وليد جنبلاط في كتابة ما بعد السياسة

يقظان التقي

يكتب بعض السياسيين مذكّراتهم ليشرحوا ما فعلوه، وهناك من يكتب، مثل وليد جنبلاط، لأنّه يشعر أنّ الزمن نفسه بدأ يكتب عنه. لذلك، هو لا يكتب كتاباً عن الماضي، بل يكتب كتاباً عن المستقبل الذي سيُقرأ فيه ماضيه، في محاولة للتدخّل في الطريقة التي سيُقرأ بها ذلك الماضي. وهنا يصير كتاب “قدر في هذا المشرق… من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل” (نوفل/هاشيت أنطوان، بيروت، 2026) ليس سيرةً شخصية، بل تقرير عن حالة الزعيم في دوره التاريخي، وهو ينتقل من إدارة الوقائع إلى إدارة الذاكرة. بين السياسي، الذي عاش عمره (78 عاماً) يحسب الواقع الممكن، والإنسان الذي أراد أخيراً أن يترك أثره بعد أن أعلن اعتزاله العمل السياسي، وإن لم يخرج منه نهائياً. فالسياسة قد تستمرّ، لكنّه لم يعد يكتب من موقع من يسعى إلى توسيع سلطته أو الدفاع إعلامياً عن نفسه (وحيداً)، بل من موقع من تحرّر نسبياً من إكراهات السلطة السياسية واليومية. لذلك استطاع أن يكتب ما لم يكن يستطيع قوله عندما كانت كلّ جملة تُقرأ بوصفها موقفاً سياسياً لشخصية لا غنى عنها في المشهد السياسي اللبناني، وتشبه أعمدة الرواق الثلاثة في قصر المختارة، المحمولة على تاريخ مثقل بغابة من حجارة الأحداث التاريخية والتناقضات السياسية في لبنان والشرق الأوسط.

تشكّل مذكرات جنبلاط مساهمةً توثيقيةً ذات قيمة استثنائية في فهم الديناميات السياسية والاجتماعية من منظور قيادة لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على التوازنات الإقليمية

يزخر الكتاب بمعلومات عامّة ووقائع تاريخية وأسرار مكنونة وذكريات خاصّة وانطباعات شخصية، ما يجعل عملية قراءته مقرونةً بكثير من المتعة والفائدة. وهو يرصد سيرة زعيم حقيقي يقدّم شهادةً تاريخيةً من قلب الأحداث التي عصفت بالشرق الأوسط طوال العقود الخمسة الماضية. ويستعرض جنبلاط في 288 صفحة تاريخ عائلته وتاريخه الشخصي، ومن خلالهما تاريخ لبنان والمنطقة. ويتناول محاور متعدّدة تشمل الحرب الأهلية اللبنانية، والتحدّيات الأمنية التي واجهت لبنان خلال الحرب. ويتطرّق إلى تفاصيلها ومعاركها، وكواليس بعض الاغتيالات السياسية، وكثير من اللقاءات، مستعرضاً علاقاته ولقاءاته مع شخصيات بارزة، والمحادثات التي دارت بين اللاعبين الكبار، أو بينهم وبين كبار قادة العالم. كذلك، يتطرّق السياسي المخضرم إلى إعادة البناء الديمقراطي لسورية بعد الأسد، والمسؤوليات التاريخية تجاه العدالة الانتقالية، والتحدّيات الأمنية التي واجهت لبنان خلال الحرب.
قراءة في كتاب صيف اللحظة الجنبلاطية، التي لها ما لها وعليها ما عليها اليوم، يتحوّل فيها الزعيم إلى شاهد على نفسه أوّلاً، هي لحظة نادرة في الأدب السياسي العربي، لأنّها لا تتكرّر كثيراً، ولا ينجح جميع السياسيين في التعبير عنها بتدفّق عاطفي وبكثير من الصدق اللذين يظهران في مذكّراته، على الرغم من أنّها في الأساس تاريخية وواقعية، وعلى غير المألوف من تحفّظ رجل اشتهر بالاقتصاد في جمله الإنشائية القصيرة والرشيقة، والمراجعة الحثيثة لكلّ ما يكتبه أو يعلنه. فإذا به يفاجئ الجميع، ويعرف كيف يحوّل البراغماتية السياسية إلى نوع من الاعتراف الهادئ، بل يمثّل ذلك التحوّل الهادئ بعدما أمضى نصف قرن يناور مع التاريخ، ثمّ يقرّر أخيراً أن يكتب كيف كان التاريخ يناور معه.
لا يريد أن يربح معركةً سياسيةً، بل ينهي معظم معاركه، ويصبح معنياً بما سيبقى منها في الذاكرة. فهو يتوخّى الصدق في سيرته، والصحّة في شهادته، فلا يخترع البطولات، ولا ينتحل الأدوار ليبني أسطورة متخيّلةً، بل، على العكس، يمارس النقد الذاتي، ويعترف بالأخطاء، ويتحمّل المسؤولية، ويحمّل نفسه أكثر ممّا تحتمل. لذلك، لا يعود السؤال عمّا حدث، وهو كثير لسياسي لعب دوراً محورياً في الحرب الأهلية اللبنانية، ثمّ في مرحلة اتفاق الطائف، وعُرف بقدرته على تغيير التحالفات السياسية تبعاً لموازين القوى، مع احتفاظه بخطاب نقدي للنظام السوري السابق، وللاحتلال الإسرائيلي، وبتمسّكه بالقضية الفلسطينية وبفكرة الدولة المدنية في لبنان. وهو تولّى مناصب وزارية مرّات، وكان شريكاً أساسياً في محطّات مفصلية مثل ثورة الأرز عام 2005، وفي خروج الجيش السوري من لبنان. لذلك، يشكّل هذا العمل مساهمةً توثيقيةً ذات قيمة استثنائية في فهم الديناميات السياسية والاجتماعية من منظور قيادة لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على التوازنات الإقليمية.
سردية لا تقوم على منطق “كيف سيُفهم ما حدث؟”، لكن من حيث ينتقل من السياسة إلى كتابة ما بعد السياسة، في توازن الاستقرار وهاجس بقاء الأسرة الجنبلاطية. والنبرة ليست خطاباً حربياً، بل أقرب إلى رجل يتحدّث بصوت منخفض، حتّى حين يصف الكوارث انطلاقاً من فكرة أنّ المشرق نفسه يدخل مرحلةً يصبح فيها الشهود أقلّ عدداً من الضحايا، فتبدو الكتابةُ محاولةً لإنقاذ الرواية، قبل أن يبتلعها الخراب.

يدين جنبلاط دور إسرائيل مع بعض الزعماء الدروز السوريين، ويرى عودة مشروع إسرائيل القديم: خلق كيانات طائفية

والنصّ المركَّب الذي كتبه مع المؤرّخ سيباستيان دو كورتوا، يأتي بعد 50 عاماً من كتاب والده، كمال جنبلاط، الذي اغتيل في مارس/ آذار 1977، وفيه: “بما أنّني الابن الوحيد، كان من المستحيل عليّ الهروب من مصيري ومن مصير أسلافي منذ القرن التاسع عشر”، ما يوحي بتشابه المسارَين حين ينتهيان إلى النقطة نفسها. وهنا تظهر المفارقة: لقد أمضى وليد جنبلاط حياته كلّها يحاول أن يثبت أنّه ليس نسخةً من أبيه. اختار في السياسة مساراً مختلفاً، وفي اللغة كان أكثرَ واقعيةً، وفي التحالفات كان أكثر براغماتية، بل إنّ حضوره العلني كان نقيض الحضور الفكري والفلسفي لوالده. لكن في لحظة ترتيب الإرث السياسي، يعود الأب الذي لا يظهر كثيراً في السرد، في استعادة فكرة الهروب من قدر الموت والخراب، والابن استطاع أن يهزم القدر الذي ابتلع والده وأجداده. لذلك، يكتب جنبلاط روايته قبل أن يكتبها الآخرون عنه، أو من خلال إعادة ترتيب حضور الشخصيات، الحريري الحاضر بقوة على مدى صفحات الكتاب في معنى صنع الحدث ومحاولة منع انهياره الكامل.
الرجل الذي يبدو اليوم حكيماً بين القادة اللبنانيين المتطرّفين من مختلف الأطياف، يأمل أن يتمكّن من إيصال صوته: “لم أعد قادراً، لا أعرف كيف أتحدّث مع حزب الله! في أيّام نصر الله، كنت أستطيع الاتصال به ومناقشته، لم يعد هناك مُحاور. التوجّه الجديد تحت نفوذ إيراني بالكامل”. ويشكو: “أمّا المعسكر الآخر، الذي كان والدي يسمّيه “الانعزاليين”، فهم اللبنانيون المناهضون لحزب الله، وهم عنيدون تماماً، كلّهم عالقون في دوّامة العنف بينما لا تسمع أيّ صوت عاقل”. حاول وليد جنبلاط أن يكون وسيطاً لدى الدروز في سورية، خلال المواجهات مع قوّات دمشق الجديدة صيف 2025: “تذكّرت أنّ صور والدي، كمال جنبلاط، رُفعت خلال المظاهرات السلمية للدروز ضدّ نظام بشّار الأسد. اعتقدت أنّني سأجد آذاناً مصغيةً، لكنّهم لاموني على لقائي بالرئيس أحمد الشرع”. ويدين جنبلاط بقوّة دور إسرائيل مع بعض الزعماء الدروز السوريين: “أشعر بتزايد النفوذ الانفصالي، التقسيمي”، ويرى عودة المشروع القديم لإسرائيل: “خلق كيانات طائفية، دينية، قبلية، واختراع أيّ شيء لتمزيق المنطقة بأكملها”. كذلك يدين “الحصانة الكاملة لإسرائيل التي لديها ضوء أخضر لتدمير وإبادة غزّة وجنوب لبنان واستيطان ما تبقّى من الأراضي الفلسطينية في الضفّة الغربية”.
لا يمكن سرد التفاصيل كلّها في الفصول الأحد والثلاثين من كتاب غنيّ على المستويات الذاتية والوطنية والقومية، يلقي نظرةً ثاقبةً مليئة بالأسى على الوضع في لبنان والمنطقة.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى