بين الاحتلال وأزمة الهوية.. أهالي الجولان يواجهون اعتراف كولومبيا بإسرائيل

بيسان خلف

في تحول لافت بسياستها الخارجية تجاه الشرق الأوسط، أعلنت الحكومة الكولومبية مطلع الأسبوع اعترافها بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السوري المحتل، في خطوة أثارت موجة استياء واسعة بين سكان القرى الجولانية الأربع الباقية تحت الاحتلال منذ عام 1967.

وقالت وزارة الخارجية الكولومبية، في بيان نشرته عبر موقعها الرسمي، إن القرار جاء “في ضوء استمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط”، مشيرة إلى ما وصفته بـ”الأهمية الاستراتيجية لمرتفعات الجولان لأمن إسرائيل”، وأكدت اعترافها كذلك بما سمته “حق إسرائيل في حماية نفسها من التهديدات الخارجية”.

الخطوة الكولومبية، وإن كانت الأحدث ضمن سلسلة اعترافات دولية متفرقة بضم الجولان، أعادت إلى الواجهة نقاشاً لم يهدأ يوماً بين أهالي القرى الأربع الباقية (مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنية) حول الهوية والجنسية والانتماء، في ظل واقع ديموغرافي وسياسي معقد فرضه الاحتلال منذ أكثر من خمسة عقود ونصف.

جرح متوارث

يستعيد توفيق منذر، من قرية مسعدة، حديثه لموقع تلفزيون سوريا بمرارة واضحة، رابطاً موقفه الرافض لأي اعتراف بالسيادة الإسرائيلية بإرث عائلي مثقل بالفقد.

يقول إن والده استشهد في حرب عام 1973 دفاعاً عن الجولان، في وقت لم يكن فيه، بحسب وصفه، جيش سوري يحمي المنطقة، إذ لم يحارب الجيش السوري السابق بشكل جدي عن الجولان خلال حرب عام 1973 بينما اقتصر الدفاع على “فزعات” أهلية من قرى القنيطرة وجبل الشيخ والسويداء، ويصف منذر ما جرى حينها بأنه تخلٍّ وترك للجولان  وأهاليه “يواجهون مصيرهم” بمفردهم.

بالنسبة إلى منذر، فإن أي اعتراف دولي بالسيادة الإسرائيلية لا يغيّر من واقع الأرض بقدر ما “يعني سيطرة على مصائر الناس”، مستذكراً بيت العائلة الذي ورثه عن جده والذي يخشى أن يصبح يوماً “ملكاً لدولة إسرائيل”.

ويوجّه انتقاداً إلى التجاهل السوري الرسمي والشعبي الذي كرسه النظام المخلوع بعد اتفاق عام 1974 لقضية الجولان طوال عقود الاحتلال، معتبراً أن هذا التجاهل هو أحد أسباب ما يصفه بـ”أزمة الهوية” التي عاشها أبناء المنطقة.

 يستدرك منذر بأن لا كراهية له تجاه أهل دمشق أو حمص أو أي محافظة سورية أخرى، بل “عتب كبير” على السياسات المتعاقبة منذ حكم حافظ الأسد ونجله بشار المخلوع، التي تسببت بتجهيل ممنهج لقضية الجولان من أجل تكريس الاحتلال.

ويشبّه منذر تمسك أهل الجولان بهويتهم بتجربة الفلسطينيين، قائلاً إن الأرض والهوية “ما بتتغير” مهما تعاقبت الحكومات، مستدلاً بأن الفلسطينيين “أكثر من 70 سنة ما نسيوا أرضهم”.

ويروي مفارقة الوضع القانوني الذي يعيشه، إذ يحمل وثيقة سفر حمراء تحمل صفة “إقامة دائمة” لا تعترف به سورياً ولا إسرائيلياً بشكل كامل، فحين يُسأل في المطارات عن جنسيته يجيب بأنه سوري، ليُطلب منه جواز سفر سوري لا يملكه، وحين يذكر أنه من الجولان، يُصنَّف على أنه إسرائيلي رغم عدم حمله جوازاً إسرائيلياً أيضاً.

ورغم ما يصفه بـ”القرف” من هذا الوضع القانوني الملتبس، يشدد منذر على أن الجنسية الإسرائيلية ليست الحل، خشية أن يفضي قبولها إلى فرض التجنيد الإلزامي على أبناء الجولان مستقبلاً، وهو ما يرفضه رفضاً قاطعاً، مستذكراً التجربة المريرة للتجنيد الإجباري الذي فرضته دمشق في عهدي الأسدين.

كما يشير إلى أن ما جرى من أحداث في محافظة السويداء مؤخراً قد يجعل البعض يصف موقفه بـ”الخيانة”، لكنه يوضح أن دفاعه ليس عن الحكومة السورية الحالية بقدر ما هو دفاع عن هويته، رافضاً أن يصبح “جزءاً من دولة لا تشبهه تأخد أرضه لتحولها إلى  مستوطنات”.

الهجرة والخشية من التجنيد

من جهتها، تروي ناديا، من قرية عين قنية، لموقع تلفزيون سوريا تجربة عائلية مختلفة، إذ تقول إنها بادرت منذ بدأت إسرائيل توسيع مشروعها ودخولها إلى محيط القنيطرة، إلى تهجير بناتها الثلاث نحو اليونان، خشية أن يأتي يوم تجد فيه أحفادها يخدمون في الجيش الإسرائيلي. وتصف الصراع مع إسرائيل بأنه في جوهره “صراع على الأرض”، مستذكرة زمناً كانت فيه مقاطعة كل من يحصل على الجنسية الإسرائيلية أمراً بديهياً بين أهالي القرى.

وتقر ناديا بأن أحداث تموز الأخيرة في السويداء كانت “صادمة ومؤلمة”، لكنها تقول بأن ذلك لا يبرر، التنازل عن الحق في الأرض وبيت العائلة لصالح مستوطن قادم من أوروبا.

وتتحدث عن آلية استحواذ تدريجية تبدأ بعقود إيجار للأراضي تتحول بعد سنوات إلى ممتلكات لدولة إسرائيل، متسائلة عما إذا كان مؤيدو التقارب مع إسرائيل مستعدين لقبول أن تصبح أراضيهم كذلك ملكاً للدولة الإسرائيلية وأن يعيشوا إلى جانب مستوطنين قد يكونوا متطرفين أو عنصريين “يشتمون كل ما هو عربي وينتظرون اللحظة المناسبة لأخذ منزلك باعتباره جزءاً من أرض إسرائيل”.

وتضيف أن مشروع توربينات الرياح المزمع إقامته سيقتطع أراضي المنطقة، معربة عن تعلقها بالجولان رغم دراستها في دمشق، وعن خشيتها من أن يُهدم أي منزل تحاول بناءه مستقبلاً على أرضها، في ظل وضع قانوني يجعل قرار حياتها وحياة أبنائها معلقاً بقرارات دولة تنظر إليها كـ”عربية مقيمة حاصلة على الجنسية”.

أرقام تكشف اتساع الفجوة رغم التمسك بالهوية

تأتي هذه الشهادات في سياق بيانات رسمية حديثة حصل عليها المرصد العربي لحقوق الإنسان في الجولان من سلطة السكان والهجرة الإسرائيلية، بموجب قانون حرية المعلومات، وتغطي الفترة من عام 2021 حتى نهاية عام 2024.

وتظهر البيانات أن العدد الإجمالي لطلبات التجنس المقدمة خلال هذه السنوات الأربع بلغ 1525 طلباً، في حين يبلغ العدد الإجمالي لحملة الجنسية الإسرائيلية بين سكان القرى الأربع نحو 6013 شخصاً، أي ما نسبته 23% من إجمالي السكان المسجلين البالغ نحو 25849 نسمة.

وتتصدر قرية مجدل شمس عدد طلبات التجنس بنسبة 51% من الإجمالي، تليها بقعاثا بنسبة 23%، ثم مسعدة بنسبة 16%، وأخيراً عين قنية بنسبة 10%.

ورغم هذا الاتجاه التصاعدي النسبي في طلبات التجنس، تشير الأرقام ذاتها إلى أن الغالبية العظمى من السكان، أي نحو 77% من تعداد القرى الأربع، لا تزال تمتنع عن حمل الجنسية الإسرائيلية، مفضّلة وضع “المقيم الدائم” القانوني، على غرار وضع الفلسطينيين في القدس الشرقية.

هذا التمسك، رغم مرور نحو 58 عاماً على الاحتلال وما رافقه من تحولات بنيوية عميقة في المجتمع الجولاني واندماج تدريجي في المنظومة الاقتصادية الإسرائيلية، يحمل بعداً رمزياً يتجاوز الحسابات المصلحية المباشرة، ويستحضر إرث الوثيقة الوطنية التي أصدرها أهالي الجولان عام 1981 رفضاً لأي استبدال للجنسية السورية، وإضراب عام 1982 الذي انتهى باتفاق غير مكتوب مع سلطات الاحتلال يقضي بعدم فرض الجنسية أو التجنيد الإلزامي بالقوة.

بين خطوة بوغوتا الأخيرة وشهادات أهالي الجولان، يبدو أن المسافة بين الاعتراف الدولي بالأمر الواقع، والواقع المعاش لسكان الجولان أنفسهم، لا تزال شاسعة، إذ يواجه هؤلاء تحولات جيوسياسية متسارعة في المنطقة، في حين تبقى قضيتهم، كما يصفها كثير منهم، “منسية” في الخطاب السوري الرسمي والشعبي على حد سواء.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى