سوريا الجديدة بقوانين الأمس.. من يفكك إرث النظام التشريعي؟

بعد أكثر من عام ونصف على بدء المرحلة الانتقالية في سوريا، لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية بناء مؤسسات الدولة الجديدة، بل امتد إلى القواعد والقوانين التي تعمل هذه المؤسسات بموجبها: ما الذي يجب أن يبقى من المنظومة التشريعية السابقة؟ وما الذي ينبغي تعديله أو إلغاؤه؟ ومن يملك صلاحية اتخاذ القرار؟ وأين تنتهي ضرورة الحفاظ على استمرارية الدولة ويبدأ خطر استمرار أدوات قانونية صُممت في ظل نظام استبدادي؟

هذه الأسئلة فتحتها حلقة من برنامج “وسط البلد”، الذي يقدمه الدكتور زيدون الزعبي عبر شاشة تلفزيون سوريا، في نقاش شارك فيه عضو المحكمة الدستورية المستشار عارف الشعال، وعضو مجلس الشعب وأستاذ القانون التجاري في جامعة دمشق الدكتور عمار شرقلي، والمحامي علي الزير، والصحفية زينة شهلا، إلى جانب مداخلات من قانونيين وحضور في الاستديو.

وانطلقت الحلقة من مفارقة تواجه المرحلة السورية الحالية: سقوط النظام المخلوع لا يعني سقوط الدولة، كما أن تغيير السلطة لا يعني إلغاء كل القوانين التي صدرت خلال العقود السابقة.

الدولة تحتاج إلى قواعد تستمر من خلالها المؤسسات وتُحفظ الحقوق وتُنجز المعاملات، لكن استمرار المنظومة القانونية القديمة يثير في المقابل إشكاليات عندما تكون بعض نصوصها قد وُضعت لحماية السلطة السابقة أو تقييد الحريات أو منح امتيازات لمؤسسات لم يعد لها وجود.

وبين الحاجتين، تجد سوريا نفسها أمام واحدة من أعقد مهمات المرحلة الانتقالية: إعادة بناء منظومة تشريعية كاملة من دون خلق فراغ قانوني، ومن دون السماح بأن تتحول “استمرارية الدولة” إلى مبرر لاستمرار قوانين يفترض أن المرحلة الجديدة قامت لتجاوزها.

قوانين دولة أم قوانين نظام؟

أحد الأسئلة المركزية في الحلقة كان حول مفهوم “قوانين النظام المخلوع”.

فهل كل قانون صدر خلال حكم الأسد يجب اعتباره جزءاً من إرث النظام وإلغاؤه؟ أم أن التمييز يجب أن يقوم على مضمون القانون ووظيفته وليس على تاريخ صدوره؟.

الحلقة ميزت بين قانون الدولة، الذي ينظم حياة المواطنين ويحمي الحقوق ويحدد العلاقات والمعاملات، وبين القوانين التي وُضعت لحماية السلطة أو منح امتيازات سياسية أو تقييد الرأي والحريات أو تحصين قرارات السلطة من الرقابة.

وبهذا المعنى، لا تكمن المشكلة في عمر القانون وحده، بل في مدى توافقه مع الإعلان الدستوري وحقوق الإنسان والفصل بين السلطات ومتطلبات الواقع الجديد.

وتبرز المشكلة أكثر مع استمرار قوانين أو مواد قانونية تتعارض، بحسب المشاركين في الحلقة، مع طبيعة المرحلة الجديدة، في مقابل إصدار تشريعات جديدة في ملفات أخرى.

ففي الوقت الذي استطاعت فيه السلطات إصدار تشريعات تتعلق بالجمارك والاستثمار وغيرها، ما تزال نصوص مرتبطة بالتظاهر والجرائم الإلكترونية والتعامل بالعملات الأجنبية والاستملاك وغيرها تثير نقاشاً حول مدى ملاءمتها للواقع السوري الحالي.

“الانتقائية أم الاستمرار المؤقت؟“

بدأ النقاش بمناظرة شبابية حول مقولة: “التطبيق الانتقائي لتشريعات النظام المخلوع أخطر من الإبقاء عليها كاملة”.

ودافعت الطالبة إنجي طرشة عن فكرة أن الانتقائية في تطبيق القوانين قد تفتح الباب أمام ازدواجية المعايير، بحيث تصبح السلطة قادرة على اختيار القانون الذي تطبقه، والوقت الذي تطبقه فيه، والأشخاص الذين تطبقه عليهم.

وبحسب هذا الطرح، فإن المشكلة لا تكون دائماً في النص نفسه، وإنما في غياب القدرة على التنبؤ بكيفية تطبيقه، بما يفتح الباب أمام النفوذ والواسطة والتعسف.

وفي المقابل، دافعت الطالبة مديحة الشمالي عن ضرورة التمييز بين القوانين، معتبرة أن الانتقاء المبني على مراجعة قانونية ومعايير معلنة لا يمكن مساواته بالانتقائية الاعتباطية.

فالقوانين، وفق هذا الرأي، ليست كتلة واحدة؛ هناك تشريعات إدارية وتجارية يمكن استمرار العمل بها، في حين توجد قوانين استثنائية أو سياسية لم تعد منسجمة مع المرحلة الجديدة ويتعين إلغاؤها أو تعديلها.

وبدا الخلاف في النهاية أقل ارتباطاً بضرورة تعديل المنظومة القانونية، إذ اتفق الطرفان على ذلك، وأكثر ارتباطاً بالطريقة: هل تستمر جميع القوانين بصورة مؤقتة إلى أن يعدلها المشرّع واحدة تلو الأخرى، أم يجري منذ الآن استبعاد النصوص التي تتعارض مع الإعلان الدستوري والحقوق والحريات؟

الحاجة إلى معيار معلن

خلص النقاش إلى إشكالية أساسية: لا يمكن بناء دولة قانون إذا كانت القاعدة القانونية قابلة للتطبيق في حالة والتجاهل في حالة أخرى من دون معيار واضح.

وبالتالي، فإن المطلوب ليس إلغاءً عشوائياً لكل القوانين القديمة، كما أنه ليس استمراراً أعمى فيها، بل وضع معايير معلنة للمراجعة.

وتشمل هذه المعايير، وفق ما طرحته الحلقة، مراجعة كل نص يتعارض مع الإعلان الدستوري أو حقوق الإنسان أو مبدأ الفصل بين السلطات، وكذلك النصوص التي تمنح امتيازاً لكيان أو جهة لم يعد لها وجود قانوني، مثل النصوص التي تتضمن أدواراً لحزب البعث بعد حله.

ومع تشكيل مجلس الشعب، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً، إذ باتت هناك سلطة تشريعية يفترض أن تتولى مراجعة ما صدر في الفترة السابقة، إلى جانب سن القوانين الجديدة التي تحتاج إليها المرحلة الانتقالية.

المحكمة الدستورية.. قانون جديد في الطريق

كشف عضو المحكمة الدستورية المستشار عارف الشعال خلال الحلقة عن العمل على مشروع قانون جديد للمحكمة الدستورية.

وأوضح أن مشروعاً كان قد أُعد عام 2025 من وزارة العدل بالتعاون مع مجلس الدولة، قبل أن تراجعه المحكمة الدستورية بعد تشكيلها وتضيف إليه تعديلات، ثم ينتقل إلى مجلس الدولة ومكتب الصياغة التشريعية.

وبحسب الشعال، أحيل المشروع إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية تمهيداً لوصوله إلى مجلس الشعب.

ووصف إصدار قانون المحكمة الدستورية بأنه أولوية قصوى حتى تتمكن المؤسسة من ممارسة دورها، واضعاً أهميته إلى جانب تشريعات أساسية أخرى مثل العدالة الانتقالية والمفقودين.

وتحدث الشعال عن محدودية الدور الذي أدته المحكمة الدستورية خلال المرحلة السابقة، مشيراً إلى أنها فصلت خلال سنوات طويلة في عدد قليل جداً من الدعاوى، بينما يتضمن المشروع الجديد، وفق حديثه، صلاحيات أوسع تسمح للمحكمة بلعب دور فعلي في الحياة الدستورية والقانونية.

من يعيّن أعضاء المحكمة؟

فتح النقاش أيضاً واحداً من أكثر الأسئلة حساسية: استقلال المحكمة الدستورية وآلية تعيين أعضائها. فوفق الإعلان الدستوري، يعين رئيس الجمهورية أعضاء المحكمة.

وأشار مقدم البرنامج إلى نماذج دولية تشترك فيها أكثر من سلطة في اختيار أعضاء المحاكم الدستورية، متسائلاً عن سبب حصر التعيين بالرئيس في الحالة السورية.

وأوضح الشعال أن المحكمة ملزمة بالإعلان الدستوري نفسه، وبالتالي لا تستطيع من خلال قانونها مخالفة النص الذي منح الرئيس سلطة التعيين.

وربط ذلك أيضاً بالظروف التي صدر فيها الإعلان الدستوري، حين لم يكن مجلس الشعب قد تشكل بعد.

أما المحامي علي الزير، فاعتبر أن حصر التعيين برئيس الجمهورية ليس النموذج الذي يفترض اعتماده في الظروف الطبيعية، إذ يفترض، وفق رأيه، وجود مشاركة بين مؤسسة الرئاسة والسلطة التشريعية، لكنه رأى أن الوضع الاستثنائي الذي مرت به البلاد فرض حلاً عملياً لتجنب بقاء المحكمة شاغرة.

وفي المقابل، شدد الشعال على أن تعيين أعضاء المحكمة من رئيس الجمهورية لا يعني تبعيتها له، مؤكداً أن أعضاءها يتمتعون بالاستقلال والحصانة من العزل والنقل.

مجلس الشعب أمام جبل من التشريعات

لكن المحكمة الدستورية ليست سوى جزء من المشكلة. فمجلس الشعب الجديد يجد نفسه أمام كم هائل من التشريعات القديمة التي تحتاج إلى المراجعة، وفي الوقت نفسه أمام حاجة إلى قوانين جديدة في ملفات مثل العدالة الانتقالية والمفقودين والاستثمار والاقتصاد والإدارة والحريات.

وقال عضو مجلس الشعب الدكتور عمار شرقلي إن توزيع أعضاء المجلس على لجان مختلفة يسمح بالعمل بالتوازي على عدد من التشريعات، بحيث لا يعني العمل على قانون المحكمة الدستورية تعطيل قانون العدالة الانتقالية مثلاً.

ويرى شرقلي أن بعض القوانين يمكن أن ينجز بصورة أسرع من غيرها بسبب حجمها وطبيعتها، في حين تحتاج الملفات الكبرى إلى عمل أطول.

وتطرح هذه المهمة تحدياً إضافياً: كيف يستطيع البرلمان الجمع بين وظيفته التشريعية ووظيفته الرقابية؟

فإذا استُنزف المجلس في إعادة كتابة عشرات أو مئات التشريعات، يبقى السؤال عن قدرته في الوقت نفسه على مراقبة أداء الحكومة والسلطة التنفيذية.

توقيف زينة شهلا يعيد السؤال من النص إلى الواقع

خرج النقاش من الجانب النظري إلى تطبيقاته المباشرة مع شهادة الصحفية زينة شهلا حول توقيفها عقب تغطيتها وقفة احتجاجية أمام مجلس الشعب مرتبطة بارتفاع أسعار المحروقات والوضع المعيشي.

وقالت شهلا إنها كانت تغطي الوقفة بصفتها صحفية تحمل تصريحاً من وزارة الإعلام، وإن التجمع انتهى سلمياً، قبل أن تتوجه إلى مقهى قريب.

وبعد نحو خمس دقائق، وفق روايتها، حضر شخصان بلباس مدني وطلبا منها ومن صديقتها التوجه معهما إلى أحد الفروع.

وقالت إنهما طلبتا من الشخصين التعريف بنفسيهما أو إبراز وثيقة رسمية، لكن ذلك لم يحدث، وإن إصرارهما على عدم الذهاب مع شخصين مجهولين أدى لاحقاً إلى وصول دوريات شرطة.

وتوجهت شهلا في النهاية إلى الفرع، بعدما قيل لها إن الأمر سيستغرق نحو عشر دقائق، إلا أنها بقيت هناك قرابة ثلاث ساعات، بحسب شهادتها.

وقالت إنه جرى فصلها عن الآخرين وأخذ هاتفها، ثم استجوابها بشأن الوقفة والتجمعات غير المرخصة، قبل إطلاق سراحها.

وأكدت أنها لم تكن مشاركة في الاحتجاج، بل كانت تؤدي عملها الصحفي، معتبرة أن طريقة اقتيادها وحجز حريتها لم تكن قانونية.

“أنا بدي القانون يحميني“

بالنسبة إلى شهلا، لم تكن المشكلة في سوء المعاملة داخل الفرع، إذ أكدت أن التعامل معها كان جيداً ولم تتعرض لإيذاء أو إهانة، وإنما في أصل الإجراء والطريقة التي تم بها.

وأثارت الحادثة لديها سؤالاً عن الجهة التي يمكن للصحفي اللجوء إليها إذا تعرض لموقف مشابه، وهل تكون وزارة الإعلام أم اتحاد الصحفيين أم جهة أخرى.

وقالت في مداخلتها: “أنا بدي القانون يحميني”، مشددة على أنها لا تريد أن تكون خلفيتها الشخصية أو تجربتها السابقة سبباً في حصولها على حماية أكبر من صحفي آخر.

كما أكدت أن سوريا تعيش، من وجهة نظرها، مساحة حرية غير مسبوقة منذ سقوط النظام المخلوع، وأن هدف إثارة هذه الحالات هو حماية هذه المساحة وتوسيعها، لا إنكار ما تحقق.

 

المادة 336.. سبعة أشخاص قد يصنعون مشكلة قانونية

أعاد توقيف شهلا النقاش إلى قانون العقوبات وإلى النصوص التي تنظم التجمعات والاحتجاج.

وخلال الحلقة، جرى الرجوع إلى المادة 336 من قانون العقوبات التي تتناول، من بين حالات أخرى، تجمع سبعة أشخاص على الأقل بقصد الاحتجاج على قرار أو تدبير للسلطات العامة أو الضغط عليها.

وأثار النص استغراباً داخل الاستديو، لأنه يقدم نموذجاً عملياً على المعضلة التي تناقشها الحلقة: قانون قديم ما يزال قائماً ويمكن الرجوع إليه في التعامل مع احتجاجات تحدث في واقع سياسي يفترض أنه تغير جذرياً.

ورأى المحامي علي الزير أن المشكلة تظهر عندما تعيد تعليمات أو تعاميم جديدة تفعيل نصوص قديمة كان ينبغي إعادة النظر فيها، خصوصاً عندما تمس الحقوق التي كفلها الإعلان الدستوري.

ودعا إلى إعطاء القضاء دوراً أكبر في الامتناع عن تطبيق النصوص التي تتعارض مع الإعلان الدستوري أو الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها سوريا.

من يحمي الصحفي والمواطن؟

رداً على سؤال شهلا عمن يحمي الصحفي عندما يقع عليه إجراء يراه مخالفاً للقانون، قال عضو المحكمة الدستورية عارف الشعال إن “القاضي هو الذي يحمي الناس”.

ويعيد ذلك النقاش إلى استقلال القضاء نفسه.

فوجود إعلان دستوري وقوانين جديدة لا يكفي إذا لم يمتلك القاضي الاستقلال والقدرة على مواجهة القرار الإداري أو الأمني عندما يتعارض مع الحقوق.

لكن الحلقة كشفت أن القضاء نفسه يحمل آثار المرحلة السابقة.

وقال المحامي علي الزير إن غالبية القضاة الذين كانوا يعملون سابقاً ما يزالون يمارسون مهامهم، وإن بعضهم تعامل في الماضي مع ملفات تتعلق بالتظاهر والجرائم السياسية وفق قوانين المرحلة السابقة.

وتحدث عن وجود خوف لدى بعض القضاة وعن مشكلات متراكمة تتعلق بطريقة التعيين والمحسوبيات والفساد.

من جهته، قال الشعال إن آثار خمسين عاماً لا يمكن إنكارها، منتقداً ما وصفه بـ”ذهنية الموظف” التي ما تزال موجودة لدى قسم من القضاة، في حين يفترض بالقاضي أن يتصرف بوصفه سلطة مستقلة لا موظفاً ينتظر التوجيه.

واتفق المشاركون على أن تغيير هذه الذهنية يحتاج إلى وقت وإصلاح مؤسسي طويل، مع التحذير من التعميم على جميع القضاة.

قوانين موجودة لكنها لا تطبق

من أبرز المفارقات التي ناقشتها الحلقة وجود قوانين ما تزال نافذة رسمياً لكنها شبه متوقفة عملياً.

ومن الأمثلة التي طُرحت تجريم التعامل بغير الليرة السورية.

وأشار الشعال إلى أن النصوص التي تجرّم التعامل بالدولار ما تزال قائمة قانونياً، في وقت أصبحت فيه التعاملات بالدولار موجودة في الواقع، بما في ذلك في عقود ومعاملات مختلفة.

وهنا تظهر منطقة رمادية أخرى: القانون موجود لكنه لا يطبق بالشكل الذي يوحي به نصه.

وهذا، بحسب النقاش، يعيد إنتاج مشكلة الانتقائية نفسها؛ فالمواطن يحتاج إلى معرفة القاعدة التي تحكم سلوكه، لا إلى قانون مكتوب يجري تجاهله اليوم مع إمكانية العودة إليه غداً.

الاستملاك وحقوق الملكية

لم يقتصر النقاش على الحريات العامة، بل امتد إلى القوانين التي تمس حياة السوريين وممتلكاتهم بصورة مباشرة.

وطالب متداخلون بمراجعة قانون الاستملاك من جذوره، وإعادة الأراضي المستملكة التي لم تستخدم للغرض الذي استُملكت من أجله إلى أصحابها، معتبرين أن هذا الملف خلّف مظالم واسعة.

كما طُرحت الحاجة إلى تعديل الإجراءات القضائية لتخفيف الأعباء عن المواطنين وتسريع التقاضي، ومراجعة قوانين النفقة وأصول المحاكمات المدنية والجزائية وغيرها.

وطرح أحد الحضور سؤالاً عن سبب قدرة الحكومة، قبل تشكيل مجلس الشعب، على التحرك سريعاً في ملفات مثل الاستثمار والمصارف، في حين بقيت قوانين تمس حياة المواطنين مباشرة من دون تعديل، مثل الاستملاك والعمل وبعض النصوص الجزائية.

من يملك التشريع في المرحلة الانتقالية؟

بحسب ما طرحه الشعال، أدى تأخر تشكيل مجلس الشعب نحو عام ونصف إلى “فراغ تشريعي كبير”، في وقت لم يمنح فيه الإعلان الدستوري رئيس الجمهورية، وفق قراءته، صلاحيات تشريعية كاملة.

ونتيجة ذلك، لجأت مؤسسات مختلفة إلى التعاميم والاجتهادات وتجميد بعض النصوص عملياً من أجل التعامل مع الواقع الجديد.

لكن هذا الحل أنتج بدوره مشكلة: إذا لم يكن القانون قد أُلغي، فمن يملك حق وقف تطبيقه؟

هل هو القاضي؟ أم وزارة العدل؟ أم مجلس القضاء الأعلى؟ أم أن الأمر يجب أن ينتظر المشرّع؟

وتكشف هذه الأسئلة حجم المنطقة الرمادية التي عاشتها البلاد خلال الفترة التي سبقت تشكيل السلطة التشريعية.

مرحلة انتقالية أم “فوضى تشريعية”؟

قدمت الحلقة توصيفاً للمشهد السوري باعتباره واقعاً تتجاور فيه قواعد جديدة مع قوانين قديمة ومراسيم وتعليمات وقرارات تنفيذية.

وتكمن الخطورة، وفق النقاش، في أن يتحول القانون نفسه من أداة للإصلاح إلى حاجز أمامه.

فإصلاح الاقتصاد يحتاج إلى تشريعات، وحماية الملكية تحتاج إلى تشريعات، والحريات تحتاج إلى نصوص واضحة، والعدالة الانتقالية تحتاج إلى إطار قانوني، لكن إصدار كل ذلك يحتاج بدوره إلى مؤسسات قادرة على التشريع والرقابة والمحاسبة.

وهنا تظهر الحلقة المغلقة: القانون الجديد يحتاج إلى مؤسسة قوية، والمؤسسة تحتاج إلى توازن ورقابة، والرقابة نفسها تحتاج إلى قوانين ومؤسسات مكتملة.

لذلك لا يكفي، بحسب الطرح الذي قدمته الحلقة، إعلان القطيعة مع الماضي، وإنما يجب أن تظهر هذه القطيعة في القواعد التي تطبق فعلياً على المواطنين.

الرقابة تتصدر الاستبيان

وعكست نتائج استبيان الحلقة جانباً من نظرة المشاركين إلى أسباب تعثر الإصلاح الاقتصادي.

ففي أحد الاستبيانات، رأى 57 في المئة من المشاركين أن غياب الرقابة هو السبب، مقابل 16 في المئة أرجعوا المشكلة إلى التشريعات القديمة، و17 في المئة إلى تشريعات جديدة تصدر من دون دراسة كافية، بينما اختار 10 في المئة محدودية الموارد.

وبذلك بلغت نسبة من ربطوا التعثر بأسباب تشريعية، سواء بسبب القديم أو الجديد، نحو الثلث.

أما في نتائج التصويت عبر يوتيوب التي عرضتها الحلقة، فجاءت النسب مختلفة، مع بقاء التشريعات والرقابة في صدارة أسباب التعثر بحسب المشاركين.

من يكتب القانون ومن يراقب تطبيقه؟

بعد تشكيل مجلس الشعب وبدء عمل المحكمة الدستورية، تدخل المرحلة الانتقالية في اختبار مختلف.

لم يعد السؤال فقط كيف يمكن الحفاظ على مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام المخلوع، وإنما كيف يمكن إعادة بناء قواعد هذه المؤسسات نفسها.

فالاستمرار بكل التشريعات القديمة يحمل خطر إبقاء أدوات لم تعد منسجمة مع الواقع الجديد، وإلغاء المنظومة دفعة واحدة يحمل خطر إدخال البلاد في فراغ قانوني، أما التطبيق الانتقائي بلا معايير واضحة فيخلق خطراً ثالثاً: أن يصبح القانون نفسه خاضعاً للحظة ولتقدير السلطة التي تطبقه.

ومن هنا بدا السؤال الذي اختصر الحلقة أكثر تعقيداً من مجرد الاختيار بين قوانين قديمة وأخرى جديدة: من يكتب القوانين؟ ومن يملك تعديلها؟ ومن يراقب من يطبقها؟

فدولة القانون لا تقاس بعدد التشريعات التي تصدر، وإنما بوضوح القاعدة القانونية واستقرارها، وبقدرة المواطن على معرفة حقوقه وواجباته، وبوجود قضاء مستقل وسلطة تشريعية تمارس الرقابة، وبخضوع السلطة نفسها للقانون الذي تطلب من الناس الالتزام به.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى