من التدخل إلى إعادة التموضع.. محطات الوجود الروسي في سوريا منذ 2015

باسل المحمد

في 30 من أيلول/سبتمبر 2015، دخلت روسيا الحرب السورية بصورة عسكرية مباشرة، بعد سنوات من الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته للنظام المخلوع. جاء التدخل بطلب رسمي من دمشق، وفق مذكرة روسية إلى الأمم المتحدة، قالت فيها موسكو إن الرئيس المخلوع طلب مساعدة عسكرية لمواجهة تنظيم “داعش” وتنظيمات أخرى، وإن الضربات الجوية والصاروخية الروسية بدأت في اليوم نفسه.

لكن التدخل الروسي لم يأتِ في فراغ عسكري. ففي صيف 2015 كان النظام المخلوع يواجه تراجعاً ميدانياً واضحاً، مع خسارته مناطق واسعة أمام فصائل المعارضة، فيما كانت قواته تعتمد بصورة متزايدة على دعم إيران و”حزب الله” وميليشيات أخرى. لذلك تحولت موسكو، منذ اللحظة الأولى، من حليف سياسي ومورد للسلاح إلى طرف يقود جزءاً رئيسياً من العمليات العسكرية، ويوفر للنظام غطاءً جوياً مكّنه لاحقاً من استعادة زمام المبادرة على الأرض.

الحرب باسم “مكافحة الإرهاب”

أعلنت روسيا أن هدفها الأساسي يتمثل في دعم قوات النظام في مواجهة تنظيم “داعش” والتنظيمات المصنفة إرهابية، لكن مواقع الضربات الأولى أثارت منذ اليوم الأول جدلاً واسعاً؛ فقد استهدفت الغارات الروسية مناطق مدنية في ريف حمص وحماة واللاذقية، وأشارت تحليلات صدرت في الأيام الأولى للتدخل إلى أن موسكو كانت معنية أيضاً بمنع انهيار جبهات النظام وقطع الطريق أمام تقدم المعارضة نحو مناطق الساحل.

وبحسب دراسة سابقة لمركز جسور للدراسات، فإن نحو 84% من الاستهدافات الروسية في المرحلة الأولى طالت محافظتي إدلب وحلب، وهما من أبرز معاقل المعارضة، في حين تركزت نحو 15% فقط من الهجمات في مناطق سيطرة تنظيم “داعش”. وخلصت الدراسة إلى أن هذا التوزع يثير تساؤلات حول أولوية مكافحة التنظيم، ويرجح أن تثبيت قوات النظام ومنع انهيارها كان من الأهداف الأساسية للتدخل.

حلب.. اللحظة التي تغيرت فيها موازين الحرب

خلال عام 2016، تحولت القوة الجوية الروسية إلى العامل الأكثر تأثيراً في عدد من الجبهات، بالتوازي مع العمليات البرية التي خاضتها قوات النظام وحلفاؤها. وكانت معركة حلب أبرز محطات هذا المسار؛ إذ أسهم الدعم الجوي الروسي المكثف في تمكين قوات النظام وحلفائها من استعادة الأحياء الشرقية للمدينة في نهاية العام، وسيطرة قوات النظام على حلب بشكل كامل، في معركة بدأت بعدها تراجع قوات المعارضة وخسارتها لمساحات واسعة من الجغرافية السورية، لصالح تقدم قوات النظام مدعوما بغطاء جوي روسي.

وفي الذكرى الأولى للتدخل الروسي في سوريا عام 2016، وثق تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان مجزرة قالت إنها ارتكبت خلال العام الأول، وأسفرت عن مقتل 3264 مدنياً، بينهم أطفال ونساء، إلى جانب استهداف 417 مركزاً حيوياً، بينها منشآت طبية وأفران ومدارس ومخيمات ومساجد وأسواق ومراكز للدفاع المدني. كما تحدثت عن نزوح نحو 59 ألف شخص، وتوثيق أكثر من 147 هجمة بالذخائر العنقودية وأكثر من 48 هجمة بالأسلحة الحارقة.

بين القصف والهدن.. روسيا تتحول إلى لاعب عسكري ودبلوماسي

لم يقتصر الدور الروسي على إدارة المعارك. فمنذ نهاية 2016، بدأت موسكو تتحرك بالتوازي على المسارين العسكري والسياسي، سواء عبر مسار أستانا مع تركيا وإيران، أو من خلال التفاهمات المباشرة مع الفصائل السورية بشأن مناطق خفض التصعيد والإخلاءات.

 وفي كانون الثاني/يناير 2017، شاركت روسيا وتركيا وإيران في تأسيس آلية ثلاثية لدعم وقف إطلاق النار، لتصبح موسكو طرفاً رئيسياً في إدارة الصراع وليس فقط في خوضه.

وفي عام 2018، ظهر الدور الروسي بصورة أوضح في اتفاقات “المصالحة” أو التسويات التي أفضت إلى خروج مقاتلين ومدنيين من مناطق كانت تسيطر عليها المعارضة. ففي الغوطة الشرقية، عرضت موسكو ممرات لإجلاء المقاتلين وعائلاتهم، في حين جرى في دوما اتفاق سمح بخروج مقاتلي “جيش الإسلام” ودخول الشرطة العسكرية الروسية إلى المدينة. وفي درعا أيضاً تولى ضباط روس التفاوض مع فصائل المعارضة بالتوازي مع العمليات العسكرية، وهو ما عكس الجمع بين الضغط العسكري والوساطة السياسية.

إدلب.. آخر المعارك الكبرى

مع انحسار مساحات سيطرة المعارضة، انتقلت الثقل الأكبر للعمليات الروسية والسورية إلى شمال غربي البلاد. وفي أيلول/سبتمبر 2018 توصل بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى اتفاق لإقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب، أعقب تحضيرات لمعركة واسعة كانت موسكو ودمشق تستعدان لها. ثم عادت العمليات العسكرية بقوة في 2019 ومطلع 2020، وانتهت بعد تصعيد كبير وتوتر روسي-تركي إلى اتفاق وقف إطلاق النار في موسكو في 5 من آذار/مارس 2020، تضمن إنشاء ممر أمني وتسيير دوريات روسية-تركية على طريق M4.

وفي تلك المرحلة، وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا أدلة على مشاركة طائرات روسية في هجومين عام 2019 على مناطق مدنية في إدلب، أحدهما استهدف سوقاً في معرة النعمان في 22 من تموز/يوليو، والآخر منطقة للنازحين قرب بلدة حاس في 16 من آب/أغسطس.

من تثبيت الأسد إلى ترسيخ القواعد

خلال السنوات التالية، لم تعد روسيا بحاجة إلى استخدام القوة الجوية بالمستوى الذي ظهرت به في 2015 و2016، بعدما استعاد النظام المخلوع معظم المدن والمناطق الاستراتيجية. وتحول جزء مهم من الدور الروسي إلى بناء نفوذ طويل الأمد داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب تثبيت الوجود العسكري في قاعدتي حميميم وطرطوس.

وفي هذا السياق، أبرمت دمشق وموسكو اتفاقات عززت الطبيعة طويلة الأمد للوجود الروسي. وشمل اتفاق عام 2017 توسيع قاعدة طرطوس البحرية ومنح روسيا حق استخدامها لمدة 49 عاماً، فيما ثُبت استخدام قاعدة حميميم وفق اتفاقات لاحقة لمدة 49 عاماً مع إمكان التمديد. وأصبحت القاعدتان أساس الوجود الروسي في شرق المتوسط، ومركزين للعمليات الجوية واللوجستية الروسية في سوريا والمنطقة.

وفي هذا السياق تصف دراسة لجسور التدخل بأنه نجح عسكرياً في منع سقوط النظام وتوسيع مناطق سيطرته، لكنه لم يحقق كل أهدافه السياسية المتعلقة بإعادة تشكيل النظام المخلوع وقتها وتحقيق تسوية مستقرة وفق الرؤية الروسية.

8 من كانون الأول.. سقوط الأسد يسقط شكل الوجود القديم

مثّل 8 من كانون الأول/ديسمبر 2024 نقطة التحول الأكبر في تاريخ الوجود الروسي داخل سوريا. ففي غضون أيام، سيطرت فصائل المعارضة على حلب وحماة وحمص، ثم وصلت إلى دمشق، في حين غادر بشار الأسد البلاد إلى روسيا. وكانت القوات الروسية ما تزال تشارك في العمليات الجوية إلى جانب قوات النظام خلال المرحلة الأخيرة من الهجوم، خصوصاً في محيط حماة وحمص، لكن موسكو لم تتمكن من عكس الانهيار السريع الذي أصاب المؤسسة العسكرية للنظام.

ومع وصول قوات المعارضة إلى دمشق، بدأ الجيش الروسي سحب جزء من قواته المنتشرة خارج القواعد الرئيسية. وأظهرت صور الأقمار الصناعية حركة طائرات شحن ومعدات عسكرية نحو حميميم وطرطوس، في وقت انسحبت فيه وحدات روسية من مواقع في الشمال والداخل ومناطق الساحل. ومع ذلك، لم تغادر موسكو قاعدتيها الرئيسيتين فوراً، وبدأت اتصالات مع السلطات الجديدة لضمان مستقبل وجودها.

وكان اللافت أن سقوط الأسد لم يؤدِّ مباشرة إلى انهيار الوجود الروسي كله؛ إذ احتفظت موسكو بحميميم وطرطوس، فيما غادر جزء كبير من انتشارها السابق في بقية المناطق. ووفق رويترز، كانت القاعدتان موضع تفاوض مع القيادة السورية الجديدة منذ سقوط النظام، بينما تعاملت موسكو مع الأمر باعتباره ملفاً منفصلاً عن مصير الأسد نفسه.

 إعادة تعريف العلاقة

بعد سقوط النظام انتقلت العلاقة بين دمشق وموسكو من تحالف يقوم على دعم نظام في الحرب إلى علاقة تفاوض بين دولة سورية جديدة وروسيا التي تبحث عن الاحتفاظ بمصالحها الاستراتيجية.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، زار الرئيس أحمد الشرع موسكو والتقى بوتين في أول زيارة له منذ توليه السلطة. وكان مستقبل قاعدتي حميميم وطرطوس في صلب النقاشات. وقال الشرع خلال اللقاء إن سوريا تحترم الاتفاقات السابقة مع روسيا، مع تأكيد العمل على “إعادة تعريف طبيعة العلاقات” بين البلدين.

وبعد نحو 18 شهراً من المفاوضات، أعلنت دمشق وموسكو في 9 من آب/أغسطس 2026 التوصل إلى مذكرة تفاهم أعادت رسم مستقبل الوجود الروسي. ونص الاتفاق على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني في حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيداً لدمجهما في الإدارة المدنية السورية. أما المنشآت العسكرية، فاتفق الطرفان على تحويلها من قواعد عسكرية روسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، مع تحديد مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحول.

يشار إلى أن التفاهم الجديد لا يعني، وفق صياغته المعلنة، خروج روسيا الفوري من سوريا، وإنما ينقل وجودها من صيغة “القواعد العسكرية الروسية” التي تأسست خلال عهد نظام الأسدين إلى صيغة مختلفة تقوم على مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، مع استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية والتجارية.

حصيلة عقد من التدخل

وتبقى آثار التدخل الروسي، وفق منظمات حقوقية سورية، أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة الجديدة بين دمشق وموسكو. ففي حصيلتها حتى سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول/ديسمبر 2024، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 6993 مدنياً على يد القوات الروسية، بينهم 2061 طفلاً و984 امرأة، إضافة إلى 363 مجزرة و1262 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، بينها 224 مدرسة و217 منشأة طبية و61 سوقاً.

وهكذا، فإن ذكرى 30 من أيلول/سبتمبر لم تعد تستعيد فقط لحظة دخول الطائرات الروسية سماء سوريا عام 2015، وإنما تقارن بين مشهدين متباعدين: روسيا التي دخلت الحرب بطلب من النظام المخلوع الأسد لإنقاذه من الانهيار، وروسيا التي تجد نفسها بعد سقوط الأسد مضطرة إلى التفاوض مع حكومة جديدة حول شكل وجودها وموقعها في سوريا المقبلة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى