسبابها، فتردّ العنف إلى الاحتلال الذي ولَّده، وتميّز بين إرهابٍ يُدان ومقاومةٍ لها سياقها ومسوّغاتها. وليس اختيار اللغة الصينية وسيلةً للردّ تفصيلاً عابراً هو الآخر، ففيه إشارة ذكية إلى أنّ هذا الفهم الموضوعي لمنطقتنا ما يزال حديثاً داخلياً صينياً لم يُقَل بعد في وجه الغرب علانية، لكنّه حاضر وراسخ في الوعي الصيني العميق. وهذا تحديداً ما يجب أن ننتبه إليه نحن العرب: إنّ قوّةً كُبرى صاعدةً تنظر إلينا بوصفنا ضحايا احتلال لا مصنعاً للإرهابيين، وهو رصيد ينبغي البناء عليه في هندسة علاقاتنا المستقبلية مع القوى الكُبرى، فليس سيّان أن تتعامل مع قوّة تراك مذنباً بالفطرة، وأخرى تفهم تاريخك وتنصف مظلوميتك.

على أنّ ذلك لا يعني أنّ الفيلم منح وثيقة براءة لكلّ أعمال العنف، لأنّ بعضاً منها يندرج في وصف الإرهاب فعلاً، بخاصّة استغلال الأطفال عبر غسل أدمغتهم، ثمّ استعمالهم قنابلَ موقوتةً لتفجير أنفسهم وسط الجنود أو على حواجز التفتيش، ما جعلهم ضحيّةً على صعيدَين: الاحتلال الذي يراهم مشاريع إرهابيين للمستقبل تجوز تصفيتهم، وقادة المليشيات المسلّحة التي تستغلّ براءتهم لمصادرة طفولتهم من أجل تنفيذ أجندتها.

تدرك الصين أنّ السينما ذراع من أذرع الحضور في العالم، لا تقلّ شأناً عن التجارة والدبلوماسية

تفاعل الصينيين في صالة عرض الفيلم يستحقّ التأمّل أيضاً، فهم لم يتابعوا “آخرين” غرباء يتقاتلون في أرض بعيدة، بل شخصيات إنسانية كاملة ابتسموا لها وحزنوا عليها وتمنّوا لها النجاة. كانوا تارّةً يضحكون لمفارقات الحوار بين الطاهي الصيني وجيرانه العرب، وأخرى يصمتون صمتاً ثقيلاً حين يشتدّ القصف على المدينة، وثالثة يتألّمون لمشاهد القتل والخراب والدمار. وقد لاحظ نقّاد صينيون أنّ الفيلم، على الرغم من رسالته المناهضة للحرب، لم يبنِ سرديته على طريقة الأفلام الغربية التي تصنع بطلاً خارقاً ينتصر على الأشرار، بل على مفهوم صيني قديم “الانسجام على الرغم من الاختلاف”، أي أنّ السلام لا يتحقّق بانتصار طرف على طرف، بل بقدرة المختلفين على اقتسام مائدة واحدة. وأيّاً كان رأينا في قدرة هذا المفهوم على الصمود أمام تعقيدات السياسة الدولية، فإنّ تعزيزه في وجدان مئات الملايين من الصينيين، مقروناً بوجوه عربية ومآسٍ تشبه مآسينا، يشكّل رصيداً ثقافياً للعرب لدى ثاني أكبر قوّة في العالم.

يبقى أنّ الصين التي أنتجت فيلماً عن الشرق الأوسط بهذا الحجم من الإتقان وبهذه الإيرادات، فعلت ذلك لأنّها تدرك أنّ السينما ذراع من أذرع الحضور في العالم، لا تقلّ شأناً عن التجارة والدبلوماسية. أمّا نحن، أصحاب الحكاية وأهل الأرض التي تدور فيها الأحداث، فما زالت جهودنا في صناعة صورتنا لدى الشعوب الآسيوية الصاعدة، وفي مقدّمتها الشعب الصيني، أقلّ بكثير ممّا تستحقه قضايانا ومآسينا وأحلامنا. والفرصة اليوم سانحة: جمهور صيني أثبت هذا الصيف أنّه يتفاعل مع الحكاية العربية، وصناعة سينمائية صينية نجحت وحقّقت أرباحاً. فهل نبني على ذلك؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى