
رأي الملتقى
استنادًا إلى تاريخ العلاقة الأميركية وتدخلاتها في الشأن السوري الداخلي، لا يستطيع أي مدقق أن يأخذ مواقفها المستجدة على محمل الصدق والصداقة. فالولايات المتحدة دولة عظمى ذات تطلعات استعمارية في الوضع السوري وذات أياد وامتدادات تجعلها تتدخل سلباً في كل مرة لا تسير الأمور وفق ما ترغب وترسم وتخطط. ليست الولايات المتحدة دولة محايدة وليست وسيطًا نزيهًا أو موضوعيًا في أي شأن أو حدث في بلادنا وبلاد العرب عمومًا..
وعلى الرغم من بقاء عدد لا يستهان به من ابناء الشعب السوري في موقع الانتظار حيال المواقف الأميركية طوال سنوات الثورة السورية..
وعلى الرغم من أن عددًا كبيرًا من السوريين لا يزال يتوقع أو يأمل موقفًا إيجابيًا تتخذه أميركا لصالح سورية والتغيير فيها ولصالح الاستقرار والتعافي..
فإن تذبذب المواقف الأميركية يبدو هو الغالب في سياستها تجاه سورية والوضع فيها. فهي – مثلًا – لم تتخذ أي موقف صادق إلى جانب الشعب السوري وثورته، بل غلب عليها المناورة والتبدل حتى آخر يوم في عمر النظام البائد..
أكثر من هذا فقد حاولت كثيرًا الالتفاف على مطالب الثورة وعملت على توظيفها لتحقيق أهداف ذاتية خاصة بها وبالكيان الصهيوني العدو..
وحينما فرضت قانون قيصر أوهمت الشعب السوري أنها تقف في صفه وتحاصر النظام فإذ بالقانون يحاصر الشعب السوري ذاته ويضيق الخناق عليه..
واليوم ومع التصديق المتوقع على قرار رفع الحظر على سورية فإن المتوقع من كثير من السوريين أن يكون هذا مؤشرًا جديًا لتغير الموقف الأميركي لصالح الشعب السوري.. فهل هذا هو الواقع أم أن وراء القرار مطالب أميركية ليست في مصلحة الشعب السوري وليست سورية بقابلة بها في أية حال..
فإذا تنبهنا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد كرر وللمرة الرابعة رغبته في أن تتولى الدولة السورية الجديدة ملف سلاح حزب الله فتدخل عسكريًا إلى لبنان لمصادرة هذا السلاح. فهل يكون قرار رفع الحظر والعقوبات ثمن ذلك التدخل المطلوب أو جائزة ترضية مقابله؟؟
ألا يحق للوطنيين السوريين التشكك والحذر من هذه المواقف الأميركية وخاصة وبالتحديد تصريحاته المتكررة بالطلب إلى سورية تولي ملف حزب الله وسلاحه؟؟
وعلى الرغم من أن الرئيس أحمد الشرع قد أعلن وبوضوح جلي عدم رغبة سورية في الدخول في هذا الملف الشائك وعدم قناعتها بمثل هذا الدور بل وبحرصها على علاقات طبيعية بين سورية ولبنان قائمة على التعاون الإيجابي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي منهما..
إلا أن الرئيس ترامب كرر حديثه عن دور مطلوب لسورية في ملف السلاح في لبنان..
إن المتتبع للمواقف الأميركية يدرك أنها تنصب كمينًا للقيادة السورية يجرها إلى لبنان للدخول في مواجهة عسكرية مع حزب الله مع ما يعني هذا من احتمال اندلاع مواجهات عسكرية مفتوحة تنحني لتأخذ أبعادًا مذهبية تدمر لبنان والمنطقة ولا يستفيد منها إلا العدو الصهيوني..
إن الوضع الداخلي في لبنان يعاني من هشاشة ملحوظة ومن انقسامات متعددة وعلى أكثر من مستوى فليس في وضع يحتمل تفجيرًا عسكريًا جديدًا من خارج حدوده..
فضلًا عن أن حزب الله مصر على عدم تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية؛ كما أن التدخلات الخارجية الكثيرة فيه قد جعلته ساحة تنافس وصراع بين القوى الإقليمية والدولية المؤثرة والفاعلة والمخترقة للساحة اللبنانية وما أكثرها؛ الأمر الذي يعني أن الدخول العسكري السورية تحت أي مسمى، سوف يكون استدراجًا للقيادة السورية واستنزافًا لجهودها وإمكانياتها وصرف اهتمامها عن معالجة أزمات ومشكلات الوضع الداخلي السوري..
وإذا عرفنا أن أميركا تحاول التأثير – ومن وراء ظهر السلطات السورية – في بعض الجماعات التي لا تزال تحتفظ بجزء من اسلحتها وتسعى لاستخدامها في عدة اتجاهات وأهداف؛ فليس من المستبعد أن تلجأ لتحريك هذه الجماعات فتدفعها للدخول إلى لبنان وتفجير الوضع فيه تحت شعار مصادرة سلاح حزب الله. علمًا أن المعلومات المتداولة في لبنان تتحدث عن دخول حوالي ثلاثة آلاف مقاتل ممن ليسوا سوريين إلى شمال لبنان حيث يوجد رأي عام مستنفر ومستاء من سلوكيات السلطات اللبنانية وجزء منها بسبب قانون العفو المزمع إصداره دون أن يشمل آلاف المسلحين المسلمين من أبناء الشمال اللبناني والمسجونين منذ سنوات دون أية محاكمة..
وإذا علمنا أن مقاتلين وأتباع للنظام السوري البائد يتواجدون في لبنان وأنهم تحت تأثيرات خارجية وداخلية متنوعة تعمل على توظيفهم في صدامات محتملة سواء داخل لبنان أو حتى لتخريب يستهدف الوضع الداخلي في سورية. فإن أي دخول عسكري سوري رسمي إلى لبنان سوف يكون مصيدة تستهدف سورية ذاتها أكثر ما تستهدف سلاح حزب الله. فإذا كانت أميركا جادة في نزع سلاح الحزب فإنه بمقدورها تسليح الجيش اللبناني ليتولى هو المهمة. مع العلم أنها فرضت على الجيش اللبناني تدمير أية أسلحة يصادرها من أية جهة محلية مما يؤكد أنها تريده أن يبقى ضعيفًا. فالهدف الاستراتيجي الصهيو – أميركي كان ولا يزال تفجير مجتمعات المشرق العربي بالعصبيات والتناحر المذهبي بين السنة والشيعة.. وعلى ما يبدو فإنها تريد توريط القيادة السورية في هكذا تناحر تسعى لتفجيره. والقيادة السورية ممثلة بالرئيس الشرع مدركة لهذا وتعارضه وتعمل على منع حصوله..
إن الموقف الوطني السوري يستدعي الالتفاف حول الرئيس الشرع لتثبيت هذا الموقف الشجاع الذي أعلنه والرافض للتدخل العسكري في لبنان. على النخب السورية الواعية شرح هذه المخاطر وتأييد الموقف الرسمي السوري الذي لا يريد إلا علاقات طبيعية مع لبنان الشقيق والتعاون الإيجابي لمنع الانزلاق إلى أي نوع من أنواع المواجهات المذهبية أو الطائفية التي من شأنها استنزاف وتدمير الجميع..
إن جهات كثيرة لا تزال تتربص شرًا بسورية ولبنان معًا. ولها من الإمكانيات والامتدادات ما يمكنها من التخريب وعرقلة أية مساعي جدية وصادقة لإعادة بناء الدولة السورية على قواعد العدل وسيادة القانون والمشاركة الشعبية الحقيقية في صياغة وبناء مستقبل مشرق لسورية الحرة العربية..
إن تكامل الطاقات الشعبية والرسمية وفق رؤية وطنية متكاملة وبرنامج عمل مرحلي مدروس وموضوعي؛ كفيل بإفشال الكثير من التدخلات التخريبية من أية جهة أتت.






