
على مر التاريخ، صنعت الاحتلالات والصراعات وضعف الانتماء هويات مشوهة، لكن أخطرها تلك التي يفقد أصحابها الانتماء إلى أوطانهم من دون أن ينتموا فعليا إلى وطن آخر، فيتحول الوطن لديهم إلى مجرد جغرافيا، في حين يكون الولاء والموقف والمصلحة في مكان آخر. وهنا يبدأ مسخ الهوية.
الجدل حول تسمية الخليج العربي، وما شهده العراق من تهجير وإخفاء قسري، والإصرار على الإضرار بمصالح البلاد أمنياً واقتصادياً وسياسياً دفاعاً عن إيران ومشروعها التوسعي في المنطقة، ليست قضايا متباعدة كما تبدو، بل صور مختلفة لمشكلة واحدة: حين يصبح الولاء للخارج أقوى من الانتماء إلى الوطن.
عندها لا يعود مسخ الهوية مجرد اضطراب في الأفكار والمواقف، ولا سلوكاً مجتمعياً يمكن وضعه تحت عنوان حرية الفكر والعقيدة، بل يتحول إلى خطر حقيقي يهدد أمن الدول واقتصاداتها ومجتمعاتها لصالح دول أخرى.
فالاختلاف في الفكر والعقيدة والانتماء حق لا جدال فيه، لكن أن يتحول الاعتقاد إلى ولاء سياسي، والولاء إلى سلاح، والسلاح إلى قوة تنازع الدولة قرارها وسيادتها، وأن تصبح مصلحة دولة أخرى مقدمة على مصلحة الوطن، فهنا لم نعد أمام حرية فكر أو عقيدة، بل أمام مشكلة تتعلق بأمن الدولة وسيادتها ومستقبل مجتمعها.
وظاهرة ما يعرف بـ”الولائية”، التي عملت إيران على حمايتها وتعزيزها إعلامياً وعقائدياً وسياسياً، ثم تحويل أجزاء منها إلى قوى مسلحة في عدة بلدان بالمنطقة، تعد واحدة من أخطر صور الهويات الممسوخة، لأنها لا تكتفي بتقديم الولاء لإيران، بل تحارب الهوية الوطنية ومفهوم الدولة في مناطق وجودها.
المشكلة ليست في أن تكون شيعياً أو سنياً، عربياً أو كردياً، مسلماً أو مسيحياً، ولا في أن تختلف مع أبناء وطنك فكرياً أو سياسياً؛ المشكلة أن تصبح حرب إيران حربك، وخصومها خصومك، ومشروعها مشروعك، ومصلحتها مقدمة على مصلحة بلدك.
المشكلة ليست في أن تكون شيعياً أو سنياً، عربياً أو كردياً، مسلماً أو مسيحياً، ولا في أن تختلف مع أبناء وطنك فكرياً أو سياسياً؛ المشكلة أن تصبح حرب إيران حربك، وخصومها خصومك، ومشروعها مشروعك، ومصلحتها مقدمة على مصلحة بلدك، حتى وإن كانت فاتورة ذلك تدفع من دماء أبناء وطنك وأمنهم واقتصادهم ومستقبلهم. وفي العراق، لم تبق هذه الظاهرة مجرد أفكار وشعارات.
هناك بلد دفع أثماناً باهظة من الدم والتهجير والإخفاء القسري والانقسام المجتمعي وإضعاف مؤسسات الدولة، وما زال هناك من يصر على جعل العراق ساحة للدفاع عن إيران، ويضع مصالحها ومشروعها فوق أمن العراق واستقراره وعلاقاته ومصالح شعبه. وهذا هو مسخ الهوية الحقيقي. أن تعيش في وطن، وتحمل هويته، وتأكل من خيراته، ثم تكون مستعدا للإضرار بأمنه واقتصاده ومستقبل أبنائه دفاعا عن دولة أخرى.
والقضية أكبر بكثير من مجرد حرب أو مناوشات بين أميركا وإيران، فمنذ أن شرع النظام الإيراني في تصدير مشروعه إلى دول المنطقة، لم نر دولة دخل إليها هذا المشروع وخرجت أكثر استقراراً، ولا مجتمعا أصبح أكثر تماسكاً.
كرة النار التي أطلقها الخميني ما زالت تتدحرج من العراق إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن، وفي كل محطة النتيجة واحدة: دولة أضعف، وسلاح أكثر، ومجتمع أكثر انقساماً، واقتصاد يدفع ثمن حروب لا علاقة لشعوبه بها.
والأخطر أن إيران لم تعد بحاجة إلى إرسال جنودها لخوض هذه الحروب، بعدما صنعت داخل دول المنطقة قوى محلية تحمل السلاح، وتتبنى مشروعها، وتخوض معاركها، في حين تدفع شعوب تلك الدول الثمن.
يرفعون شعار تحرير القدس منذ عقود، في حين تتجه نيران المشروع وتهديداته إلى دول المنطقة ومقدساتها. فالهدف مكة.. لا القدس.
ولهذا، فإن مواجهة هذا المشروع لا يمكن أن تبقى أمنية أو عسكرية فقط، بل يجب أن تكون سياسية وقانونية وفكرية، وعلى دول المنطقة أن تعمل على مسارين:
- الأول: تجريم الارتباط المسلح بالخارج، وتجريم التنظيمات والجماعات التي تتلقى التمويل أو التسليح أو الأوامر من الخارج بما يمس سيادة الدول ومصالحها، والعمل بجدية على حصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بيد الدولة.
- الثاني: الشروع بأكبر حملة توعية على مستوى دول المنطقة، ببرامج فعالة وميزانيات كبيرة تستهدف الشباب خصوصا، وتنتشل المغرر بهم من مشاريع التبعية، وتحارب الجهل والتطرف والتخلف، وتغرس حب الأوطان والانتماء إليها، وتعزز المواطنة والروابط المجتمعية.
الأوطان لا تخشى اختلاف أبنائها، ولا تعدد مذاهبهم وقومياتهم وأفكارهم، بل تخشى أن يعيش بعض أبنائها على أرضها، ويأكلوا من خيراتها، في حين يكون ولاؤهم وقرارهم ومشروعهم في دولة أخرى.
فالأوطان لا تخشى اختلاف أبنائها، ولا تعدد مذاهبهم وقومياتهم وأفكارهم، بل تخشى أن يعيش بعض أبنائها على أرضها، ويأكلوا من خيراتها، في حين يكون ولاؤهم وقرارهم ومشروعهم في دولة أخرى. عندها لا نكون أمام اختلاف في الهوية، بل أمام مسخ لها.
وإذا لم تدرك دول المنطقة حجم هذا الخطر وتواجهه فكرياً وسياسياً وقانونياً، فإن كرة النار التي أطلقها الخميني قبل عقود لن تتوقف عند العراق ولبنان وسوريا واليمن، بل ستواصل التدحرج، وسيكون ثمنها دولاً أضعف، ومجتمعات أكثر انقساماً، وأجيالاً تخوض حروب الآخرين على أرضها وتدفع ثمنها من دمائها ومستقبلها. فالدولة التي لا تحمي هوية أبنائها الوطنية، ستجد من يصنع لهم هوية تخدم دولته.
المصدر: تلفزيون سوريا






