سوريا بين نعمة الجغرافيا ونقمة الصراع

عمار زيدان

تزداد أهمية موقع سوريا الجغرافي في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، مع تصاعد المنافسة على طرق التجارة الدولية وممرات الطاقة.

لعبت الجغرافية السورية دوراً كبيراً ومؤثراً على مر التاريخ في حسابات السلم والحرب والاقتصاد حيث بقيت دمشق عقدة الشرق الأوسط الذي لا تُقاس فيه أهمية الدول بمساحتها أو عدد سكانها فحسب، بل بموقعها على خارطة الصراعات والمصالح. وتكمن أهمية سوريا الاستثنائية بأنها تقع عند تقاطع خطوط الطاقة والتجارة والنفوذ العسكري، بحيث يصعب إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط من دون المرور عبر الجغرافيا السورية.

وتزداد أهمية هذا الموقع في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، مع تصاعد المنافسة على طرق التجارة الدولية وممرات الطاقة، وعودة الحديث عن البدائل البرية التي تقلل الاعتماد على المسارات البحرية المعرضة للأزمات. وبذلك لم تعد الجغرافيا السورية مجرد عامل ثابت في معادلات السياسة، بل أصبحت أحد العناصر التي يعاد تقييمها في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية. فكل تغير في موازين القوى بين الفاعلين الدوليين والإقليميين ينعكس على موقع سوريا ووظيفتها الجيوسياسية.

ومع استمرار الحرب والمواجهات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يعود موقع سوريا الجغرافي إلى الواجهة مجدداً، فكل تصعيد بين واشنطن وطهران ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأراضي السورية، سواء عبر انتشار القوات الأجنبية، أو حركة الفصائل والمجموعات المسلحة الموالية لإيران أو أهمية الممرات البرية والبحرية.

بالتالي فإن أي اتساع للصراع بين واشنطن وطهران يرفع احتمالات انتقال الضغوط العسكرية والأمنية والسياسية إلى الساحة السورية. ومن هنا يُطرح سؤال حول ما إذا كانت هذه الجغرافيا نعمة منحت دمشق ثقلاً استراتيجياً، أم نقمة جعلتها ميداناً دائماً للحروب؟

ويقول الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان لـ”963+”، إن الجغرافيا السورية تمثل فرصة استراتيجية كبيرة لسوريا وللأطراف الأخرى في المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تحولت إلى لعنة على الدولة السورية بسبب موقعها الذي جعلها ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.

ويضيف: “الموقع الجغرافي لسوريا منحها أهمية استثنائية فهي تشكل نقطة وصل بين تركيا ودول الخليج العربي وأوروبا، كما أنها تمثل ممراً طبيعياً لحركة النقل والتجارة والاستيراد والتصدير والتنمية. ومن هذه الزاوية، يمكن أن تكون الجغرافيا السورية رافعة اقتصادية كبرى إذا توفرت ظروف الاستقرار السياسي والأمني”.

لكن هذه الأهمية نفسها جعلت سوريا محوراً للصراعات. فالجغرافيا التي تمنحها القدرة على لعب دور اقتصادي وتجاري كبير، جعلتها أيضاً هدفاً لتنافس النفوذ بين القوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران وتركيا والولايات المتحدة ودول أخرى، بحسب علوان.

ويؤكد بأن هذا التناقض يظهر بوضوح في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، إذ تشكل سوريا إحدى أهم ساحات المواجهة غير المباشرة بين الطرفين. فبالنسبة لإيران، تمثل الأراضي السورية حلقة أساسية في مشروعها الإقليمي، كونها تشكل الممر الذي يربط طهران بالعراق وصولاً إلى لبنان، حيث اعتمدت طويلاً على وجود حلفائها، وفي مقدمتهم “حزب الله” اللبناني، لتعزيز نفوذها في المنطقة.

ويشير علوان أن أي تغيير في الواقع السوري يؤثر مباشرة على قدرة إيران على التحرك الإقليمي. فسوريا بالنسبة لطهران ليست مجرد ساحة نفوذ، بل عقدة استراتيجية مرتبطة بقدرتها على نقل الإمدادات والسلاح والاحتفاظ بخط اتصال مع حلفائها في لبنان. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الحد من هذا النفوذ وتقليص قدرة إيران على استخدام الأراضي السورية كجسر استراتيجي.

كما أن موقع سوريا الجغرافي يكتسب أهمية إضافية بحسب علوان بسبب قربه من طرق الطاقة والتجارة الدولية. فقد طُرحت خلال السنوات الماضية مشاريع بديلة، مثل خط التنمية الذي يربط العراق بالخليج العربي وتركيا وصولاً إلى أوروبا، ما يعكس إدراك الدول لأهمية الممرات البرية في إعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي.

ويذكر أنه في ظل الصراع الأميركي– الإيراني المستمر، تبقى سوريا نقطة حساسة في حسابات الحرب والسلام. فمحاولات إيران الحفاظ على نفوذها، ومساعي خصومها للحد منه، تجعل الأراضي السورية مرشحة دائماً لأن تكون جزءاً من أي تصعيد إقليمي محتمل، وهكذا تبقى الجغرافيا السورية سلاحاً ذا حدين: فهي فرصة تاريخية يمكن أن تجعل من سوريا مركزاً اقتصادياً واستراتيجياً في الشرق الأوسط، لكنها تتحول إلى عبء عندما تصبح البلاد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.

ويؤكد علوان أنه من يملك القدرة على التأثير في دمشق، يمتلك ورقة مؤثرة في ملفات العراق ولبنان وشرق المتوسط، كما يستطيع التأثير في حسابات الأمن الإسرائيلي، وفي موازين النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا.

ويختتم الباحث في مركز الجسور للدراسات حديثه بالقول: إن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع اقتصادي يتطلب أولاً تحقيق الاستقرار، وإنهاء حالة الحرب، وضبط انتشار الميليشيات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. فالجغرافيا وحدها لا تصنع القوة ما لم ترافقها دولة مستقرة قادرة على استثمار موقعها. كما في ظل الصراع الأميركي–الإيراني، تبقى سوريا نقطة حساسة في حسابات الحرب والسلام. فمحاولات إيران الحفاظ على نفوذها، ومساعي خصومها للحد منه، تجعل الأراضي السورية مرشحة دائماً لأن تكون جزءاً من أي تصعيد إقليمي محتمل.

ويرى الكاتب والصحفي أحمد مظهر سعدو أن للجغرافيا، دائما وأبداً، الحصة الكبرى في معظم الحسابات الحربية، وكذلك في مجمل الصراعات الإقليمية، إذ لا يمكن للدول أن تتجنب الانخراط في الصراعات إذا كانت جغرافيتها الوطنية تقع ضمن سياقات جغرافية متشابكة مع الآخرين، وتشكل في الوقت نفسه نقطة وصل وانقطاع بينهم.

ويقول سعدو لـ”963+”، إن سوريا تتمتع بموقع استراتيجي مهم فهي تقع ضمن مسارات طريق الحرير، وأصبحت اليوم مدخلًا ومعبراً محتملاً لسلاسل الإمداد، ولا سيما بعد تعطل بعض الطرق البحرية التي شهدت اضطرابات متكررة، وفي مقدمتها مضيق هرمز. وقد سعت إيران إلى استغلال هذا المضيق كورقة ضغط على المجتمع الدولي، في محاولة لخدمة مصالحها، والضغط من أجل وقف الحرب عليها، ثم توظيف ذلك ضمن مقاربة براغماتية يبدو أنها لم تكن تستثمرها على هذا النحو سابقًا. ومن هنا، وبعد أن فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب حصارًا على الموانئ الإيرانية، برز هذا الخيار بصورة أوضح، أو ربما قررت طهران اللجوء إليه في هذه المرحلة.

ويتابع: “اليوم، وبعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وما رافقها من تداعيات إقليمية، باتت دمشق تمثل عقدة مواصلات مهمة يمكن أن تشكل بديلًا استراتيجيًا لنقل النفط والغاز باتجاه الغرب والأسواق العالمية. كما أن سوريا، إذا أحسنت إدارة هذا الاهتمام الدولي بموقعها الجيوسياسي، تستطيع أن تدفع باتجاه الحصول على دعم أميركي وغربي يسهم في ترسيخ استقرارها. فاستقرار سوريا لا يخدم السوريين وحدهم، بل يخدم الإقليم والغرب عموماً”.

ومن هذا المنطلق، يبرز تصور إيراني بالغ الخطورة، يتمثل في احتمال سعي طهران إلى الحيلولة دون استقرار سوريا، بما يمنع قيام مسارات إمداد بديلة تعوض النقص الذي قد ينجم عن أي اضطرابات في مضيق هرمز، وفق سعدو.

ويشير الكاتب والصحفي السوري إلى أن دمشق اليوم ذات أهمية متزايدة بالنسبة للعالم، وأصبح استقرارها مصلحة دولية بقدر ما هو مصلحة وطنية. وانطلاقاً من ذلك، قد تدفع الولايات المتحدة والدول الأوروبية باتجاه تعزيز الاستقرار في سوريا، بما في ذلك ممارسة الضغوط على إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق يفضي إلى ترسيخ الاستقرار، ويفتح الباب أمام استعادة وحدة سوريا وتعزيز حضورها كدولة قوية وقادرة على النهوض، كما أنه عندما تصبح سوريا عقدة استراتيجية مؤثرة في حركة التجارة والطاقة، فإن الدعم الدولي اللازم لتثبيت استقرارها سيغدو مصلحة مشتركة، ليس للسوريين وحدهم، بل للإقليم والعالم بأسره.

المصدر:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى