في ذكرى الكيماوي.. المجرم مازال طليقاً

أحمد مظهر سعدو

ليست ذكرى كأي ذكرى، كما أنها ليست جريمة مثل أي جريمة، فعلها الفاشيست الأسدي على مدى أربعة عشر عامًا ونيف من عمر ثورة الحرية والكرامة. ففي مثل هذا اليوم في ٢١ آب/ أغسطس من عام ٢٠١٣ استفاق أهل بلدة (زملكا) وكذلك (المعضمية) في ريف دمشق على هول ما جرى وقباحة الفعل الإجرامي الذي حصل، حيث تم إعدام أكثر من 1400 إنسان سوري من أطفال ونساء وشيوخ وشبان قضوا جميعًا في لحظات معدودات من جراء رميهم بقنابل وصواريخ تحمل المادة المحرمة دوليًا،  حتى في الحروب العالمية، المادة الكيميائية التي تبيد البشر والحجر والنبات والحيوان.. لقد فعلها المجرم السفاح بشار الأسد وأدواته الإجرامية، ونظامه المغرق في إجرامه، والموغل في الدم السوري إجرامًا وقتلًا .. ليدرك العالم أجمع ويدرك الغادي والصادي مدى حجم الكارثة، التي فعلها نظام عسكري وسياسي، نظام كان ما يزال يحكم سوريا منذ خمسين عامًا أو يزيد، ويتعامل مع شعبه الذي يحكمه، بكل أدوات القتل والحرق، وإلقاء الكيماوي السلاح الفتاك المُجرم دوليًا وإنسانيًا.. وقف العالم جميعًا مشدوهًا لهول ما حصل، فاغرًا فاه مستنكرًا حجم الإجرام الذي وصل إليه نظام بشار الأسد، وهذا الفعل اللاإنساني المغرق في فاشيته ونازيته، حتى باتت أنظمة النازية والفاشية لا شيء يذكر مقابل ما يفعل نظام وعصابة الأسد.

لم يكن ثاو في مخيال السوريين عندما قاموا بثورتهم أواسط شهر آذار/ مارس 2011من أجل الحرية والكرامة، أن يتم التعامل معهم عبر قمعهم وقتلهم بقذائف الكيماوي ثم البراميل المتفجرة والصواريخ البالستية. كان في ظن الشعب السوري أن ترسانة الأسلحة التي يشتريها نظام الأسد منذ عام 1970 من قوت الشعب، سوف تتكدس انتظارًا وتهيئة ليوم هو يوم تحرير فلسطين والجولان الموعود، كما كان يدعي نظام العصابة الأسدي المنفلت من كل عقال. حتى جاء يوم التبيان والكشف الفاقع والفاضح لهذا النظام المختبئ خلف شعاراته الخشبية، يوم الكيماوي الأليم الذي أثبت عبره وبذا الفعل لكل الذين لم يكونوا قد كشفوه بعد، أن نظام القتل يمتلك حقدًا وكراهية وعنفًا لا يحمله أي عقل، ولا يوازيه أي فعل إحرامي آخر عبر التاريخ الحديث للشعوب أو القديم للمنطقة والشعوب.

ومع ذلك فقد صبر الشعب السوري وتحمل كثيرا، وضحى بما يزيد عن مليون شهيد على مذبح الحرية والكرامة ليأتي  اليوم الموعود، وقد جاء فعلًا لا قولًا، اليوم الذي يتم فيه كنس نظام الاستبداد، ثم يفر الطاغية إلى موسكو في ليلة ليلاء، وتحت جنح الظلام، حاملًا ما خف ثقله وغلا ثمنه من متاع الدنيا، بعد أن قتل مئات آلاف السوريين المتطلعين إلى الحرية، كما دمر أكثر من ٦٥ في المئة من البنية التحتية في سوريا، وعوق أكثر من ٦٠٠ ألف من السوريين، وهجر ما ينوف عن ١٤ مليون سوري، بين لاجئ  خارجي أونازح داخلي .. وزج في المعتقلات وأقبية الظلام بين تاريخ ١٥ آذار/ مارس ٢٠١١ و٨ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٤ ما يقرب من ٩٠٠ ألف مواطن سوري، حسب إحصائيات دولية وأممية، بين شهيد تحت التعذيب ومختفي قسري ومعتقل سياسي.. سقط النظام المجرم وانكشف حجم الكارثة وهول الجريمة بعد أن شاهد العالم أجمع فداحة ما ارتكبه هذا السفاح في سجن صيدنايا وتدمر والمزة وكل معتقلات أفرع الأمن العسكري والسياسي وأمن الدولة.

صحيح أن ثورة الشعب السوري قد انتصرت على الطغيان، وأن كثيرا من طموحات السوريين قد تحققت، لكن الواقع الممارس والمشاهد يقول: أنه مازال هناك الكثير، ومنها مسألة أهمية التعاطي مع جريمة الكيماوي بما تستحقه عدلًا وقانونًا.

ونحن اليوم إذ نتوقف قليلًا وضروريًا في ذكرى الجريمة الكيماوية الكبرى بعد ثلاثة عشر عامًا من تاريخ ارتكابها، ثم ما أتى بعدها، من متتابعات كيماوية، أو عبر غاز السارين الذي ألقاه المجرم في (دوما) و(خان شيخون) وكثير من المواقع السورية، فوق رؤوس المدنيين من حواضن الثورة السورية لنقول بكل وضح وصراحة: صحيح أن ثورة الشعب السوري قد انتصرت على الطغيان، وأن كثيرا من طموحات السوريين قد تحققت، لكن الواقع الممارس والمشاهد يقول: أنه مازال هناك الكثير، ومنها مسألة أهمية التعاطي مع جريمة الكيماوي بما تستحقه عدلًا وقانونًا.. لابد أن تهتم هيئة العدالة الانتقالية بجرائم الكيماوي، لما لها من أهمية تدمي القلوب وتشل العقول.. ولابد من البحث حثيثًا عن كل الذين كانت لهم اليد الطولى في ارتكاب هذه الأفعال، التي تتقزز منها النفوس وتأبى العقلانية الوطنية والسياسية إلا أن تعمل بدأب، من أجل محاسبة الجناة، وما أكثرهم، وأعتقد أن أصوات أهالي زملكا اليوم، مازالت تنادي بالقصاص، وما برحت تؤكد على حقها في محاسبة كل المجرمين، وكل الجناة والقبض عليهم أولًا.. وهذه مسألة غاية في الأهمية وتحتمل من المسؤولين مزيدًا من الاهتمام بها، وأن يتم إيلاء هذه القضية الأهمية الضرورية المناطة بها، وأن لا نظل مكتفين بالخطابات والمناشدات، بل لابد من الأفعال قبل الأقوال التي تبلسم الجراح وتشفي الصدور وتعيد من ثم بناء المجتمع السوري، على أسس جديدة، المتطلعة إلى عملية الولوج الكلي في مضمار السلم الأهلي الحقيقي المبتغى، بعد أن تصل الحقوق إلى أصحابها، ويتم بالتوازي معها عملية جبر الضرر،  والاشتغال بحق على عدالة انتقالية جدية، وغير بطيئة، تنتج واقعًا جديدًا، يحاول العمل على بناء الوطن السوري من جديد، المثخن بجراحه، ولن يكون ذلك إلا إذا بات المجرم غير طليق، وفي يد العدالة، ليراه الجميع في محاكمات علنية تبنى على قانون جديد للعدالة الانتقالية في سوريا، وليس هناك من مبررات في أن ينتظر الناس كثيرًا، حتى تصل مسودة قانون العدالة الانتقالية إلى مجلس الشعب الجديد ليتم صياغته وإطلاقه وهو ما سوف يساهم في رأب الصدع، والخروج من عنق الزجاجة ومحاسبة كل الموغلين في الدم السوري، وخاصة مجرمي الكيماوي الذين ما يزالون طلقاء بكل أسف.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى