نحو اجتراح طرق للعمل السياسي الوطني وتجنّب شرعنة الصهيونية

نديم روحانا

                                                                                         

لم يقبل الفلسطينيون الصهيونية، ورأوا فيها، منذ نشأتها، حركة كولونيالية استيطانية لا يمكن شرعنتها أو الاعتراف بها، حتّى ضمناً. وكانت مقاومة الصهيونية، منذ البداية، فكراً وممارسة، ولا تزال، مركّباً جوهرياً في تعريف مَن هو الفلسطيني ومَن يقف مع الفلسطيني. ويمثّل هذا الموقف الشعب الفلسطيني في فلسطين وفي المنفى على اختلاف مشاربه السياسية. وعندما لمّحت السلطة الفلسطينية، في العقد الثاني من هذا القرن، إلى أنّها قد تقبل بدولة فلسطينية بجانب دولة يهودية، توجّهت قيادات فلسطينية من مناطق الـ48 إلى الرئيس محمود عبّاس محذّرين من اعترافه بدولة يهودية بوصفه خطأً تاريخياً. وكان من بينهم قيادات بارزة محسوبة على الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وعلى الحزب الشيوعي. وقد كان للعمل السياسي الفلسطيني في هذه المناطق، وللقيادات الفكرية والسياسية التي تبلورت فيها منذ سنوات التسعينيّات، مساهمة جليّة في بلورة هذا الموقف الجماعي هناك.

لم يكن من السهل على أي حزب سياسي فلسطيني أن يرفض الدولة اليهودية جليّاً، وأن يرفض بذلك الصهيونية رفضاً قاطعاً، إذ إنّ معنى الصهيونية في جوهرها إقامة دولة يهودية استثنائية على أرض فلسطين. كان من الأسهل على الأكاديمي أن يكتب بصراحة، في منصّات أكاديمية وغير أكاديمية، عن معارضة الدولة اليهودية، وعن الحاجة إلى تخيّل مستقبل من دون الصهيونية والعمل من أجله، وأن يدفع ثمناً لذلك، لكنّه ثمن شخصي يتحمّل مسؤوليته هو، وليس ثمناً قد تدفعه جماهير الفلسطينيين في مناطق الـ48 إذا ما جاهر حزب سياسي بمثل هذا الموقف، لكنّ مسؤولية السياسي، ومعه المثقّف، ليست التخلّي عن جوهر فكره السياسي بسبب الأثمان المحتملة، بل اجتراح الطرق التي يستطيع من خلالها أن يقدّم هذا الفكر ويحوّله إلى برنامج للعمل السياسي.

مسؤولية السياسي، ومعه المثقّف، اجتراح الطرق التي يستطيع من خلالها أن يقدّم الفكر ويحوّله إلى برنامج للعمل السياسي

من هنا، كانت المعادلة التي طرحها حزب التجمّع الوطني الديمقراطي، بقيادة عزمي بشارة، ومثقّفيه ونشطائه الآخرين، حين قدّم “دولة جميع مواطنيها” برنامجاً للعمل السياسي، اجتراحاً فذّاً جمع بين الفكر الفلسطيني المناهض للصهيونية وبرنامج للعمل السياسي، استطاع أن يجمع حوله مؤيّدين ومثقّفين ونشطاء، وأن يقارع الدولة اليهودية من داخلها.

وليس من قبيل المصادفة أن اجتمعت الأحزاب الأخرى ومؤيّدوها ومثقّفوها، لاحقاً، على فكرة “دولة جميع مواطنيها”، التي استبدلت بشعار “دولتَين لشعبَين” (يعترف ضمناً بشرعية الدولة اليهودية) برنامجاً يقوم على دولتَين: فلسطينية، وأخرى لجميع مواطنيها، وليس دولة يهودية في إسرائيل. وهكذا أصبح الفكر وراء “دولة جميع مواطنيها” مهيمناً إلى حدّ بعيد بين الناس والنُّخب والقيادات السياسية الفلسطينية في حينه، وتبنّته الأحزاب الوطنية داخل إسرائيل. وتشارك الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير هذا الطرح، حتّى إن استخدمتا صيغاً أخرى للتعبير عنه.

أستعيد مساهمة “التجمّع” الخارقة في هذه الأيّام لسببَين رئيسيَّين. الأوّل (والأهمّ) رفض الصهيونية جهاراً وبصورة قاطعة من داخل الحلبة السياسية نفسها. والثاني قدرة القيادة السياسية والمثقّفين والنشطاء في حينه، في سنوات التسعينيّات، على العمل المشترك لاجتراح معادلة سياسية كهذه. وجدير بالملاحظة أنّه بعد نجاح “التجمّع” الباهر في استقطاب أعداد كبيرة من الناس والمثقّفين، لم يهاجمه كثيرون (رغم موقفه الواضح في مواجهة الصهيونية) باعتباره متطرّفاً أو غير عقلاني أو طهرانياً. بل على العكس، فقد تعرّضت قيادات “التجمّع” في حينه للنقد، أحياناً من أصدقاء وزملاء داخل “الجبهة” مثلاً، لأنّه، في نظر بعض منتقديه، لجأ إلى المناورة بشأن وضوح هذه المعادلة أمام لجنة الانتخابات، وإلى التخفيف من حدّة دلالات خطابه في مواجهة الدولة اليهودية.

من الخطأ القول إنّ جميع الأحزاب الصهيونية متشابهة في مواقفها من الفلسطينيين، على الرغم ممّا يجمع بينها من النظر إلى إسرائيل (بحدود غير واضحة) دولة يهودية

المجتمع الفلسطيني في مناطق الـ48 بحاجة اليوم إلى تجديد نظم العمل التي قادت إلى اجتراح تلك المعادلة، وتطويرها إلى برنامج سياسي يشمل فلسطين كلّها. وإن لم يكن هذا هو المكان لتفصيل مثل هذه الفكرة، فمن المؤكّد أنّ البديل لا يمكن أن يكون اتخاذ خطوات تقود إلى شرعنة الصهيونية. وأرى شخصياً أنّ من الخطأ، في حقّ الفلسطينيين في مناطق الـ48 وفي كلّ مكان، أن يعمل حزب فلسطيني من أجل الدخول في ائتلاف مع أحزاب صهيونية، خصوصاً (ولكن ليس فقط) في مرحلة الصهيونية الإبادية في غزّة والتطهير العرقي في الضفّة الغربية والقدس، مبرّراً هذه الخطوة بأنّ حكومة صهيونية بديلة ستكون أقلّ خطراً وأقلّ عنفاً من حكومة نتنياهو.

ويأتي هذا التوجّه في خضمّ تحوّلات عالمية جدّية، لا تقتصر على الأوساط الأكاديمية والشبابية، ترى في الصهيونية (بكل تياراتها) حركة وبرنامجاً خطيرَين وغير شرعيَّين، وتنظر إلى الشعب الفلسطيني بحثاً عن مؤشّرات إلى الطريق في مواجهتها؛ مؤشّرات إلى بناء مستقبل مبني على المساواة بين الفلسطيني واليهودي الإسرائيلي، في إطار سياسي يتخلّص من الصهيونية.

الحديث عن دخول ائتلاف صهيوني، وتأييد مثقّفين ونشطاء وسياسيين مثل هذا النهج يعني، في الواقع، أن يساهم الفلسطيني في إسرائيل في إعادة تأهيل (وشرعنة) أيديولوجيا تفقد شرعيتها باطراد في العالم، وأن يفعل هذا متجاوزاً الموقف التاريخي للشعب الفلسطيني كلّه منها. هذا موقف خاطئ، وتجدر مناقشته بحزم على هذا الأساس.

ومن المُستغرَب (حتى لا أستعمل مصطلحات أشدّ) أن نرى بين بعض النُّخب الفاعلة في الساحة السياسية والحزبية عملاً دؤوباً، في منصّات إعلامية متعدّدة، عربية وعبرية، ينادي بصوت جهوري بانضمام الحزب الذي أوضح صراحة أنّه يعمل من أجل الدخول في ائتلاف مع أحزاب صهيونية إلى قائمة عربية موحَّدة مع الأحزاب الأخرى. ويبرّر مؤيّدو انضمام هذا الحزب إلى ائتلاف صهيوني (هذا إن قُبل أصلاً في مثل هذا الائتلاف) موقفهم بأنّ الأحزاب الصهيونية التي قد تشكّل ائتلافاً بديلاً لنتنياهو أقلّ تطرّفاً منه ومن بن غفير وسموتريتش.

صحيح أنّ من الخطأ القول إنّ جميع الأحزاب الصهيونية متشابهة في مواقفها من الفلسطينيين، على الرغم ممّا يجمع بينها من النظر إلى إسرائيل (بحدود غير واضحة) دولة يهودية، ولكن هل يبرّر الاختلاف بينها شرعنة الصهيونية أو المشاركة في حكومة تقوم على أساسها؟

الحديث عن دخول حزب فلسطيني في ائتلاف صهيوني يعني المساهمة في إعادة تأهيل أيديولوجيا تفقد شرعيتها باطراد في العالم

ويسوّغ بعضهم هذا الموقف بسلسلة من الفرضيات: أنّ الجماهير العربية تريد وحدة الأحزاب العربية، وأنّ الوحدة ستؤدّي إلى ارتفاع نسبة التصويت بين المواطنين العرب، وأنّ ارتفاع نسبة التصويت سيؤدّي إلى إسقاط نتنياهو وحكومته، لكن كلّ واحدة من هذه الفرضيات تحتاج إلى فحص ودراسة، ولا يجوز التعامل معها وكأنّها حقائق بديهية من دون نقاش مخاطرها وأثمانها. وحتّى لو كانت كذلك، من الممكن التوجّه إلى الناس بمقولات أخرى تزيد نسبة تصويتهم.

مثلاً، لماذا لا يعمل المثقّف والناشط مع الأحزاب التي تبدي مسؤولية حقيقية تجاه العمل المشترك (الجبهة والتجمّع) من أجل التوجّه إلى الجماهير وحثّها على دعم هذه الأحزاب، وبالتالي رفع نسبة التصويت والعمل على إسقاط حكومة نتنياهو؟ كان تقارب “التجمّع” و”الجبهة” والتزامهما بقائمة واحدة وبرنامج سياسي وطني مشترك خطوة انتظرها كثيرون. فلماذا لا يكون العمل على إقناع الناس بأنّ هذا الخيار وطني قادر على أن يشكّل دعماً وحماية للناس، وعلى شرح منطقه وجدواه، بدل إلقاء المسؤولية على قيادات الأحزاب بالتساوي؟ والآن وقد وصل حزبا التجمّع والجبهة إلى قائمة واحدة تشكّل سياجاً سياسياً وأخلاقياً وطنياً، لماذا لا يشرح المثقّف والناشط السياسي خطورة شرعنة حتّى فكرة انضمام حزب عربي إلى ائتلاف صهيوني بدل اللهاث وراءه ووراء التحاور معه؟

وإذا كان الهدف إسقاط نتنياهو (هدف في غاية الأهمّية)، فمن دون شرح الموقف من حكومة صهيونية بديلة كيف يمكن أن نفسّر للمواطن العربي الذي يريد أن يصوّت، مثلاً، لحزب الديمقراطيين مباشرة من أجل إسقاط نتنياهو أنّ موقفه خاطئ؟ وما الذي يجعل التصويت لحزب عربي هدفه المُعلَن الدخول في ائتلاف صهيوني خياراً وطنياً أكثر جدوى من التصويت مباشرة لحزب صهيوني يُعتقَد أنّه قادر على إسقاط نتنياهو؟

نحتاج إلى مشاريع تواجه الخطر الحقيقي الذي يمثّله بقاء نتنياهو واليمين المتطرّف في الحُكم من دون شرعنة الصهيونية

القلق والتخوّف من عودة نتنياهو ومجموعة الأحزاب الموالية له إلى سدّة الحكم مشروع، بل إنّ الخوف من ذلك مشروع أيضاً، لكنّ مهمّة المثقف والسياسي والناشط، وأعضاء مجموعات التفكير السياسي ومراكز الأبحاث، ليست فقط التعبير عن هذا الخوف أو البحث عن أقصر الطرق الانتخابية لما يُفترض أنّه يشكّل معالجة له. مهمّتهم أن يعملوا على اجتراح المعادلات، وطرق العمل السياسي القادرة على مواجهة السياسات التي تخيف الناس، وأن يفكّروا بصورة نشطة في كيفية الوصول إلى الناس بهذه الأفكار والسياسات. وفي الواقع، هناك معادلات واجتهادات وإمكانات عديدة للعمل السياسي تستوجب العمل على استنباطها وبلورتها وتطويرها.

هذا هو العمل الأصعب، لكنّه أيضاً العمل السياسي المطلوب. أمّا الطريق الذي يبدو أسهل (المناداة اليائسة بقائمة موحَّدة مع حزب يخطو خطوات خطيرة على الكلّ الفلسطيني) فهو طريق مليء بالمخاطر السياسية والوطنية، فضلاً عن أنّه غير مضمون انتخابياً.

الأجندة التي نحتاجها اليوم هي اجتراح مشاريع للعمل السياسي الوطني تواجه الخطر الحقيقي الذي يمثّله بقاء نتنياهو واليمين المتطرّف في الحُكم، من دون أن يكون ثمن هذا شرعنة الصهيونية، أو المساهمة في إضعاف الموقف الوطني الفلسطيني منها. هذه الأجندة يجب أن تحلّ محلّ الأجندة الأسهل، غير المضمونة والخطيرة، وذات الثمن السياسي المرتفع: المناداة ليلاً ونهاراً بقائمة رباعية تضمّ منصور عبّاس، من دون مواجهة جدّية لما يحمله هذا الخيار من مخاطر على العمل السياسي الفلسطيني وعلى الكلّ الفلسطيني.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى