“علنية العدالة”.. كيف يمكن ضبط الانتهاكات في السجون والمخافر السورية؟

سامر القطريب

أعاد الانتهاك الذي تعرض له الشاب محمد غميرة في مخفر الحفة بريف اللاذقية إلى الواجهة ضرورة ضمان شفافية التحقيقات داخل مخافر الشرطة وأماكن الاحتجاز، وإخضاعها للقانون والرقابة، بالتوازي مع ترسيخ مبدأ علنية العدالة بوصفه أحد أدوات الردع عن الانتهاكات. ولا تعني علنية العدالة التشهير أو استعراض العقوبات، بل إعلان نتائج التحقيقات والإجراءات المتخذة ونشر الأحكام النهائية بما يحفظ حقوق الضحايا وقرينة البراءة، ويؤكد أن أي تجاوز لن يبقى خارج المساءلة.

وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، الجمعة، فتح تحقيق رسمي للوقوف على ملابسات قضية غميرة والإجراءات المتخذة بحقه خلال فترة توقيفه في مخفر الحفة، مؤكدة أن سلامة الموقوفين وحقوقهم مصونة على وفق القانون. وتضع القضية مدونة السلوك الصادرة عن وزارة الداخلية أمام اختبار عملي يتعلق بقدرة الوزارة على مراقبة تنفيذ قواعدها ومحاسبة المخالفين وتحويل مبادئ حماية الموقوفين ومنع إساءة معاملتهم إلى إجراءات ملموسة.

مدونة السلوك في وزارة الداخلية

وكانت وزارة الداخلية السورية قد نشرت عبر منصاتها الرسمية الشهر الماضي، مقطعاً مصوراً استعرضت فيه مبادئ وقواعد مدونة سلوك، أكدت أنه على جميع منتسبي الوزارة الالتزام بها، لضمان سيادة القانون وصون كرامة المواطنين.

وجاء في الفيديو أن مدونة السلوك تمثل ميثاقاً ملزماً لكل منتسب في وزارة الداخلية، وتقوم على عقيدة الخدمة والالتزام الأخلاقي، مع التأكيد على أن الخدمة شرف وامتياز يتطلبان التقيد التام بالقوانين والأنظمة النافذة.

وتضمنت المدونة التأكيد على أن كرامة الإنسان وحقوقه مصونة، مع حظر التعذيب أو المعاملة المهينة بحق الموقوفين. كما نصت على وجوب حسن التعامل مع المواطنين، وتلبية نداءات الاستغاثة بحياد ومساواة تامة.

 

وتهدف وزارة الداخلية السورية، عبر مدونة السلوك الجديدة التي ألزمت بها جميع منتسبيها، إلى ترسيخ قواعد مختلفة في عمل الأجهزة الأمنية والشرطية، تقوم على احترام القانون وصون كرامة المواطنين وحظر التعذيب والمعاملة المهينة، في خطوة تمثل سعيا لقطع الصلة مع إرث النظام المخلوع الذي ارتبطت خلاله مؤسسات الأمن بالانتهاكات والتعذيب والإفلات من المحاسبة.

وتضع المدونة للمرة الأولى ضمن إطار معلن مجموعة من الالتزامات المتعلقة بطريقة التعامل مع الموقوفين والمواطنين، وتحمّل العاملين مسؤولية الإبلاغ عن الانتهاكات، كما تربط التقييم والترقية بمدى الالتزام بهذه القواعد. ويضع ذلك وزارة الداخلية أمام اختبار يتجاوز إصدار التعليمات إلى مدى تطبيقها فعليا، ومحاسبة المخالفين، وبناء علاقة جديدة بين المواطن ومؤسسات إنفاذ القانون تقوم على الحقوق والضمانات بدلا من الخوف والقوة.

حادثة مخفر الحفة 

أمس الجمعة، تداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، صورا للشاب غميرة في سرير بمشفى تشرين الجامعي تبين تعرضه للضرب في مخفر مدينة الحفة بريف اللاذقية، ما أدى إلى نقله إلى العناية المشددة في مشفى المدينة، وهو في حالة حرجة.

ودعا ناشطون وصحفيون وزارة الداخلية السورية إلى فتح تحقيق في قضية غميرة، بعد تدهور حالته الصحية ودخوله العناية المشددة، إثر احتجازه لنحو ثلاثة أيام في المخفر على خلفية شكوى مالية، وسط اتهامات من عائلته بتعرضه للضرب خلال فترة الاحتجاز.

وقال ناشطون وصحفيون نقلا عن العائلة إن “غميرة” يعاني من مرض الناعور، وهو اضطراب يؤثر في تخثر الدم ويجعل النزيف أكثر خطورة، وإن زوجته وشقيقه أبلغا عناصر المخفر مسبقا بوضعه الصحي الحساس وطلبا منهم عدم ضربه.

وأفرج المخفر عن غميرة بعد صدور قرار من قاض بإطلاق سراحه، لكنه خرج بحسب عائلته، وهو يعاني من نزيف داخلي ونزيف دماغي.

وفي تعليقه على حادثة مخفر الحفة، قال القانوني المتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني لموقع تلفزيون سوريا، إن تكرار انتهاكات العنف والتعذيب داخل بعض المخافر ومراكز التحقيق في سوريا لا يرتبط بغياب النصوص القانونية فقط، بل يعود إلى تراكم ثقافة مؤسسية اعتمدت لسنوات على الضغط الجسدي والنفسي لانتزاع الاعترافات، بدلا من بناء التحقيق على الأدلة وسماع الشهود وتحليل الوقائع.

وأوضح الكيلاني أن القانون والاتفاقيات الدولية يضعان قيودا واضحة على استخدام التعذيب، مشيرا إلى أن المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب تحظر الاستناد إلى أي أقوال تنتزع تحت التعذيب بوصفها دليلا، باستثناء استخدامها لإثبات وقوع التعذيب على الشخص المسؤول عنه.

وأضاف أن المادتين 12 و13 من الاتفاقية تلزمان السلطات بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع تعذيب، حتى في حال عدم تقدم الضحية بشكوى رسمية.

وأشار الكيلاني إلى أن الإعلان الدستوري السوري أكد مجموعة من الضمانات الأساسية، أبرزها اعتبار المتهم بريئا حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مبرم، وصون حق الدفاع، وحماية كرامة الإنسان وحرمة جسده.

وأكد أن الإعلان الدستوري حظر كذلك توقيف الأشخاص أو تقييد حريتهم من دون قرار قضائي، باستثناء حالات الجرم المشهود، ما يضع إجراءات القبض والتحقيق تحت رقابة القانون والقضاء.

ورأى الكيلاني أن منع التعذيب يحتاج إلى ضمانات عملية تبدأ منذ لحظة القبض، عبر توثيق ساعة التوقيف وهوية العناصر المنفذين ومكان الاحتجاز، وتسجيل جلسات التحقيق بالصوت والصورة، وحفظ التسجيلات لدى جهة قضائية مستقلة.

ودعا إلى حصر الاحتجاز في أماكن رسمية ومعلنة، وتمكين الموقوف من معرفة سبب القبض عليه والاتصال بذويه ومحاميه، وضمان مقابلة المحامي بصورة سرية، وعرض الموقوف سريعا على قاض يملك صلاحية الإفراج عنه.

وشدد على أهمية إجراء فحص طبي مستقل وسري عند دخول الموقوف وخروجه أو بعد جلسات التحقيق عند الحاجة، على أن ترسل التقارير مباشرة إلى النيابة أو القضاء، وألا يحضر عناصر الجهة المحتجزة أثناء الفحص.

ما موقف قانون العقوبات السوري؟

وعن التشريع السوري، أوضح الكيلاني أن المادة 391 من قانون العقوبات العام كانت تعاقب من يستخدم “ضروبا من الشدة غير الجائزة” للحصول على إقرار أو معلومات بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، معتبرا أن الصياغة والعقوبة لم تكونا كافيتين لمواجهة خطورة التعذيب.

وأضاف أن القانون رقم 16 لعام 2022 وسع تعريف التعذيب ليشمل الألم الجسدي والعقلي والتحريض عليه والموافقة الصريحة أو الضمنية.

وبحسب الكيلاني، فرض القانون عقوبة السجن المؤقت مدة لا تقل عن ثلاث سنوات على الفاعل أو الشريك أو المحرض، ورفعها إلى ست سنوات على الأقل إذا ارتكب التعذيب موظف أو وقع تحت إشرافه وبرضاه للحصول على اعتراف أو معلومات.

وأشار إلى أن القانون نص على السجن المؤبد إذا وقع التعذيب على طفل أو شخص ذي إعاقة أو تسبب بعاهة دائمة، وعلى الإعدام إذا أدى إلى الموت أو اقترن بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، على وفق صياغة القانون.

ولفت إلى أن القانون تضمن أحكاما لحماية المشتكين والشهود، لكنه قال إن ثغرات ما تزال قائمة، من بينها عدم تفصيل تدابير الحماية وعدم إنشاء رقابة مستقلة على أماكن الاحتجاز وعدم النص بوضوح كاف على فتح التحقيق تلقائيا عند ظهور مؤشرات جدية على وقوع التعذيب.

كما أكد أن مدونة سلوك وزارة الداخلية الصادرة في 21 تشرين الثاني 2025 تضمنت مبادئ مهمة، بينها صون كرامة الإنسان ومنع التعذيب والمعاملة القاسية واحترام حقوق المشتبه بهم والمتهمين والتقيد بضوابط القبض والتفتيش والتحقيق، إضافة إلى عدم اعتبار أوامر الرؤساء مبررا لارتكاب الانتهاكات.

وشدد الكيلاني على أن المدونة لا تكفي وحدها، وأن الجزاءات المسلكية لا يمكن أن تحل محل القضاء، موضحا أن الأفعال التي تشكل تعذيبا أو إيذاء أو حجز حرية أو إساءة استعمال للسلطة يجب إحالتها إلى النيابة المختصة.

وختم بأن الردع الحقيقي لا يتحقق باستعراض العقوبة، بل عبر ضمان اكتشاف الانتهاك وسرعة التحقيق وعلنية العدالة، ونشر الأحكام النهائية، وضمان استقلال القضاء وحماية الضحايا والشهود. وأشار إلى أن المواد 7 و10 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تؤكد حظر التعذيب ووجوب المعاملة الإنسانية للمحرومين من حريتهم وضمان قرينة البراءة والمحاكمة العادلة.

إرث المنظومة الأمنية

يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني لموقع تلفزيون سوريا، إن التعذيب يتكرر عندما يقوم التحقيق، عملياً، على انتزاع الاعترافات بدلاً من جمع الأدلة المادية والرقمية والشهادات المستقلة. ولا يمثل ذلك خللاً تقنياً في أداء المحقق فحسب، بل يعكس تصوراً للسلطة الأمنية يجعل المحتجز موضوعاً للسيطرة والإكراه، لا شخصاً يتمتع بالحقوق والضمانات القانونية.

ويتفاقم الخطر وفق عبد الغني، خلال المرحلة الانتقالية إذا أُبقيت كوادر أو وحدات أو أنماط عمل من البنية السابقة من دون تدقيق مهني وقانوني فردي، أو إذا انتقلت السيطرة على أماكن الاحتجاز إلى جهات جديدة من دون اعتماد نظام موحد وواضح للاحتجاز والتحقيق.

ويرى عبد الغني أنه لا تكفي في هذه الحالات الإحالة الشكلية إلى النيابة العامة أو القضاء. فالضمانة تتمثل في مثول المحتجز سريعاً أمام قاضٍ مستقل يتمتع بسلطة فعلية للتحقق من قانونية الاحتجاز، والأمر بالإفراج، وفحص ادعاءات التعذيب، واستبعاد الأدلة غير المشروعة.

وتشدد مبادئ الأمم المتحدة لحماية الأشخاص الخاضعين لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن على ضرورة توثيق الاحتجاز وأسبابه والسلطة المختصة التي أمرت به، وإبلاغ المحتجز بحقوقه، وتمكينه من الاتصال بمحامٍ، وإتاحة الرقابة القانونية على الاحتجاز.

انعدام قابلية التتبع والمسؤولية الفردية

يضيف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن “المحاسبة تتعذر عندما لا يُعرف من ألقى القبض، ومن نقل المحتجز، ومن تولى حراسته، ومن استجوبه، ومن أصدر الأمر أو وافق عليه، كما أن غياب سجل مركزي وفوري للاحتجاز، أو تعدد الجهات التي تدير مراكز احتجاز لا تخضع لنظام موحد، أو السماح بالاستجواب خارج أماكن معلومة، كلها عوامل تخلق بيئة مواتية للتعذيب والإخفاء القسري والإفلات من العقاب”.

ويشير إلى أن التدريب  لا يغير السلوك ما دام احتمال اكتشاف الانتهاك والتحقيق فيه والمعاقبة عليه ضعيفاً. كما لا تكفي العقوبات التأديبية الداخلية وحدها في حالات التعذيب؛ فالتعذيب جريمة تستوجب تحقيقاً جنائياً مستقلاً، لا معالجة إدارية مغلقة داخل المؤسسة ذاتها.

كيف يمكن ضبط الانتهاكات؟

يشدد عبد الغني على أن الحد من التعذيب وسوء المعاملة، يتطلب إنشاء سجل وطني فوري لجميع المحتجزين، وحظر الاحتجاز والاستجواب في المواقع غير المعلنة، وضمان الاتصال بمحام والعائلة والفحص الطبي المستقل، مع تسجيل التحقيقات صوتا وصورة وإحالة الشكاوى مباشرة إلى جهة قضائية مستقلة. كما يحتاج الإصلاح إلى تدقيق نزاهة العاملين قبل التعيين والترقية، وتطوير التحقيق الجنائي القائم على الأدلة بدلا من الاعتماد على الاعتراف. وتمثل مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الداخلية في 21 تشرين الثاني 2025 خطوة إيجابية بما تتضمنه من مبادئ لحماية الحقوق ومنع سوء المعاملة واستخدام القوة المفرطة، لكنها تبقى محدودة ما لم تترافق مع إصلاحات قانونية ومؤسسية وآليات مستقلة للمساءلة والرقابة.

ويلخص التدابير الممكنة لضبط الانتهاكات بمايلي:

  • إنشاء سجل وطني مركزي وفوري لجميع حالات الحرمان من الحرية، يثبت فيه وقت القبض ومكانه، والجهة القائمة به، وسبب الاحتجاز، ومكان الاحتجاز، وعمليات النقل، وهوية المحققين والحراس.
  • حظر أي احتجاز أو استجواب في مواقع غير معلنة رسمياً، وإغلاق أماكن الاحتجاز غير النظامية فوراً.
  • ضمان الاتصال الفوري بمحامٍ وبالعائلة، وإجراء فحص طبي مستقل عند الدخول إلى مكان الاحتجاز، وعند النقل، وعند ادعاء التعذيب.
  • تسجيل الاستجوابات صوتاً وصورةً، مع حفظ النسخة الأصلية في نظام محمي وقابل للمراجعة القضائية، وعدم قبول أي إفادة غير مسجلة أو منتزعة خارج الضمانات الأساسية.
  • إنشاء هيئة مستقلة للتحقيق في شكاوى التعذيب وسوء المعاملة، تتمتع باستقلال وظيفي ومالي عن وزارة الداخلية وسائر الأجهزة التي قد تكون محل شكوى.
  • إحالة ادعاءات التعذيب مباشرة إلى نيابة عامة أو جهة قضائية مختصة، مع منحها صلاحية تجميد عمل المشتبه بهم عند الضرورة، حمايةً للتحقيق والشهود.
  • اعتماد تدقيق فردي للنزاهة قبل التعيين والترقية في الشرطة والأمن والسجون، بما يمنع تولي الأشخاص الذين تتوافر بحقهم معلومات موثوقة عن تورطهم في انتهاكات جسيمة مناصب تمنحهم سلطة على المحتجزين.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى